الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
إدارة إيران للحرب الناعمة
قبل واثناء وبعد حرب الـ 40 يوماً في صراعها مع أميركا و"إسرائيل"

بقلم: الفريق الركن حسن سلمان البيضاني
هيئة الحشد الشعبي

كما هو معروف فان تحولات الحروب الحديثة متشعبة ولم تقتصر على مجال معين فما طرحه المفكر الصيني (تشياو ليانج) في كتابه الموسوم (الحرب المفتوحة) بات اكثر انطباقاً على ما يجري وخير دليل على حروب العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين حيث تسيدت أنماط الحروب الغير صلبة ساحات الصراع جنبا الى جنب مع الحروب التقليدية الحديثة، فرغم ما للقوة الصلبة من مكانة متميزة في هذه الحروب الا اننا نجد ان حروب ما بعد القرن العشرين اتخذت مسارات متعددة منها دخول الحرب اللامتماثلة بقوة وظهور أدوات الحرب السيبرانية التي تحكمت بمفاتيح أنظمة القيادة والسيطرة وتصاعد وتيرة الحروب الجيوفضائية حيث (لا أساطيل على الأرض) امام كل هذه المتغيرات في أنماط الحروب ولاسيما في أدواتها الفاعلة المستخدمة في الجيلين الرابع والخامس منها تبرز الحرب الناعمة كأحد اشكال الحروب التي لا يستغني عنها اطراف الصراع فإهمالها يعني اختراق جبهات دون اطلاق رصاصة واحدة.
من هذا المنطلق نجد ان الحروب الناعمة بدأت تأخذ الحيز المناسب في اذهان المخططين للصراعات القائمة او المحتملة او القادمة، وما شهدته ساحات الصراع الأمريكي “الإسرائيلي” – الإيراني خير دليل على ذلك فأمريكا تمتلك باع طويل في هذا المجال لاسيما وانها تسيطر على قرابة 60% من وسائل الاعلام المؤثرة على مستوى العالم حيث تلعب وسائل الاعلام وفي مقدمتها منصات التواصل الاجتماعي الدور الأكبر في تنشيط قدرات أدوات الحرب الناعمة في حين ان “إسرائيل” تحاول هي الاخرى جاهدة ان تكون لها الغلبة في مثل هذه الحروب من خلال التوظيف المتقن للإمكانيات التقنية التي تسيطر عليها الجماعات “الإسرائيلية” المتنفذة اقتصادياً ومالياً واعلامياً على مستوى العالم وما حديث نتنياهو بمؤتمر ايباك في واشنطن نيسان 2018 الا دليل قاطع على ما اولته الإدارة “الإسرائيلية” من اهتمام كبير بإرساء قواعد الحرب الناعمة وتوظيف مخرجاتها لصالح الفكر “الإسرائيلي” التوسعي، بالمقابل ادركت ايران مبكراً أهمية هذا النمط من الحروب حيث كانت الحرب الناعمة وأساليب خوضها ومتطلبات نجاحها حاضرة وبقوة في فكر الشهيد المرشد الأعلى اذ نجده يركز على ان دحر الأعداء لا يمكن ان يحصل الا اذا استطعنا ان نؤثر على طريقة تفكيرهم بما يضمن اشباع أفكارهم باننا قادرون كما هم على دحرهم، ومن هذا المنطلق بنيت الحرب الناعمة الإيرانية على جملة من القدرات التي وضفت بشكل علمي ومدروس لخوض هذه الحرب والنجاح فيها.
الحرب الناعمة في المستدرك الاستراتيجي الإيراني
القيادة الإيرانية أدركت مبكرا ما لهذه الحرب من أهمية لذلك نجدها قد تعاملت مع مفهوم القوة الناعمة كأداة لخوض الحرب الناعمة ودورها على الصـعيد المحلي والدولي من منطلقين؛ الأول ذاتي تكون فيه إيران فاعلة ومؤثرة في المحيط الإقليمي باستخدام القوة الناعمة كجزء من متطلبات الحرب الناعمة، وتسعى لتحقيق رؤيتها المستقبلية لمكانتها الإقليمية وضمان فاعلية دورها على الساحة الدولية، وذلك باستثمار مصادر وأدوات قوتها الناعمة التي ترتكز على عدة عوامل تقف في مقدمتها عوامل جغرافية وديموغرافية وحضارية وثقافية. حيث تنبثق الرؤية الإيرانية من منطلقات غير محددة زمنياً وجغرافياًً، معتزة بقوميتها الفارسية وبعقيدة غالبية سكانها المبنية على الشريعة الإسلامية والمذهب الاثني عشري ومتطلعة لمستقبلها كدولة حديثة، فهي تستحضر تاريخ حضاراتها والدول التي تعاقبت على حكمها، واتساع نطاق سيطرتها خارج حدودها الرسمية الحالية، في محاولة لاستعادة مكانتها، وتستند إلى فلسفتها وعقيدتها التمكينية ولاية الفقيه، والنظريات المنبثقة منها، كأم القرى والحكومة الإسلامية وتعدد ساحات المواجهة “لإسرائيل” والوقوف بوجه التطرف الديني الذي مثلته القاعدة ومن بعدها داعش، وتحييد قدرات أمريكا والغرب في خلق “شرق أوسط” جديد يتماشى مع روح الفكر “الإسرائيلي”.
في عام 2005م اعتمدت إيران رؤية إستراتيجية حتى عام 2025، ترمي من خلالها لتكون الدولة الأولى في جنوبي آسيا وغربها في مختلف المجالات؛ السياسية والاقتصادية والتصنيعية والعسكرية والتقنية. منطلق آخر في تعامل إيران مع القوة الناعمة كأداة من أدوات الحرب الناعمة هو استهداف القوى الأجنبية وفي مقدمتها الولايات المتحدة لقيمها وأفكارها ومشاريعها في حدودها الجغرافية والمنطقة المجاورة لها، فكثيراً ما تتردد مصطلحات مثل الحرب الناعمة، والثقافة الناتونية (نسبة الى دول حلف الناتو)، في خطاب القيادة الإيرانية. وفي هذا الصدد اهتم الشهيد المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي شخصيا بالتحذير والتوعية من خطورة الحرب الناعمة فيما لا يقل عن خمسة عشر خطابا في خمس عشرة مناسبة، منذ الانتخابات الرئاسية التي جرت في إيران في العام 2009م، حتى زيارته إلى مقر وزارة الاستخبارات الإيرانية في العام 2011م، والمرشد من أكثر الشخصيات التي استخدمت مصطلح الحرب الناعمة، محذراً من الوقوع في شراكها، ومبينا سبل مواجهتها. لم يقتصر التخوف من تأثير أدوات القوة الناعمة الغربية وأساليبها على المرشد فقط، بل شاركه في ذلك كثير من قادة إيران الذين يخشون من تداعيات القوة الناعمة الغربية على قيم الثورة الإيرانية التي تظهر في تغير أسلوب حياة المواطنين ولباسهم وثقافتهم وسلوكهم؛ وهو ما يدل على تراجع قدرة القيادة الإيرانية على التحكم في المجتمع الإيراني بحكم طبيعة وسائط التواصل الاجتماعي وثورة الاتصالات والفضاء الالكتروني المفتوح التي اثرت كثير في سلوك الكثير من المجتمعات وضبط تفاعلاته مع محيطه الإقليمي والدولي.
وقد ألقى قادة بارزون في النظام بإيران ما لا يقل عن أربعين خطاباً للتحذير من خطورة الحرب الناعمة خلال الأعوام من 2009 وحتى اندلاع حرب الأربعين يوماً ابتداء برئيس الجمهورية، ووزير الخارجية السابق والعديد من قادة الخط الأول للحرس الثوري والجيش، وبعض الوزراء، وبعض المرجعيات الدينية في قم، وهذا الاهتمام والتوجه يدل على الأهمية التي يوليها قادة إيران لأبعاد هذه الحرب ومن ما يتوجب ذكره هنا ان الهواجس تزداد لدى تيار المحافظين – أكثر من تيار الإصلاحيين – من تأثير انفتاح إيران على الثقافات والتفاعلات الدولية، وخصوصاً الغربية، على قدرة تثبيت الثقافة والقيم التي تريد القيادة الإيرانية المحافظة عليها وتعزيزها فيما يتعلق بنظام الولي الفقيه ودولته؛ ربما لإدراكها أن الكثير من قيم النظام ومشروعيته الدينية والسياسية ستتعرض للاهتزاز اذا لم تجابه بحرب ناعمة مقابلة، وانها قد تفقد نسبة من ثقة الشعب الإيراني المتعدد العرقيات والثقافات والتطلعات، فالقيادة الإيرانية تحرص على التحكم في نمط الحياة في بلدها وبما لا يحد من الحريات الشخصية ضمن الأعراف والقيم السائدة في المجتمع الإيراني، من خلال فرض القيود المبنية على تحليل المخاطر المحتملة اجتماعياً وثقافياً وحتى دينياً على مجالات التفاعل بين الشعوب وقنوات التواصل، ومن ضمنها الإعلام والسينما ووسائل الاتصالات، وتُعَدُّ الكثرة والغلبة في تيار المحافظين لرجال الدين خريجي الحوزات والقيادات العسكرية التي تعتمد على الجانب العقائدي وقوة الدولة ونفاذ القانون في السيطرة على الأوضاع الداخلية، وكذلك في توسيع نفوذ إيران الخارجي لضمان قدرتها على مواجهة الدول المعادية لها وفي مقدمتها أمريكا و”إسرائيل”.
المرشد الأعلى وتعزيز مفهوم ومنطلقات الحرب الناعمة
لا يمكن انكار ما لفكر الشهيد المرشد الأعلى من دور كبير في بلورة مفاهيم جديدة للحرب الناعمة ويمكن ادراك ذلك من خلال ما جرى طرحه من أفكار حول هذا النمط من أنماط الحروب هذه الأفكار التي وجدت لها طريقا للتطبيق في ايران ويمكن للمتتبع لما ينشره مركز الحرب الناعمة ان يلاحظ مدى اهتمام الشهيد بهذا الجانب فحال توليه زمام الامور مارس من خلال موقعه وصلاحياته والكاريزما الروحية والثقافية دوراً استراتيجياً في انتقال إيران من حالة المقاومة العادية المعتمدة على السلاح التقليدي إن صح التعبير، أي المقاومة بشروط أدني من وسائل تأمين الدفاع المقدس، إلى دولة ابتكار ومقاومة متفوقة بوسائل وأدوات متقدمة، مكنت القيادات الإيرانية من اتخاذ المبادرات والتحكم في معادلة الصراع. ففي حديث له اثناء لقائه أعضاء من الحرس الثوري والقوى الأمنية بمناسبة الثالث من شعبان الموافق 26 كانون الثاني 1993 لخص مفهوم الحرب الاهلية ومن وجهة نظر الثورة الإسلامية في إيران حيث قال (الكل علموا وأدركوا اليوم أن مواجهة الاستكبار لنظام الجمهورية الإسلامية لم تعد من نوع مواجهته في العقد الأول للثورة. في تلك المواجهة جربوا القوة وانهزموا كانت المواجهة صعبة، وكان هناك إشعال حرب وتدبير لانقلاب. في بداية الثورة دبّروا انقلابًا وفشلوا. وأطلقوا حالات تمرّد قومية وهزموا وأخفقوا. وأشعلوا الحرب المفروضة التي استمرت ثمانية أعوام وفشلوا، إذا، سوف لن يعاودوا استخدام هذه الأساليب. أي إن احتمال ذلك ضعيف. طبعا ينبغي التأهب لجميع الاحتمالات والأبعاد. لكن هذه ليست أولوية الاستكبار في مواجهة النظام الإسلامي. الأولوية اليوم لما يسمونه الحرب الناعمة، أي الحرب بواسطة الأدوات الثقافية والتغلغل والاندساس والكذب وبث الشائعات بواسطة الأدوات المتطورة الموجودة اليوم أدوات الاتصال التي لم تكن موجودة قبل عشرة أعوام أو خمسة عشر عامًا وثلاثين عامًا، وقد تطورت وانتشرت اليوم). وفي حديث اخر له اثناء القائه كلمة على حشود التعبويين (الباسيج) في 25 تشرين الثاني 2009 تحدث عن أدوات الحرب الناعمة حيث قال (من الأدوات في الحرب الناعمة أن يجعلوا الناس في المجتمع سيئ الظن ببعضهم بعضا ويوغروا قلوبهم ضد بعضهم بعضاً ويزرعوا الخلافات والفرقة فيما بينهم. يجدون ذريعة يخلقون بها الخلافات بين الناس. مثال ذلك الأحداث التي وقعت بعد انتخابات هذا العام، ورأيتم كيف اختلقوا ذريعة لبث الخلاف بين الناس. لحسن الحظ شعبنا صاحب بصيرة. مثل هذه الأعمال غيرت الوضع برمته في بلدان وأماكن أخرى. يبثون الشكوك في قلوب الناس وبينهم يختلقون ذريعة مثل ذريعة الانتخابات ويبثون الشكوك، ويزرعون الأحقاد في القلوب، ويضعون الناس في مواجهة الناس. بعد ذلك يدفعون العناصر المتدربة المغرضة المعاندة لارتكاب أعمال غير مشروعة ولا يستطيع مسؤولو البلاد تشخيص ما الذي يحدث وعلى يد من يحدث هذه من مخططاتهم الأساسية. هكذا يتابعون الأمور). لقد بنت إيران قوة جيو فضائية مكونة من قوة صاروخية وطائرات مسيرة تمتلك قدرات رادعة أمنت توازنا في الرعب امام التهديد النووي “الإسرائيلي”، وتحولت إلى قوة جذب إقليمي ودولي، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل انها الان في مرحلة تفكيك القوة الناعمة للخصم وتقويض الثقة في تفوقه الاستراتيجي وهذا ما حسم بنسبة كبيرة في حرب الأربعين يوماً.
خطوات القيادة الإيرانية في مجال الحرب الناعمة
القيادة الإيرانية وادراكا منها بأهمية الحرب الناعمة عززت هذه القدرات بالخطوات التالية:
-
منحت فكرة الصمود والمقاومة للمشروع الأمريكي “الإسرائيلي” الاسبقية العليا في الفكر الاستراتيجي وبنيت الخطط بمستواها السوقي على استدراج العدوّ إلى مواقف أفقدته او تفقده المبادرة والقدرة على السيطرة. لقد كانت إيران بهذا المعنى فاعلاً أساسياً في تقويض نزعة الهيمنة الأمريكية في كل من أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين، وكانت المحصلة النهائية لهذه الخطط هي تقويض القدرة العسكرية بمكوناتها المادية وتغيير قواعد الاشتباك واجبار الدول السائرة في الركب الأمريكي “الإسرائيلي” على إعادة النظر في سياساتها تجاه ايران فضلاً على انها عززت سياستها الإقليمية والدولية عن طريق احتواء ساحات كثيرة وبالتالي فان فكرة الصمود والمقاومة كجزء أساسي من الحرب الناعمة نجحت في تحقيق جزء ليس بالقليل من استراتيجيات ايران تجاه الجوار الإقليمي.
-
ابتعدت إيران كلياً عن انتهاج سياسة صناعة العدو بالمعنى السائد والمطبق من قبل الكثير من دول الجوار الإقليمي لإيران، فلقد قامت باحتواء الجوار بما فيه العراق الذي خاض ضد إيران حرب الثماني سنوات، وأفغانستان التي تبنت مواقف عدائية كثيرة تجاه ايران بحكم فكر قيادتها المتشدد وأذربيجان التي ظلت علاقتها بإيران محكومة بالتوتر ومع ذلك لم تعمل ايران على تصعيد الصراع معها الى مستوى القطيعة او المواجهة المسلحة، لقد نهجت إيران مع الجيران سياسة تصفير الاختلافات قدر الإمكان حيث احتفظت إيران بعلاقات دبلوماسية حتى مع الدول التي لم تشاركها رؤيتها الإستراتيجية.
-
إيران ومن خلال أدارتها للحرب الناعمة استطاعت تقويض مشروع “الشرق الأوسط” الجديد، حين جعلت الشرق ليس خالصاً للحلف الأمريكي. وهذا المشروع لم يكن وليد ما طرحته كوندوليزا رايز في عهد جورج بوش الابن بل هو احد منطلقات فكر شمعون بيريز الذي روج له من خلال كتابه المشهور “الشرق الأوسط” الجديد حيث أكد بيريز على أن “إسرائيل” تمتلك ما يمكن أن تواجه به أي حلف عربي، فهي تملك قوة استراتيجية وعسكرية تمكنها من ذلك – كان هذا الحديث قبل الانسحاب من جنوب لبنان في 2000 وقبل حرب تموز 2006، الا ان “اسرائيل” ادركت بحكم دخول ايران كطرف في الصراع بإن النصر الكامل لم يعد ممكناً، اذا ما اعتمدت القوة الصلبة وحدها في الصراع، بل يجب المراهنة على القوة الناعمة كجزء أساسي وحيوي في حسم نتيجة أي صراع وهذا ما عملت عليه القيادة الإيرانية. كما انها وجدت في خيار المقاومة الذي انخرطت فيه بقوة، الوسيلة الأكثر فعالية لأعاقه قيام هذا المشروع، وزرع بذور الشك فيه، مما جعل ادوات الحرب الناعمة الايرانية خلال القرن الحالي نداً قويا لمشروع “الشرق الأوسط” الجديد.
-
دعم القيادة الإيرانية للمقاومة الفلسطينية يحمل في طياته أيضاً مستوى من مستويات الحرب الناعمة، حيث التضامن مع شعب محتل، له دلالة رمزية أكثر مما له دلالة مادية فحسب. بتعبير آخر، لم تشتت إيران اهتمامها على أعداء كثر، بل وضعت في سياستها عدواً واحداً، رغم أن هناك الكثير من الخصوم لدى إيران، ولكن الخصومة عادة تأتي إما بناء على منطق التحالفات، أو سوء الفهم الكبير، وعادة من الأطراف الأخرى. وذلك يعود إلى الادراك العقلاني للسياسة الإيرانية لما يفترض ان تعمل عليه لاسيما وإنها تجاوزت محطات كثيرة من الاحتكاك المتوقع خلال العقد الثاني من القرن الحالي والسنوات التي تلته.
-
ما حققته إيران من مظاهر الاقتدار الاقتصادي والثقافي، ودخلوها في حرب ناعمة ضد النموذج السائد في الدول المتخلفة المعتمدة كليا على الغرب، وتحقيقها طفرات في مجال الصناعة الثقيلة، وما حققته من نتائج مبهرة في مجال التطور النووي في مجال الاستخدام المدني كقطاع الطب والصناعة وإنتاج الطاقة انعكس إيجابياً في نظرة العدو لإيران وبالتالي فهي وضفت ادواتها التصنيعية والاقتصادية لرفع قدراتها والخروج من مستنقع التبعية التقنية للغرب.
-
لقد ردت إيران خلال هذه العقود على سياسات العقوبة والحصار، بسياسات اختراقية، لم تؤدي الى افشال سياسات التدخل العسكري ولمرات عديدة من قبل أمريكا و”اسرائيل” فحسب، بل جعلت سياسة العقوبات نفسها فاقدة للجدوى، ناهيك عن الحرب الناعمة التي تستند إلى تراث من الروية والتأني التي يتحلى بها القائمون على مركز اتخاذ القرار في إيران.
-
تغيرت فكرة الحرب الناعمة في ايران بفضل طروحات الشهيد المرشد الأعلى من النزعة الثقافية المجردة، ليجعلها جزءاً من مقاربة جيوستراتيجية شاملة، وبدل من أن يقدم خطاباً للحوار الحضاري، قدم قوة جذب تقوم على التحديث والتصنيع للهياكل والبنيات التحتية والقوة العسكرية بالموازاة مع التنمية الثقافية والتشجيع على البحث العلمي وتعزيز القدرات وتقوية قطاع التربية والتكوين ارتكزت فكرة الحرب الناعمة لدى الشهيد المرشد ليس على مفهوم الثقافة بل من خلال انصهار مفهوم الحضارة مع متبنيات التقدم المادي والتقني أي ان لا تطرح الثقافة بشكل المجرد كنتائج ادبي او معرفي او اجتماعي بل تعزز بقدرات علمية وتقنية تنافس ما يمتلكه اطراف الصراع الأخرى.
-
مفهوم الاقتدار الذي تبنته القيادة الإيرانية وهو معنى شامل يعزز موقع إيران في سياق الحرب الناعمة تجسد ذلك بإعلان ايران وبشكل علني عن دعمها لحركات مسلحة كثيرة وفي مقدمتها المقاومة الفلسطينية وحzب الله وأنصار الله الحوثــ ــيون وفصائل المقاومة الإسلامية في العراق، كما أنها وسعت من نشاطها عبر المياه الدولية لضمان حقوقها في كونها هي وعمان تمتلكان حق التصرف بموجب القوانين الدولية بمضيق هرمز.
-
القوة الصلبة رافقت القوة الناعمة في تجسيد الاستراتيجية الإيرانية على المستوى الإقليمي حيث إن القوة البحرية الإيرانية اعتبرت من وجهة نظر القيادة الإيرانية جزء من الحرب الناعمة أيضاً لما حققته من اختراق لقواعد الاشتباك، كانت إيران تخوض حربا ناعمة من خلال فك الحصار على كل من سوريا والعراق وفنزويلا ولبنان، من خلال سفن محملة بالنفط، كاسرة الحصار المفروض من قبل الولايات المتحدة. وقد شكل ذلك سابقة في تاريخ فك الحصار مقابل ما يمتلكه العدو من قدرات وقوات بحرية وقواعد عسكرية أمريكية على امتداد الساحل الخليجي.
-
انتهاج إيران لمقاربة شمولية لتحقيق التوازن بين الردع والقوة الناعمة، من خلال مواكبة التطور في كل القطاعات، وليس حصراً على القوة الصلبة او الصناعات العسكرية بل امتدت لتشمل مجالات متعددة منها الثقافة، والتعليم، والمرأة، والفن، والابتكار وتطوير الإمكانيات السياحية وتوسيع قدرات الجامعات الإيرانية في مجال البحوث العلمية والتقنية.
-
من اكثر أدوات الحرب الناعمة الإيرانية هي استخدام المصداقية في طرح ما يحصل فقد استطاعت من خلال ذلك أن تحقق مكاسب كثيرة على مستوى الحرب الناعمة، حيث تمكنت من تجاوز مفهوم عدم المصداقية المبررة او ما يطلق عليها (الكذبة النبيلة) والتي اعتمدتها الكثير من القوى الثوروية في العالم، أي عدم المصداقية لخدمة العدالة والحقيقة، فلقد استندت إلى قيمة الشهادة التي لا تلتقي مع مفهوم (عدم المصداقية) وكان من بين آثار هذا المنهج، أن العدو نفسه كان يستند إلى خطابها دون واسطة في التأويل حيث ان ما تطرحه ايران يعتبر بالنسبة لأعدائها واقعاً لابد من اخذه بنظر الاعتبار وليس مجرد طروحات للترويج الإعلامي وهذا ما حصل خلال حرب الأربعين يوماً حيث كلما توعدت به ايران نفذته.
-
أدركت إيران محتوى القوة الناعمة، باعتبار أنها قوة رديفة، بل قوة لا تستغني عن قوة الردع المادي؛ فالحرب الناعمة تقوم على النموذج المادي في الإدارة والتنمية والانتصارات. لقد تشكّل وعي جديد بالمقاومة في “الشرق الأوسط” يقوم بتغيير المزاج العام الثقافي والنفسي تجاه الهزيمة، فلقد سعت إيران عبر حلفائها لتقويض حالة الانكسار والشعور المزمن بالهزيمة، وعبر عدد من الإنجازات الميدانية، استطاعت أن تحرّر المنطقة من الهزائم الكبرى، وبات الحديث عن انتصارات بدل هزائم، في معركة استنزاف مادي ورمزي، غيرت قواعد الاشتباك لصالح الحرب النفسية التي قامت بها تجاه العدو، وهي حرب نفسية تقوم على استنزاف كل أساليب الخصم في فرض الحصار وفي الحرب الناعمة وكذلك في فرض التوازن وعدم خرق قواعد الاشتباك.
-
الحرب الناعمة الإيرانية منحت مفهوم الانتصار بعداً اخر غير ما هو سائد حيث ان مفهوم الانتصار هنا لا ينطلق من التعريف الكلاسيكي للانتصار العسكري، فالانتصار هنا نسبي، يتعلق بشل قدرة الخصم في تحقيق او الحصول على المبادرة بالحرب، أو عدم الرهان على مشروع التدخل العسكري، وأيضا نقل القلق إلى جبهة العدو.
-
مما يميز القوة الناعمة الإيرانية هي قدرتها على الاستبصار وتحديد ما يفترض فعله او معالجته لذلك نجدها قد نجحت في تحديد العدو الرئيسي، وهي حتى في ذروة التنازع والصراع، حيث انها لا تقبل بأن يكون هناك بديل أو مزاحم لهذا العدو إدراكا منها ان تشتيت الجهد سيؤدي ضياع الفرص وقد يصل بها الى عواقب وخيمة، ما يعني أنها في إدارة الموقف لم تسقط في الذهان السياسي، بل كانت واضحة، وواثقة من نفسها، إنها مدت يدها لكل الجيران ولكل الدول العربية والإسلامية لاسيما الخليجية منها وحتى الغربية أيضاً وهي في ذروة الصراع.
-
ضمن متطلبات إنجاح الحرب الناعمة فان إيران لم تغلق منافذ التفاوض حتى مع أمريكا في إطار الملف النووي. في هذا الإطار، تجنبت إيران حالة الذهان السياسي، لاسيما وهي تمد اليد للدول الخليجية على الرغم من كل الاشتباك السياسي والذي اعقبه اشتباك عسكري بلغ الذروة خلال حرب الربعين يوماً. وبذلك وضفت إيران أدوات سياستها الدبلوماسية في الحرب الناعمة واستطاعت تقويض حالة العزلة التي كان خصومها يسعون إليها دولياً وإقليمياً.
-
إن نجاح إيران من شأنه أن يخلق ارتدادات سلبية تتطلب من العدو بالمقابل رفع قدراته في مجال الحرب التقليدية والناعمة الا ان كل ذلك لم يثني ايران عن مواصلة التقدم رغم الحصار مما أدى إلى تعزيز الإحباط لدى خصومها، كما استطاعت أن تذهب بالمواجهة مع خصومها من طبيعتها الحضارية إلى حدود التفاوض حول الملف النووي من منطلق القوة بعد افشلت الأهداف التسعة التي روج لها الامريكان والصهاينة في بداية حرب الأربعين يوم، وهو يعني أن إيران وبعد 40 عاماً، غيرت الكثير من قواعد الاشتباك، وانتهت إلى خوض حرب ناعمة واسعة النطاق جنباً الى جنب مع الحرب التقليدية بأدواتها الحديثة.
-
خلال السنوات الماضية لم تعد الحرب قرارا يستفرد به العدو، بل لقد تكرست قواعد اشتباك جديدة، منحت الحرب الناعمة مجالاً جديداً للمواجهة. لقد عملت إيران على مستويين تطوير القدرات الدفاعية والصاروخية تحديداً وباتت القوة الأكثر اقتدار جيوفضائياً على مستوى “الشرق الأوسط”، ودخلت في مرحلة الحرب السيبرانية والإلكترونية وكل أشكال الحرب الذكية. ولم يتوقف الامر عند هذا الحد بل عملت على تطوير قدراتها الثقافية وإنتاجاتها العلمية في مجال الابتكار السلمي معطية الاهتمام الأكبر للإنسان باعتباره هو الهدف الأسمى.
الحرب الناعمة في صراع الأربعين يوماً
تجلت أساليب الحرب الناعمة التي اعتمدتها القيادة الإيرانية في حربها الوجودية مع “إسرائيل” وامريكا بأشكال مختلفة يمكن اجمالها بما يلي:
-
الخطاب المتوازن المبني على المصداقية العالية في التعامل مع الاحداث وتنفيذ كل ما يطرح دون أي تخاذل او تخلف عن الوعود وبمستوى عالي جداً من الضبط في تحديد ما يتوجب طرحه لقاء ما يفعله العدو من مجازر وضربات جوية لا تقيم للجانب الإنساني أي اعتبار.
-
تفعيل الخطاب الإعلامي المتزن البعيد كل البعد عن المبالغة وحصر التحدث بأمور الحرب ومستجداتها بذوي الاختصاص مع مراعاة الجانب الأمني في الطرح وهذا ما جعل العدو يدرك ان ما تنوي إيران ستفعله بشكل او باخر.
-
مخاطبة الجمهور الإيراني بطرق متعددة من خلال توظيف الإمكانيات المتاحة وعدم إطلاق الوعود بإن الحرب لن تؤثر على طبيعة الحياة بل كان توجه القيادة هو استخدام كل الإمكانيات لدرء الخطر الذي قد تسببه أدوات الحرب الناعمة للعدو.
-
جرى خلال الأربعين يوماً ما يمكن ان نسميه التوازن المتصاعد في استخدام القوة الصلبة مع إطلاق العنان لأدوات الحرب الناعمة لتكون بمثابة مساند لهذه القوة حيث لم يجري التسرع في استخدام كل انواع الصواريخ المتاحة بل كان التصعيد في الاستخدام مسبوق باستخدام أدوات الحرب الناعمة تجاه العدو.
-
نجحت إيران نجاح منقطع النظير في ادارتها للصراع في مضيق هرمز في الفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار حيث جرى توظيف أدوات الحرب الناعمة بشكل مثالي مما دفع الغالبية العظمى من دول العالم للاقتناع بإن من يسطر على المضيق هم الإيرانيون.
-
ساهم ترامب دون دراية في إنجاح أدوات الحرب الناعمة الإيرانية من خلال أطلاقه لعبارات متناقضة وغير متزنة حيث جرى توظيفها من قبل إيران لتبيان مدى هشاشة الموقف الامريكية وانعدام مصداقيته.






