الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
مع انقلاب الموازين ضد بوتين ينبغي الحذر من زعيم يدفعه اليأس إلى التصعيد
قد يلجأ بوتين إلى إجراءات استثنائية ويائسة للحفاظ على موقعه

بقلم: بيتر فرانكوبان
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
يمرّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بواحدة من أكثر المراحل تعقيدًا منذ وصوله إلى السلطة، فما أطلق عليه اسم العملية العسكرية الخاصة ضد أوكرانيا عام 2022 والتي كان من المفترض أن تنتهي خلال أيام قليلة بتنصيب حكومة موالية لموسكو في كييف تحوّل إلى حرب استنزاف تجاوزت في مدتها الحرب السوفيتية ضد ألمانيا النازية بل امتدت لأكثر من سنوات الحرب العالمية الأولى بأكملها، وعلى الجبهة العسكرية لم تعد القوات الروسية تحقق مكاسب ميدانية ذات شأن بل تشير بعض البيانات إلى أنها فقدت أجزاءً من الأراضي التي كانت تسيطر عليها خلال شهري نيسان وأيار.
وحتى المكاسب المحدودة التي أحرزتها موسكو جاءت بثمن بشري باهظ، فقد كشفت آنا كيست-باتلر مديرة وكالة الاستخبارات البريطانية GCHQ، الشهر الماضي عن معلومات استخباراتية جديدة تُرجّح أن عدد القتلى الروس في الحرب اقترب من نصف مليون جندي فيما تقدر مصادر غربية متعددة إجمالي الخسائر الروسية، بين قتيل وجريح بما يزيد على مليون عسكري. وعند قياس الخسائر بصورة نسبية تبدو صورة الاستنزاف أكثر قتامة، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن روسيا تخسر حاليًا ثمانية جنود بين قتيل وجريح بإصابات خطيرة مقابل كل جندي أوكراني واحد، ومع تجاوز متوسط الخسائر الشهرية ثلاثين ألف فرد خلال العام الجاري بات الجيش الروسي يواجه صعوبة متزايدة في تعويض النقص في قواته، ولذلك لجأت موسكو إلى رفع الحوافز المالية للمجندين الجدد عارضةً مكافآت توقيع تصل إلى 80 ألف دولار إضافة إلى إعفاءات من الديون قد تبلغ 140 ألف دولار في محاولة لتعزيز معدلات التجنيد.
ومع ذلك فإن من يقبلون بهذه العروض لا ينتظرهم سوى مستقبل قاتم فبحسب مدونين عسكريين روس يتراوح متوسط الفترة الزمنية التي يقضيها المجند الجديد منذ وصوله إلى معسكر التدريب وحتى مقتله في ساحة القتال بين عشرة أيام وثلاثة أسابيع، أما بعد دخوله خط المواجهة فلا يتجاوز متوسط بقائه على قيد الحياة ما بين عشرين وخمسٍ وثلاثين دقيقة، ويُعزى ذلك بدرجة كبيرة إلى التحول الجذري في طبيعة الحرب الحديثة ولا سيما الدور المحوري الذي باتت تؤديه الطائرات المسيّرة بوصفها الوسيلة الرئيسة للقتل في هذا النزاع، وهو تحول يحمل دلالات استراتيجية عميقة بشأن مستقبل الحروب في مناطق أخرى من العالم. والأكثر إثارةً للقلق بالنسبة لبوتين أن المزاج العام داخل روسيا بدأ يشهد تحولًا ملحوظًا، فعلى مدى سنوات حظي غزو أوكرانيا بدعم شريحة واسعة من الروس بفعل الدعاية الوطنية المكثفة التي تبثها وسائل الإعلام الخاضعة لسيطرة الكرملين فضلًا عن محدودية انعكاسات الحرب على الحياة اليومية لمعظم المواطنين، غير أن أوكرانيا نجحت تدريجيًا في نقل الحرب إلى العمق الروسي. فقد أثبتت الطائرات المسيّرة الأوكرانية بعيدة المدى المطورة محليًا مثل FP-1 وFP-2 وHornet قدرة متزايدة على إلحاق خسائر اقتصادية واستراتيجية ونفسية بروسيا، وأصبحت كييف تشن بصورة منتظمة هجمات تستهدف مواقع داخل الأراضي الروسية، من بينها هجوم واسع على موسكو في منتصف حزيران، يُعتقد أنه أدى إلى تعطيل أكبر مصفاة نفط في العاصمة حتى عام 2027. ولا تقتصر حملة الضربات الأوكرانية بعيدة المدى على الأهداف العسكرية مثل القواعد الجوية ومنصات إطلاق الصواريخ بل تركز بصورة متزايدة على البنية التحتية لقطاع الطاقة الروسي بما في ذلك مصافي النفط وخطوط الأنابيب ومنشآت تصدير الطاقة ومستودعات الوقود، وتقدّر وكالة رويترز أن هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية خفّضت القدرة الروسية على تكرير النفط بنحو 700 ألف برميل يوميًا، وفي الوقت نفسه بدأ المدونون العسكريون الروس الذين يمثلون إحدى آخر المساحات المحدودة للتعبير غير الخاضع بالكامل لرقابة الدولة، يبدون استياءً متزايدًا مع إدراكهم أن روسيا أكثر هشاشةً مما دأب الكرملين على تصويره.

وشهدت الأسابيع الأخيرة أيضًا سلسلة من الهجمات اللافتة، ففي صباح اليوم الأول لانعقاد منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي مطلع حزيران استهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية محطةً نفطية في المدينة حيث تصاعدت أعمدة كثيفة من الدخان الأسود أمام أنظار الوفود المشاركة في المنتدى، وبعد ثلاثة أيام ثم مجددًا في 20 حزيران تعرضت مصفاة أنتيبينسكي في مدينة تيومين بغرب سيبيريا لهجمات مماثلة، وتُعد هذه المنشأة من أكبر المصافي الروسية إذ تعالج نحو 160 ألف برميل من النفط يوميًا وتقع على مسافة تتجاوز ألف ميل من خطوط القتال، كما بدأت منشآت حيوية في مناطق نائية مثل فلاديفوستوك وجزيرة سخالين الاستثمار في أنظمة دفاع مضادة للطائرات المسيّرة في مؤشر واضح على أن امتداد التهديد الأوكراني جعل أي منطقة داخل روسيا بمنأى عن الشعور بالأمان. وفي موازاة ذلك تتزايد الضغوط الاقتصادية على الداخل الروسي فقد أصبحت التقارير عن تقنين الوقود ونقص الإمدادات تتكرر بوتيرة ملحوظة، وفي شبه جزيرة القرم الخاضعة للسيطرة الروسية تراجعت احتياطيات الوقود إلى مستويات دفعت السلطات إلى تعليق بيعه للجمهور بينما شرعت أكثر من نصف الأقاليم الروسية في تطبيق إجراءات لتقنين توزيعه، كما انخفض إنتاج الديزل الروسي بنسبة إضافية بلغت 10% خلال شهر أيار في حين فرضت موسكو حظرًا مؤقتًا على صادرات البنزين، ويُرجّح أن هذه الإجراءات تعكس الآثار المباشرة للضربات الأوكرانية على مصافي النفط التي قيدت قدرة روسيا على الاستفادة من الارتفاع الحاد في أسعار النفط الناجم عن الحرب الأميركية-“الإسرائيلية”** ضد إيران. وقد زادت هجمات الطائرات المسيّرة الأوكرانية من الضغوط الواقعة على اقتصاد روسي أنهكته الحرب بالفعل، ففي وقت سابق من هذا العام أفادت هيئة الاستخبارات الاتحادية الألمانية (BND) بأن الإنفاق العسكري الروسي بات يستحوذ على نحو نصف إجمالي الموازنة العامة للدولة وهي نسبة تفوق بكثير ما يعلنه الكرملين رسميًا، وفي السياق ذاته رأى توماس نيلسون رئيس جهاز الاستخبارات والأمن العسكري السويدي أن الاقتصاد الروسي لا يواجه سوى أحد مسارين محتملين “تراجعًا طويل الأمد أو صدمة اقتصادية حادة” مؤكدًا أن كلا السيناريوهين يقود في نهاية المطاف إلى كارثة مالية.
وفي نيسان حذّرت إلفيرا نابيولينا محافظة البنك المركزي الروسي من استمرار معدلات التضخم المرتفعة ومن تدهور اقتصادي وصفته بأنه “يكاد يصبح حالة دائمة”، كما أشارت إلى أن روسيا تواجه للمرة الأولى في تاريخها الحديث نقصًا في القوى العاملة نتيجة مقتل أعداد كبيرة من الرجال أو إصابتهم بعاهات دائمة أو استمرارهم في القتال على الجبهة، وفي الوقت نفسه أقر مسؤولون حكوميون كبار بأن إجراء تخفيضات عميقة في الإنفاق العام بات أمرًا لا مفر منه. ولا تبدو مؤشرات القطاعات الاقتصادية الأخرى أكثر تفاؤلًا، فقد تراجع نشاط بناء المساكن بنحو 40% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، كما انخفض الطلب على المستودعات التجارية بنسبة مماثلة تقريبًا، وفي قطاع النقل تضاعف عدد الرحلات الجوية المدنية الملغاة أربع مرات منذ بداية العام، فيما أثار تزايد وتيرة سحب الودائع من البنوك التجارية مخاوف إضافية بشأن الاستقرار المالي. وفي مطلع هذا الشهر تداولت الأوساط السياسية والاقتصادية في موسكو شائعات عن احتمال إقالة نابيولينا بعدما أصبحت تحذيراتها الاقتصادية غير مقبولة بالنسبة إلى بوتين، ولتعزيز خزينة الدولة دفع عدد من رجال الأعمال المقربين من السلطة ما وُصف بـالمساهمات الطوعية لدعم المجهود الحربي وهي مساهمات تتوقع الحكومة أن توفر نحو أربعة مليارات دولار بحلول نهاية عام 2026، وفي الشهر نفسه صادرت السلطات أصول فاديم موشكوفيتش مؤسس مجموعة روس أغرو والتي تتجاوز قيمتها سبعة مليارات دولار، وتمثل هذه الخطوات رسالة مقلقة للنخبة الاقتصادية المحيطة ببوتين إذ إن إظهار الولاء السياسي شيء لكن التعرض لخسائر مالية مباشرة شيء آخر تمامًا. وليس من المستغرب في ظل هذه التطورات أن تتصاعد حالة السخط تجاه إدارة بوتين للحرب، فقد نقلت صحيفة فايننشال تايمز عن رجل أعمال روسي بارز رفض الكشف عن هويته قوله إن “الجميع غاضبون” مضيفًا أن الجميع “متفقون تمامًا على أن ما يحدث كارثة”، كما أوردت صحيفة الغارديان عن رجل أعمال آخر قوله إن “هناك إدراكًا متزايدًا بأن قرارات عبثية ومدمرة للذات تُتخذ بصورة متواصلة، والأشخاص الذين كانوا يدافعون عن بوتين لم يعودوا يفعلون ذلك كما أن أي شعور بوجود مستقبل قد تلاشى”، ومع ذلك أشار المصدر نفسه إلى أن “لا أحد يعتقد أن كل شيء سينهار فجأة غدًا”.
وربما يكون هذا التقييم هو الأقرب إلى الواقع إلا أن المدونين العسكريين الروس يتبنون رؤية أكثر تشاؤمًا، فقد كتب مكسيم كالاشنيكوف في وقت سابق من هذا العام “نحن على أعتاب أحداث دراماتيكية” متسائلًا “هل نتجه نحو تكرار سيناريو عام 1917؟”، في إشارة إلى العام الذي انهارت فيه الإمبراطورية الروسية وتفكك الجيش الروسي خلال الحرب العالمية الأولى ومهّد الطريق لقيام الاتحاد السوفيتي. وتتسع رقعة الاستياء تدريجيًا ولم تعد تقتصر على رجال الأعمال أو المدونين بل امتدت إلى قطاعات أوسع من المجتمع الروسي، ولا يبدو أن البلاد تتجه بالضرورة نحو ثورة جديدة لكن من المرجح أن تؤدي الضغوط الاقتصادية المتفاقمة إلى جانب تنامي الإحباط من الحرب مع انقلاب موازينها تدريجيًا ضد روسيا إلى إقناع أجنحة داخل النخبة الحاكمة في موسكو بأن الوقت قد حان لبدء مرحلة جديدة، فما يبدو اليوم مجرد تصدعات محدودة قد يتحول غدًا إلى شروخ عميقة تهدد تماسك النظام. ومع ازدياد صعوبة الحياة اليومية أصبحت آثار الحرب أكثر حضورًا في الداخل الروسي، ففي أيار مُنحت المؤسسات المالية صلاحيات شبه عسكرية شملت حق استخدام أجهزة التشويش الإلكتروني ومنظومات الدفاع الجوي فوق أسطح مبانيها، فضلًا عن السماح لموظفيها بحمل الأسلحة وإسقاط الطائرات المسيّرة عند الضرورة. أما بوتين الذي اعتاد استحضار إرث بطرس الأكبر وغيره من القياصرة الروس فلم يُظهر بحسب الكاتب صفات القيادة أو الرؤية الاستراتيجية أو القدرة على توجيه الدولة في هذه المرحلة الحرجة، وبدلًا من ذلك بات يجسد دور القيصر نيقولا الثاني خلال الحرب العالمية الأولى إذ ينشغل بإدارة تفاصيل الحرب بصورة مفرطة ويختفي عن الأنظار لفترات طويلة ثم يعود للظهور في مناسبات عامة تبدو منفصلة عن واقع الأزمة، كما تناولت وسائل إعلام غربية على نطاق واسع هواجسه المتزايدة بشأن أمنه الشخصي إذ يقضي معظم وقته بعيدًا عن الأضواء ويخضع زواره لإجراءات أمنية غير مسبوقة.

وعندما ظهر مؤخرًا في أحد فنادق موسكو لاصطحاب معلمه السابق إلى مأدبة عشاء بدا أن الهدف هو إظهار جانبه الإنساني والإيحاء بأنه لا يعيش منعزلًا في الملاجئ، إلا أن هذه الخطوة أعطت انطباعًا معاكسًا إذ بدت منفصلة عن واقع البلاد، والأمر نفسه ينطبق على حديثه عن وصفات إعداد (الملفوف المخلل) في الوقت الذي كانت فيه طائرات مسيّرة أوكرانية قد استهدفت لتوها مصفاة تابعة لشركة لوك أويل في مدينة بيرم، فثمة فرق بين أن يغيب القائد عن الأنظار لأسباب أمنية وبين أن يبدو منفصلًا عن الواقع وهو الدرس الذي تعلّمه القيصر نيقولا الثاني متأخرًا عام 1917. ورغم أن النجاحات الأخيرة التي حققتها أوكرانيا قد تغري البعض بالمبالغة في تقدير حجم التحول الاستراتيجي فإن فرص كييف في استعادة مساحات واسعة من الأراضي المحتلة أو توجيه ضربة حاسمة تنهي الحرب لا تزال محدودة، ومع ذلك فإن استمرار تدهور الأوضاع بالنسبة لروسيا عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا يرفع من احتمالات لجوء بوتين إلى خيارات أكثر خطورة، فكلما ازداد شعوره بأن موقعه مهدد تعاظم خطر وقوعه في ما يمكن وصفه بـ”متلازمة الغريق” وهي الحالة التي يدفع فيها الشخص الذي يصارع الغرق الآخرين إلى أسفل الماء في محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة، وفي السياق السياسي تعني هذه الاستعارة أن قائدًا محاصرًا قد يلجأ إلى تصعيدات غير محسوبة أو خطوات أكثر عدوانية لتفادي السقوط حتى لو جاءت على حساب استقرار خصومه أو النظام الدولي بأسره. كلما وجد فلاديمير بوتين نفسه في موقف ضاغط خلال هذه الحرب كان خياره المعتاد هو التلويح بمزيد من التصعيد ضد أوكرانيا والغرب، ومن هذا المنطلق عادت الرسائل التحذيرية الصادرة عن موسكو في الآونة الأخيرة لتتسم بلهجة أكثر حدة وإلحاحًا، ففي أواخر أيار أبلغ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف نظيره الأميركي ماركو روبيو بأن روسيا ستنفذ “ضربات منهجية ومستمرة تستهدف المنشآت التي تخدم احتياجات القوات المسلحة الأوكرانية في كييف فضلًا عن مراكز صنع القرار ذات الصلة” داعيًا الدول الغربية إلى إجلاء بعثاتها الدبلوماسية، إلا أن هذه الدعوة لم تلقَ استجابة تُذكر إذ فضّلت الدول الغربية الإبقاء على بعثاتها في أماكنها إدراكًا منها أن مثل هذه التهديدات أصبحت جزءًا مألوفًا من أدوات الضغط التي يعتمدها الكرملين. وفي أعقاب سقوط طائرة مسيّرة روسية على مبنى سكني في رومانيا صعّد ديمتري ميدفيديف نائب رئيس مجلس الأمن الروسي من لهجته تجاه الأوروبيين داعيًا إياهم إلى “الاعتياد على مثل هذه الحوادث”، وأضاف أن “مواطني دول الاتحاد الأوروبي بوصفهم سكان دول منخرطة في الحرب لن ينعموا بالنوم الهادئ”، غير أن هذا الخطاب لا يمثل تحولًا جديدًا في الموقف الروسي بل ينسجم مع النهج التصعيدي الذي اعتاد ميدفيديف تبنيه منذ اندلاع الحرب.
وفي كثير من الأحيان يكون التلويح بالقوة مؤشرًا على ضيق هامش المناورة أكثر منه دليلًا على امتلاك أوراق ضغط إضافية، ورغم أن غالبية المتخصصين في الشأن الروسي لا ينظرون بجدية إلى التهديدات النووية المتكررة الصادرة عن الكرملين فإن تعديل روسيا لعقيدتها النووية الرسمية في نهاية عام 2024 حمل دلالات استراتيجية واضحة، فقد خفّضت موسكو بصورة ملحوظة العتبة التي تتيح اللجوء إلى استخدام الأسلحة النووية كما نصّت العقيدة الجديدة على أن أي هجوم تتعرض له روسيا من دولة غير نووية إذا كان مدعومًا من قوة نووية قد يستدعي ردًا نوويًا روسيًا، وفي الوقت ذاته واصلت موسكو التلميح إلى نشر أسلحة نووية في بيلاروسيا رغم استمرار التشكيك الغربي في صحة هذه الادعاءات. وفي أيار أعلنت وزارة الدفاع الروسية انطلاق مناورات عسكرية مشتركة بين القوات الروسية والبيلاروسية تضمنت تدريبات على استخدام الأسلحة النووية، وأوضحت الوزارة أن الهدف من هذه المناورات هو ردع ما وصفته بـالعدوان الغربي المحتمل، في ظل “التصريحات والتهديدات الاستفزازية” الصادرة عن بعض المسؤولين الغربيين تجاه روسيا. ومنذ تولي بوتين السلطة قبل أكثر من خمسة وعشرين عامًا ظل تصوير حلف شمال الأطلسي (الناتو) باعتباره يخطط لمهاجمة روسيا أحد الأعمدة الرئيسة للدعاية الرسمية الروسية، إلا أن هذا الخطاب أخذ يزداد حدة مع تفاقم الصعوبات التي تواجهها موسكو في أوكرانيا، ففي أواخر أيار زعم مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي سيرغي ناريشكين أن «ألبيون المنافقة والغادرة” – في إشارة إلى بريطانيا – تقف وراء خطة يقودها الناتو لمهاجمة روسيا، وهو ادعاء يتناقض مع القدرات العسكرية الفعلية للقوات المسلحة البريطانية في الوقت الراهن.
وانعكست هذه الأجواء التصعيدية بوضوح على أعمال منتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي لهذا العام، حيث طغت على كلمات المتحدثين نبرة المواجهة الوجودية مع الغرب وتكررت التحذيرات من صراع قد يمتد لعقود، بل ذهب بعضهم إلى حد التأكيد أن الحرب في أوكرانيا “إما أن تنتهي بانتصار روسيا أو أنها لن تنتهي مطلقًا”. في المقابل تبدو خيارات بوتين أكثر ضيقًا من أي وقت مضى، فالحرب أصبحت عبئًا يفوق قدرة روسيا على تحمله ماليًا وديموغرافيًا وسياسيًا وهو ما تعكسه مؤشرات التذمر المتصاعدة داخل المجتمع الروسي، وفي الوقت نفسه أدى تحويل الاقتصاد الروسي إلى اقتصاد حرب إلى خلق معضلة جديدة إذ إن أي خفض للإنفاق العسكري فضلًا عن التوصل إلى تسوية مع أوكرانيا سيؤدي إلى انكماش اقتصادي حاد، بعدما أصبح الإنفاق الدفاعي المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي كما سيقوض مصالح الدائرة الضيقة المحيطة ببوتين التي راكمت ثرواتها من عقود الدولة والمشتريات العسكرية. ورغم تأكيد بوتين المتكرر استعداده للتفاوض فإنه لا يقدم أي مؤشر على استعداده لتقديم تنازلات حقيقية، فقد رفض مرارًا مبادرات السلام التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترامب رغم أنها كانت أكثر ملاءمة للمطالب الروسية منها للموقف الأوكراني، ولا يزال هدفه كما يرى الكاتب يتمثل في إخضاع أوكرانيا بشكل مباشر أو غير مباشر وتجريدها من القدرة على ممارسة سيادتها كدولة مستقلة. ومن غير المرجح أن يتخلى بوتين عن السلطة طوعًا لأن خروجه منها سواء بإرادته أو قسرًا قد يفضي إلى نتائج يصعب التنبؤ بها وربما يواجه بعدها السجن أو حتى التصفية، ولذلك كلما ازداد شعوره بأن موقعه مهدد ازداد استعداده لدفع الآخرين إلى تحمل كلفة بقائه السياسي، وفي هذا السياق أشار المدير السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (MI6) ريتشارد مور إلى أن بوتين “حريص على توسيع ساحة المواجهة” من خلال إجازة عمليات التخريب والهجمات السيبرانية وأعمال الحرق المتعمد داخل بريطانيا، ردًا على تراجع الموقفين العسكري والاقتصادي لروسيا.
غير أن توسيع دائرة المواجهة مع الغرب ينطوي على مخاطر كبيرة، فمنذ أربعة أعوام كثّفت روسيا عملياتها السيبرانية داخل أوروبا مستهدفة شبكات المياه والطاقة والمنشآت الصحية وغيرها من البنى التحتية الحيوية في حين ظل الرد الغربي المباشر محدودًا، ويعتقد بعض المسؤولين الروس أن هذا التردد يعكس غياب قدرة ردع غربية فعالة، وفي هذا الإطار وجّه المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا رسالة مباشرة إلى لاتفيا قائلًا “إن عضويتكم في حلف الناتو لن توفر لكم الحماية”. ويبدو أن الأشهر المقبلة ستكون شديدة الصعوبة بالنسبة لروسيا، فهجمات الطائرات المسيّرة بعيدة المدى تواصل استنزاف الاقتصاد بينما تستهدف الضربات متوسطة المدى الممر البري الحيوي الذي يربط جنوب روسيا بشبه جزيرة القرم في وقت يتزايد فيه اقتناع الروس بأن الحرب لا تسير في الاتجاه الخاطئ فحسب بل كانت خطأً استراتيجيًا منذ البداية، وكلما ترسخت هذه القناعة ازدادت احتمالات أن يرفع بوتين مستوى الهجمات الهجينة الروسية ويوسّع نطاقها وأن يحول تهديداته المتكررة للغرب إلى إجراءات عملية. ويخلص الكاتب إلى أن ربع قرن من حكم بوتين يكشف عن نمط ثابت في طريقة تفكيره فهو برأيه ليس استراتيجيًا بارعًا ولا صانع قرار ناجحًا بل اعتاد السعي إلى تحقيق أهداف متناقضة في آن واحد وظل أسير عقلية تشكلت خلال سنوات عمله في جهاز الاستخبارات السوفيتية (KGB) وقوامها الارتياب وانعدام الثقة والشك الدائم، ومن المرجح أن تدفعه هذه الذهنية إلى اتخاذ قرارات يصعب تفسيرها بمنطق المصالح الاستراتيجية لكنها تبدو منسجمة مع طريقة تفكيره داخل الكرملين.
ومع تفاقم أزمات روسيا وتضاؤل الخيارات المتاحة أمام بوتين يزداد احتمال لجوئه إلى التصعيد على الجبهتين الداخلية والخارجية، فلو لم يتخذ قرار غزو أوكرانيا عام 2014 ثم توسيع الحرب عام 2022 لما وصلت روسيا إلى هذا المأزق، لكن الواقع اليوم مختلف ولذلك يحذر الكاتب من الاستهانة بمتلازمة الغريق فالقائد الذي يشعر بأن بقاءه مهدد قد يصبح أكثر ميلًا إلى المخاطرة وأكثر استعدادًا لتوسيع دائرة الصراع في محاولة يائسة للحفاظ على سلطته، ومن ثم فإن الأشهر المقبلة قد تكون من أكثر الفترات خطورة ليس بالنسبة إلى روسيا وحدها بل بالنسبة إلى أوروبا والبيئة الأمنية الدولية بأسرها.



