الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
المواجهة التركية – الإسرائيلية في سوريا
من التنسيق الحذر إلى التصادم المعلن

بقلم: الباحث مصطفى كمال دماني / الجزائر
بعد الصراع في شرق المتوسط والتجاذبات المرافقة له والتصعيد التركي اتجاه “إسرائيل” على خلفية جرائمها في غزة تبرز سوريا كمحطة جديدة أخرى للاشتباك التركي “الإسرائيلي” على ضوء التصريحات الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب اردوغان وهذا ما سنعالجه في هاته الدراسة انطلاقاً من طبيعة العلاقة وعوامل التصادم التركي “الإسرائيلي” في سوريا والسيناريوهات المحتملة في هاته القراءة التي سنحلل فيها ما سبق. وفي ظل المخاض الإقليمي الجاري الذي لايزال يلقي بظلاله على العلاقة دون أن ترسو على استقرار.
شكل العلاقات التركية “الإسرائيلية” في ظل التوترات الجارية
رفع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان السقف عالياً بمواجهة “إسرائيل”، ليرسم ما وُصف بخطوط حمراء تركية في التعامل مع تل أبيب ومواجهة ما تعتبره أنقرة مشروعاً توسعياً “إسرائيلياً”، فمن هاتاي إلى بيروت، مرورا بحلب ودمشق، حملت الرسائل الجديدة لأردوغان أبعادا ودلالات عميقة في سياق العلاقات المتوترة بين تركيا و”إسرائيل”. وجاءت تصريحات أردوغان التي أدلى بها- اليوم الأربعاء- خلال كلمة ألقاها في اجتماع الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي في وقت يصعّد فيه الجيش “الإسرائيلي” خروقاته لاتفاقي وقف إطلاق النار في قطاع غزة ولبنان، ويواصل توغلات شبه يومية في القنيطرة ودرعا بجنوب سوريا، في تجاوزات وخروقات أخرى لاتفاق فصل القوات لعام 1974.
أوهام الأرض الموعودة
وقال الرئيس التركي إن “أمن تركيا لا يبدأ من حدودها الجنوبية أو من ولاية هاتاي، بل من حلب ودمشق وبيروت”، مؤكدا “أن أنقرة لن تسمح بفرض أمر واقع على الدول الشقيقة أو بتنفيذ مخططات تسمح بأوهام أرض الميعاد”.
وتمتد الحدود السورية التركية على أكثر من 900 كيلومتر، وتحاذي ولاية هاتاي الحدود السورية متجاورة مع محافظات إدلب وحلب واللاذقية السورية، وطالما كانت هاتاي- تاريخياً- على مفترق طرق عبر جغرافية “الشرق الأوسط”، فالولاية بين الأناضول وبلاد الشام وتحاذي البحر الأبيض المتوسط.
وفي انتقاد شديد لأحد أهم مرتكزات الخطاب “الإسرائيلي” الأيديولوجي، قال أردوغان إن تركيا تدرك جيداً “الهدف النهائي لأوهام الأرض الموعودة”، مضيفاً “بإذن الله لن نسمح أبدا بذلك” مؤكداً “أن دمشق وبيروت شقيقتان لإسطنبول، وأن أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت”، مشدداً على أن بلاده “لن تتغاضى عن أي هجمات تستهدف البلدان الشقيقة، ولن تسمح بفرض أمر واقع عليها”. وحذر من أنه “إذا لم يتم وضع حد لبلطجة “إسرائيل” فإن ثمن ذلك لن تدفعه المنطقة وحدها إنما الإنسانية بأسرها”، وأشار إلى أن “إيقاف “إسرائيل” مسؤولية إنسانية مشتركة ومنع تكرار مآسي التاريخ واجب على الجميع”، كما حذر من الانخراط في مغامرات تخدم “شبكة المجازر الصهيونية“.
وأشار إلى أن “الإدارة الصهيونية” تواصل تنفيذ سياسات تهدد استقرار المنطقة، مؤكداً أن “إسرائيل” ترفض الانسحاب من لبنان وتستمر في تنفيذ عملياتها العسكرية فيه، كما تسعى إلى زعزعة الاستقرار في دول أفريقية وأخرى مطلة على البحر المتوسط. وتابع أردوغان بأن الهجمات التي نفذها رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو و”شبكته الإجرامية” في سوريا ولبنان وصلت إلى مستوى أصبح يهدد تركيا أيضاً([1]). تشهد العلاقات التركية-“الإسرائيلية” حالياً مرحلة من القطيعة والتصعيد السياسي غير المسبوق، حيث وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ بدء أزمة غزة، وذلك في ظل الاصطفاف الإقليمي والتحذيرات التركية المستمرة بشأن التطورات الجارية. وفيما يلي أبرز ملامح هذا التوتر:
-
القطيعة الدبلوماسية
-
القرارات الرسمية: أعلنت تركيا رسمياً قطع علاقاتها الدبلوماسية مع “إسرائيل” في أواخر عام 2024، مع توجيه انتقادات لاذعة للقيادة “الإسرائيلية”.
-
استدعاء السفراء: تم استدعاء السفير التركي من تل أبيب للتشاور، بالتوازي مع طرد السفير “الإسرائيلي” من أنقرة في وقت سابق من الأزمة.
-
التصعيد السياسي والخطابي
-
الضغط الدولي: تقود الدبلوماسية التركية جهوداً حثيثة للضغط على “إسرائيل” ومحاسبتها قانونياً في الهيئات الدولية، وتصر على ضرورة الالتزام بقرارات الأمم المتحدة ودعم قيام دولة فلسطينية مستقلة.
-
الخطاب الرسمي: تصف القيادة التركية- وعلى رأسها الرئيس رجب طيب أردوغان- العمليات “الإسرائيلية” بغير المقبولة، محذرة من أن مساعي “إسرائيل” تهدد الاستقرار والأمن الإقليمي والدولي([2]).
-
القيود الاقتصادية
-
وقف التبادل التجاري: فرضت وزارة التجارة التركية حظراً كاملاً على جميع الصادرات والواردات المرتبطة “بإسرائيل”.([3])
-
التداعيات الجيوسياسية في المنطقة
-
الامتداد الإقليمي: تتسع رقعة التوتر لتشمل التطورات في سوريا، ولبنان، وشرق المتوسط. وترى أنقرة أن أمنها القومي يمتد خارج حدودها، وترفض أي تغييرات جيوسياسية قد تهدد مصالحها الإقليمية.
عوامل التوتر البيني التركي “الإسرائيلي” في سوريا
التباين في المواقف من السلطة السورية
تثير الخلفية الأيديولوجية للسلطة الحالية في دمشق الحساسية الأمنية “لإسرائيل” حيث ترى الحكومة الحالية في سلطة الشرع امتداداً للحركات الجهادية في المنطقة رغم السلوك المبدئى المهادن والالتزام السوري المعلن للسلطات في دمشق وانخراطها في التفاوض مع “إسرائيل” غير أن ذلك يبدو غير كاف في الإدراك الأمني “الإسرائيلي” على النقيض من ذلك انخرطت أنقرة في دعم وصول السلطة الحالية بدمشق وفي المرافقة لها لإعادة هيكلة المؤسسات توجسا من حالة الفراغ على تخومها وذلك ما يسوقه البعض تقارب أيديولوجيا باعتبار الرئيس التركي من خلفية إخوانية ولانقرة سوابق في دعم حركات الإخوان المسلمين بالإقليم وهذا ما جعل من الخلفية الأيديولوجية للسلطة في دمشق لا تبدو عائقاً للتقارب التركي السوري وهذا ما يجعل التناقض البيني التركي “الإسرائيلي” في الموقف من سلطة الشرع قائما.
الموقف من الأقليات
يبرز الانخراط “الإسرائيلي” في دعم الحركات الكردية في مكافحة الإرهــ ــاب بعد انتشار تنظيم الدولة في المنطقة والسلوك “الإسرائيلي” الأخير في دعم التحركات الدرزية كمحاولة “إسرائيلية” الفرض واقع جديد بسوريا كأحد المحفزات للتوجسات التركية من السياسة “الإسرائيلية” كون ذلك ينعش الطموحات الكردية في الاستقلال وذلك ما تراه أنقرة تهديداً مباشراً لأمنها القومي على أساسه تبني أنقرة تحركاتها في الجوار لصده ومحاصرته وهذا ما كان أحد العوامل المؤثرة في رفع منسوب التوتر البيني التركي “الإسرائيلي”.
الصراع على النفوذ
تكشف التقديرات “الإسرائيلية” عن تصاعد القلق من المنافسة المتنامية مع تركيا على رسم خرائط التجارة والنفوذ في الشرق الأوسط، في ظل سباق محتدم للسيطرة على الممرات البرية والبحرية التي يُتوقع أن تشكل شرايين الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة، إذ لم تعد تقتصر المواجهة بين الجانبين على الخلافات السياسية والأمنية، بل باتت مرتبطة بصراع أوسع على التحكم بمسارات الطاقة والبيانات والتجارة بين آسيا وأوروبا.
وفي هذا السياق، أكد الباحث “الإسرائيلي” كوبي باردا، أن الصراع المتصاعد بين دولة الاحتلال وتركيا يمثل جزءاً من “لعبة شطرنج عالمية”، سيكون فيها المحور الاقتصادي والأمني العامل الحاسم في تحديد الطرف الذي سيمتلك مفاتيح طرق التجارة العالمية خلال المرحلة المقبلة. وأوضح باردا في مقال نشرته صحيفة “يديعوت أحرونوت” وترجمته “عربي21″، أن التوتر بين الجانبين لم يعد يقتصر على السجالات الدبلوماسية، رغم تصاعدها بصورة غير مسبوقة خلال الفترة الأخيرة، مشيراً إلى أن التصريحات التي أطلقها وزير الداخلية التركي مصطفى تشيبك بشأن القدس، وما تبعها من ردود “إسرائيلية” حادة، تعكس حجم الاحتقان المتزايد بين الطرفين. وأضاف أن المخاوف “الإسرائيلية” لا تقتصر على الجانب السياسي، بل تمتد إلى ما وصفه بمؤشرات على استعدادات عسكرية تركية متدرجة لمواجهة محتملة مع الاحتلال، مرجحاً أن تكون الساحة السورية نقطة الاحتكاك الرئيسية. كما أن جوهر الصراع يتمثل في التنافس على الطريق البري الذي سيصبح شريان الحياة الرئيسي للتجارة الإقليمية والدولية، سواء ذلك الذي يمر عبر موانئ الاحتلال “الإسرائيلي” أو المسار البديل الذي يتجاوزها عبر سوريا وتركيا. واعتبر أن حسم هذه المنافسة سيحدد توزيع الثروة وموازين القوى في المنطقة لأجيال قادمة.
وأشار إلى أن أهمية هذا التنافس تزداد مع تراجع موثوقية الممرات البحرية التقليدية، في ظل الضغوط التي يتعرض لها مضيق هرمز وهجمات الحوثيين على باب المندب، ما يدفع القوى الإقليمية والدولية إلى البحث عن بدائل برية لنقل السلع والبيانات والنفط. ولفت إلى أن المواجهة بين دولة الاحتلال وتركيا لم تعد خلافاً ثنائياً محدوداً، بل تحولت إلى جزء من صراع دولي أوسع على النفوذ وطرق التجارة العالمية، حيث سيحدد الطرف القادر على فرض محوره الاقتصادي والأمني شكل التوازنات الإقليمية والدولية خلال العقود المقبلة.([4])

السيناريوهات المحتملة لمستقبل العلاقة
في ضوء معطيات الواقع السوري الملتبس، والذي يتسم بديناميكية واضحة ويرتبط بسياقات دولية وإقليمية، يبدو من الصعب الجزم بما ستؤول إليه الأوضاع في ظل التنافس بين تركيا و”إسرائيل”، لكن بالنظر إلى المعطيات المتوفرة يمكن رسم عدة سيناريوهات مُحتملة فيما يخص مآلات وتداعيات التنافس التركي “الإسرائيلي” في سوريا، وفيما يلي أبرز هذه السيناريوهات:
-
تقاسم مناطق النفوذ:من المُحتمل تقاسم مناطق النفوذ بين تركيا و”إسرائيل” كما كان الوضع بين الروس والأمريكيين في عهد نظام الأسد، وذلك عن طريق التوصل إلى تفاهمات محكمة وموثوقة تضمن التنسيق بين الطرفين ورسم خرائط النفوذ بما يبعد احتمال وقوع أي خطأ غير مقصود يؤدي إلى نشوب مواجهة لا يرغب بها الجانبان التركي و”الإسرائيلي”.
وقد انطلقت المباحثات في أذربيجان بغرض التوصل إلى صيغ مُرضية تلبي الحد الأدنى من التوافق بين الطرفين، وتبدو إدارة ترامب داعمة لمثل هذا السيناريو ومستعدة للوساطة بين الجانبين من أجل تمريره وفقاً لما أعلنه ترامب في لقائه مع نتنياهو يوم 7 نيسان الجاري، حين أكد له استطاعته حل أي خلاف مع أردوغان حول سوريا اعتماداً على علاقته القوية بالأخير. ويُفترض في هذه الحالة أن يراعي الأتراك مخاوف “إسرائيل” وأن يكونوا ضامنين لعدم تحول سوريا إلى قاعدة لأي عمليات عسكرية ضدها، وقد يتم منحها حرية التحليق وفق تفاهمات ونطاقات يتم التوافق عليها.
-
تمدد تركيا وتقلص النفوذ “الإسرائيلي”:من المُحتمل نجاح تركيا في مد نفوذها في سوريا على حساب النفوذ “الإسرائيلي”، ويمكن أن يتم ذلك على المدى القصير عبر إبرام اتفاقية دفاع مشترك مع دمشق والإشراف على تسليح الجيش السوري، وقد يشمل ذلك نشر قواعد عسكرية تركية جنوباً أو نصب منظومات دفاع جوي لمنع الطيران “الإسرائيلي” من انتهاك المجال الجوي، ومن ثم إفشال مخطط المنطقة الجنوبية منزوعة السلاح، ولا يتعارض ذلك مع بقاء القوات “الإسرائيلية” في مرتفعات الجولان أو حتى المنطقة العازلة التي استولت عليها بعد سقوط نظام الأسد.
وقد يتم اللجوء إلى إبقاء الوضع الحالي كما هو عليه دون أي تغيير جوهري على المدى القصير، وفي هذه الحالة سيكون الترقب سيد الموقف، ويبقى كل طرف في انتظار تغير الظروف لانتهاز أقرب فرصة لإمالة الكفة لصالحه، وقد يصب هذا الوضع في صالح أنقرة على المدى البعيد؛ إذ يشعر الأتراك أن الوقت في صالحهم بالنظر إلى أن كل يوم يمر يزداد فيه رسوخ الإدارة السورية الحالية والنفوذ التركي بالتبعية.
-
الصدام بين تركيا و”إسرائيل”: في ظل تداخل ساحات النفوذ، بات من الوارد وقوع صدام عسكري بين الأتراك و”الإسرائيليين” بسبب زيادة مساحات الاشتباك. وقد أوصت لجنة “ناجل” “الإسرائيلية” لفحص ميزانية الدفاع واستراتيجية الأمن، في يناير الماضي، بالاستعداد لمواجهة عسكرية مُحتملة مع تركيا، وحذرت من أن التهديد القادم من سوريا قد يصبح أخطر من التهديد الإيراني، وأن طموحات تركيا قد تؤدي إلى نشوب صراع مع “إسرائيل”.
وهناك أصوات في تل أبيب ترى أن المواجهة مع أنقرة على الأراضي السورية أمر لا مفر منه نتيجة محاولة أردوغان المساس بحرية العمل “الإسرائيلية”، لكن هذا السيناريو يبدو غير مرجح لأن الطرفين يرفضانه كونه ليس في مصلحة أي منهما. بيد أنه من الوارد أن تحدث مواجهة عسكرية غير مباشرة بين الطرفين وذلك عن طريق دعم أنقرة للسوريين في مواجهة الجيش “الإسرائيلي”، فقد حذّر تحليل نشره مركز “ألما” “الإسرائيلي” للأبحاث، في فبراير الماضي، من أن الأتراك قد يُقدّمون دعماً مباشراً للجيش السوري الجديد في أي مواجهة محتملة ضد “إسرائيل” مما يستدعي منها إعادة تقييم حساباتها العسكرية.
-
تطبيع سوريا العلاقات مع “إسرائيل”: في حال أقامت سوريا علاقات مع “إسرائيل” سيكون ذلك على حساب النفوذ التركي، فدمشق تسعى جاهدة لرفع العقوبات المفروضة عليها، وتأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار وعودة ملايين اللاجئين من الخارج، و”إسرائيل” تستطيع المساهمة في كل ذلك، ومن المُحتمل أن تتولى الولايات المتحدة زمام المبادرة للتوسط في هذا المجال.
ومن شأن الحوار “الإسرائيلي” المباشر مع الحكومة الانتقالية في دمشق، أن يسفر عن إطار جديد للعلاقات الثنائية يتضمن مثلاً إنهاء حالة الحرب الدائمة، والاتفاق على مجالات التنسيق في منطقة الجنوب السوري، والتعاون ضد محاولات إيران وحZب الله للعودة إلى سوريا ولبنان، والاعتراف بأن مزارع شبعا كانت تابعة لسوريا قبل احتلالها، الأمر الذي سيضعف شرعية سلاح حZب الله اللبناني، ويساعد على تسهيل المفاوضات التي استؤنفت مؤخراً حول ترسيم الحدود “الإسرائيلية” اللبنانية.
ويسيطر الجيش “الإسرائيلي” الآن بالفعل على 460 كيلومتراً مربعاً خلف خط الفصل، وتعهد نتنياهو بفرض نزع السلاح على منطقة شاسعة تمتد حتى طريق دمشق-السويداء السريع، على بُعد 65 كيلومتراً من موقع انتشار جيشه حالياً.
وعلى الرغم من حديث ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأمريكي إلى “الشرق الأوسط”، عن احتمال تطبيع سوريا مع “إسرائيل” فإن الاعتداءات “الإسرائيلية” على سوريا منذ كانون الأول الماضي أضعفت بشدة أي احتمالية لذلك، على الأقل في المدى القريب، إذ أسهمت في حشد الرأي العام السوري بسرعة ضد “إسرائيل”. ومع عدم احتمالية تطبيع سوريا العلاقات رسمياً مع “إسرائيل”، يبقى من المُحتمل تطوير تفاهمات ثنائية تشمل إنهاء حالة الحرب فعلياً، والاتفاق على مجالات تنسيق في جنوب سوريا، بما يحد من وصول النفوذ التركي إلى تلك المناطق.
يمكن القول إنه في ظل وجود سوريا كمنطقة صدام بين “إسرائيل” وتركيا، تتعارض مواقف الطرفين وأهدافهما في هذه الساحة بشكل متزايد، فتركيا تريد سوريا مستقرة ومركزية، وتهتم بنجاح المشروع السياسي الحالي، و”إسرائيل” على العكس من ذلك تريد إضعافها وتقسيمها، ويملك كل طرف العديد من أوراق القوة ويستخدمها لفرض إرادته، لذا فإن التناطح التركي “الإسرائيلي” في سوريا سيكون من أهم المحددات التي سترسم ملامح مستقبل الدولة السورية الوليدة.
ويبدو صراع النفوذ في سوريا غير متكافئ، فبينما تتمتع أنقرة باليد العليا في تلك الساحة، تتبنى “إسرائيل” سياسة يصفها البعض بـ”إطلاق النار في كل الاتجاهات”، وتحاول فعل أقصى ما يمكنها لإيجاد توازن في ميزان القوة يمكنها من تقاسم النفوذ مع الأتراك، وتستخدم في هذا الصدد علاقتها القوية مع واشنطن، لكن الموقف الأمريكي لا يبدو مؤيداً لها بشكل واضح في ظل العلاقة الخاصة التي تربط أردوغان بترامب. “فإسرائيل” لا تسعى من الأساس لإزاحة أنقرة عن الساحة السورية والحلول محلها، وإن كانت تتمنى ذلك بالتأكيد لكنه غير ممكن وغير منطقي، لذا تسعى إلى تقاسم “الكعكة السورية” مع أنقرة، وتكوين حزام أمني يضمن لها بسط نفوذها على الجنوب السوري لتحصين مناطقها الشمالية ودعم مخططاتها في لبنان، ومن ثم ترفض امتداد الوجود العسكري التركي إلى وسط سوريا وجنوبها، بينما تتجاهل هذا الوجود في محافظتي إدلب وحلب الشماليتين. وعليه، فإن الفترة المقبلة ستشهد صراعاً للنفوذ بين تركيا و”إسرائيل”، وسيكون الجنوب السوري الساحة الرئيسية لهذا الصراع؛ مما يقوض الاستقرار في تلك المنطقة، وستصبح الأحداث المحلية هناك محط اهتمام إقليمي ودولي.([5])
خاتمة
إضافة إلى الخلافات المتصاعدة لعديد المحطات في العلاقات التركية “الاسرائلية” على غرار الصراع شرق المتوسط والخطاب المتصاعد التركي على خلفية جرائم “اسرائيل” في غزة والتوسع في لبنان تبرز سوريا كساحة أخرى للاشتباك التركي “الإسرائيلي” للتبيانات العديدة فيها بين البلدين وفي ظل تعنت “اسرائيل” في سلوكها في دمشق لا تبدو العلاقات التركية “الاسرائلية” تنحو نحو الاستقرار على المدى المتوسط كحد أدنى وذلك كما سبق الإشارة إليه في ظل السلوك “الاسرائيلي” الحالي مالم تفرز الانتخابات “الإسرائيلية” المقبلة مشهداً حكومياً اخر.




