الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
إعادة انتخاب نتنياهو قد تتوقف على نتائج الحرب مع إيران
وعد الإسرائيليين بـ"نصر كامل" لكنه أخفق في تحقيق ذلك على 3 جبهات

بقلم: ديفيد إي. روزنبرغ
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
عندما أصدر رئيس الوزراء “الإسرائيلي”* بنيامين نتنياهو أوامره لسلاح الجو بشن غارة على بيروت في 1 حزيران كان احتمال أن تقدم إيران على تنفيذ تهديداتها بالرد العسكري يبدو على نحو ما تطوراً قد لا يخلو من فائدة في حساباته السياسية، إذ لطالما أكد نتنياهو اعتقاده بأن الحملة الأمريكية-“الإسرائيلية” ضد إيران قد توقفت قبل بلوغ أهدافها النهائية، وهو يخشى أن تفضي المفاوضات المتقطعة بين واشنطن وطهران إلى الإبقاء على القدرات الصاروخية الباليستية الإيرانية وشبكات الوكلاء الإقليميين دون تفكيك فضلاً عن احتمال ضخ عشرات المليارات من الدولارات من الأموال المجمدة في الاقتصاد الإيراني بما يعزز قدراتها العسكرية، ومن هذا المنظور فإن دفع طهران نحو استئناف المواجهة قد يؤدي إلى تجميد المسار التفاوضي وربما في تقدير نتنياهو يفتح الباب أمام تغيير النظام الإيراني.
ولا تقتصر دوافع نتنياهو على الاعتبارات الاستراتيجية إذ يقترب المشهد السياسي الداخلي في “إسرائيل” من استحقاق انتخابي لا يتجاوز موعده 27 تشرين الاول وهو ما يجعل أي تصعيد مع إيران عاملاً محتمل التأثير في المعادلة الانتخابية، وتشير استطلاعات الرأي إلى أن ائتلاف نتنياهو اليميني-الديني يواجه تراجعاً ملحوظاً، مع توقعات لا تتجاوز حصوله على 53 مقعداً في الكنيست من أصل 120 وربما أقل من ذلك. وفي المقابل، لا يبدو أن المعارضة في وضع يسمح لها بتشكيل أغلبية واضحة خاصة في ظل رفضها إشراك الأحزاب العربية في أي ائتلاف حكومي إلا أن الزخم السياسي العام يميل تدريجياً لصالحها، كما أن ناخبي الشمال “الإسرائيلي” الذين كانوا تقليدياً من قواعد دعم الليكود، باتوا يعبرون عن استيائهم من عجز الحكومة عن إزالة تهديد حZب الله لمجتمعاتهم.
ورغم أن استمرار الرغبة “الإسرائيلية” في التصعيد العسكري قد يبدو غير بديهي فإن “إسرائيل” تعيش فعلياً حالة حرب ممتدة منذ هجوم 7 تشرين الاول 2023، فقد تكبدت خسائر بشرية كبيرة تجاوزت 2000 قتيل بين مدنيين وعسكريين وتعرضت لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة من حماس وحZب الله وانصار الله الحوثــ ــيين وإيران إضافة إلى هجمات محدودة من الفصائل العراقية، كما أصبحت خدمة الاحتياط العسكرية التي قد تمتد إلى تسعة أسابيع سنوياً عبئاً متزايداً على المجتمع “الإسرائيلي”، وفي لبنان تواصل الطائرات المسيّرة التابعة لحZب الله والموجهة بالألياف البصرية استهداف القوات “الإسرائيلية” بمعدل يتراوح بين اثنين وأربعة هجمات أسبوعياً من دون أن يمتلك الجيش “الإسرائيلي” وسائل فعالة للتصدي لها. ومع ذلك فإن الافتراض بأن المجتمع “الإسرائيلي” قد استنفد رغبته في الحرب لا يعكس بالكامل أثر صدمة 7 تشرين الاول فالمزاج العام لم يعد واثقاً بقدرة الجيش على توفير حماية كافية من التهديدات القريبة، سواء من غزة أو لبنان أو من الصواريخ الإيرانية وحلفائها، ونتيجة لذلك بات جزء واسع من الجمهور “الإسرائيلي” أكثر ميلاً لتأييد تصعيد عسكري واسع بدلاً من الاكتفاء بسياسة الاحتواء، وقد أظهرت استطلاعات حديثة أن أغلبية نسبية تؤيد تصعيد العمليات ضد حZب الله بينما يرى أكثر من نصف “الإسرائيليين” أن إنهاء الحرب مع إيران في الظروف الراهنة لا يتوافق مع مقتضيات الأمن القومي.

إلا أن المعضلة الأساسية أمام نتنياهو تكمن في أن الحروب التي خاضها في غزة ولبنان وإيران رغم شدتها لم تحقق “النصر الكامل” الذي تعهد به، بل يرى قطاع من “الإسرائيليين” أن الوضع الأمني تدهور منذ 7 تشرين الاول خصوصاً في مواجهة إيران ولبنان، كما لم يتمكن نتنياهو من إزالة الانطباع السلبي الذي خلفه ذلك الهجوم بشأن كفاءته الاستراتيجية رغم محاولاته إلقاء المسؤولية على أطراف أخرى، وفي هذا السياق يبدو أنه يراهن على أن تحقيق اختراق في الساحتين الإيرانية أو اللبنانية قد يسهم في إعادة ترميم صورته السياسية.
غير أن خيار التصعيد مع إيران ينطوي على مخاطر كبيرة إذ إن الجولة السابقة من المواجهة لم تؤدِ إلى إسقاط النظام الإيراني بل ربما أسهمت في تعزيز صموده وقدرته على إعادة التموضع إقليمياً، ومع ذلك فإن سيناريو “تغيير النظام” لا يزال حاضراً في الحسابات “الإسرائيلية” خاصة إذا كان البديل هو اتفاق أمريكي-إيراني يُنظر إليه باعتباره غير ملائم لمصالح “إسرائيل”، ووفق هذا التصور فإن انهيار النظام الإيراني من شأنه إنهاء تهديد الصواريخ الباليستية وإضعاف حZب الله عبر فقدان داعمه الرئيسي ما قد يتيح للدولة اللبنانية فرصة لنزع سلاحه ويخرج “إسرائيل” من حالة الاستنزاف المستمرة في لبنان. في الأمد القريب يبقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العقبة الأبرز أمام استئناف الحرب، إذ يفضل التوصل إلى اتفاق مع طهران وقد أكد للقيادة “الإسرائيلية” أنه صاحب القرار النهائي في هذا الملف، ومع ذلك فإن استمرار الهجمات المتقطعة وتعثر المفاوضات قد يدفعان واشنطن إلى إعادة النظر في خيار التصعيد الذي يطرحه نتنياهو.
كما يتداخل هذا الملف مع اعتبارات سياسية داخلية في “إسرائيل” حيث يدور خلاف بين نتنياهو وشركائه في الائتلاف حول موعد الانتخابات، بين من يفضل تأجيلها حتى تشرين الاول ومن يدفع نحو تقديمها إلى ايلول بما يتماشى مع الحسابات الانتخابية للأحزاب الحريدية، وفي ظل هذه الحسابات يسعى نتنياهو إلى كسب الوقت على أمل أن تؤدي التطورات الإقليمية إلى تحسين موقعه السياسي.
إلى جانب ذلك يواجه رئيس الوزراء أزمة داخلية متصاعدة تتعلق بقانون التجنيد نتيجة رفض الأحزاب الحريدية الخدمة العسكرية، وهو ما يثير استياءً واسعاً داخل المجتمع “الإسرائيلي” بما في ذلك داخل قاعدة الائتلاف نفسه، ورغم محاولاته التوصل إلى صيغة توازن شكلية تبقي على الإعفاء فإنه يواجه صعوبة في تمريرها برلمانياً خاصة بعد انسحاب بعض الأحزاب الحريدية من الحكومة. وفي الشارع، تصاعدت احتجاجات الحريديم ضد التجنيد والتي اتخذ بعضها طابعاً عنيفاً، ما زاد من تعقيد المشهد السياسي الداخلي وعمّق الانقسامات المجتمعية.
وأمام هذا التداخل المعقد بين الحرب والسياسة والانتخابات يبرز سؤال جوهري حول استمرار نتنياهو في السلطة رغم طول مسيرته السياسية وتقدم سنه، غير أن استمرار محاكمته الجنائية يشكل عاملاً دافعاً رئيسياً لبقائه في منصبه إلى جانب إصراره على مواصلة إدارة المشهد السياسي، كما أن ضعف المعارضة وعدم توحدها خلف قيادة بديلة قادرة على جذب طيف واسع من الناخبين يمنحانه هامشاً إضافياً للمناورة، وفي ظل هذا الانقسام يظل نتنياهو لاعباً مركزياً قادراً على استثمار التناقضات الداخلية رغم حجم التحديات التي تواجهه.



