الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

أزمة الخليج تعيد رسم معادلة الطاقة في اليابان

عقود من التخطيط لمواجهة الأزمات لم تحل دون انكماش الخيارات الاستراتيجية أمام صناع القرار في طوكيو

بقلم: جيمس بيلي

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

لقد أثبتت الاستراتيجية اليابانية التي امتدت على مدى عقد كامل بهدف تحصين البلاد من اضطرابات إمدادات الطاقة القادمة من “الشرق الأوسط” صحة تقديراتها للمخاطر، لكنها كشفت في الوقت ذاته حدود قدرتها على الصمود أمام الأزمات الفعلية، فعلى مدار سنوات طورت طوكيو ما يُعدّ من أكثر استراتيجيات تنويع مصادر الغاز الطبيعي المسال تطورًا في العالم واضعةً في صميمها هدف الحد من التعرض للتقلبات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الخليج. وقد جاءت أزمة مضيق هرمز لتؤكد وجاهة تلك المخاوف لكنها أظهرت أيضًا أن معظم البدائل التي استثمرت اليابان سنوات طويلة في بنائها باتت محدودة الفاعلية أو غير متاحة، فاليابان لا تواجه اليوم خطر انقطاع الإمدادات بصورة مباشرة لكنها تجد نفسها أمام تضاؤل متسارع في الخيارات الاستراتيجية المتاحة، في وقت ستحدد فيه القرارات التي ستتخذها خلال الأشهر المقبلة شكل سياستها الطاقوية لعقود قادمة.

في الوقت الراهن لا تعاني اليابان نقصًا فعليًا في إمدادات الغاز الطبيعي كما لا توجد مؤشرات على انقطاعات كهربائية وشيكة في المدن الكبرى مثل طوكيو وأوساكا، وقد أقر الرئيس التنفيذي لشركة (جيرا) بأن ما لا يزيد على 5% من شحنات الغاز الطبيعي المسال التابعة للشركة يمر عبر مضيق هرمز، ومن ثمّ فإن جوهر الأزمة الراهنة يتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة أكثر من كونه أزمة تتعلق بتوافر الإمدادات، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في البعد الاستراتيجي للأزمة إذ تواجه العقود طويلة الأجل مخاطر التعطيل بسبب ظروف القوة القاهرة فيما أصبحت أسعار السوق الفورية مرتفعة إلى مستويات يصعب تحملها اقتصاديًا.

وتعود هشاشة الموقف الياباني إلى اعتبارات جغرافية وهيكلية عميقة فاليابان دولة جزرية فقيرة بالموارد الطبيعية تكاد تخلو من احتياطيات الوقود الأحفوري وتعتمد على “الشرق الأوسط” لتأمين نحو 95% من احتياجاتها النفطية ويمر ما يقرب من 70% منها عبر مضيق هرمز إضافة إلى نحو 11% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، وقد عكست التطورات الأخيرة حجم هذا الاعتماد إذ ارتفعت العقود المستقبلية للكهرباء الأساسية لمنطقة طوكيو للسنة المالية 2026 بنسبة 34% خلال يومي تداول فقط في الثالث من آذار لتسجل مستوى قياسيًا بلغ 16.38 ين لكل كيلوواط/ساعة، وعندما أعلنت شركة “قطر للطاقة” حالة القوة القاهرة بعد ذلك بفترة وجيزة بدا واضحًا أن الأسواق لا تواجه مجرد اضطراب عابر بل تحولًا هيكليًا قد يمتد تأثيره لسنوات.

ورغم دخول وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران حيز التنفيذ نظريًا في الثامن من نيسان فإن الجهود الرامية إلى التوصل لتسوية دائمة ما تزال متعثرة، وفي حين تحدثت تقارير أواخر أيار عن إطار تفاهم أولي بين الطرفين فإن الروايات المتضاربة وعدم التوصل إلى اتفاق نهائي أبقيا حالة عدم اليقين قائمة، والأهم من ذلك أن مضيق هرمز ما يزال يعاني قيودًا تشغيلية كبيرة إذ تنص الترتيبات المتداولة على منح إيران مهلة ثلاثين يومًا لإزالة الألغام البحرية من الممر الملاحي، وفي هذا السياق حذرت مؤسسة “غولدمان ساكس” من احتمال استمرار مستويات الأسعار المرتفعة حتى عام 2027 إذا استمرت القيود الحالية على حركة الملاحة والطاقة.

وكانت أبرز ركائز استراتيجية التنويع اليابانية تتمثل في الاتفاق التاريخي الذي أبرمته شركة “جيرا” مع “قطر للطاقة” لتوريد الغاز الطبيعي المسال لمدة 27 عامًا، وقد نُظر إلى الاتفاق باعتباره الضمانة الأهم لتأمين إمدادات مستقرة وطويلة الأمد من أحد أكثر المنتجين موثوقية في العالم، غير أن إعلان قطر حالة القوة القاهرة في مطلع آذار بعد فترة قصيرة من توقيع الاتفاق، شكّل ضربة مباشرة لهذه الرؤية. ولم يكن الأمر بالنسبة لطوكيو مجرد انتكاسة تجارية إذ كان الهدف الأساسي من الاتفاق تقليص الاعتماد على الأسواق الفورية المتقلبة من خلال تأمين كميات مستقرة بعقود طويلة الأجل، إلا أن المشترين اليابانيين وجدوا أنفسهم مضطرين للعودة إلى تلك الأسواق ذاتها في توقيت يُعد من الأسوأ منذ سنوات، وبذلك أثبتت الاستراتيجية اليابانية صحة تشخيصها لطبيعة المخاطر لكنها اكتشفت أن الأدوات المصممة لمعالجتها ليست أقل هشاشة من التهديدات التي أُنشئت لمواجهتها. وفي الوقت الذي تراجعت فيه موثوقية “الشرق الأوسط” كمصدر مستقر للطاقة تبدو البدائل الشمالية مقيدة بدورها، فعلى مدى عقود شكّل مشروع “سخالين-2” الروسي أحد الأعمدة الرئيسية لأمن الطاقة الياباني، بفضل قربه الجغرافي واستقراره النسبي وعدم اعتماده على مضيق هرمز، ويوفر المشروع حاليًا نحو 9% من إجمالي واردات اليابان من الغاز الطبيعي المسال. ومنذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية مارست الولايات المتحدة ضغوطًا مستمرة على طوكيو للانسحاب من المشروع، إلا أن الحكومة اليابانية تمسكت بموقفها معتبرة أن “سخالين-2” يمثل ضرورة استراتيجية لا يمكن التفريط بها، وقد منحت الأزمة الحالية هذا الموقف قدرًا أكبر من المصداقية فالخروج من المشروع في الظروف الراهنة يعني البحث عن بدائل في سوق عالمية تعاني أصلًا اختلالات حادة في العرض والطلب، وهكذا تجد اليابان نفسها أمام معادلة صعبة تجمع بين التزاماتها السياسية داخل مجموعة السبع ومتطلبات أمنها الطاقوي الداخلي، مع تزايد المؤشرات على أن كفة المصالح الاستراتيجية تميل نحو الاستمرار في المشروع.

أما أستراليا التي لطالما مثّلت ركيزة الاستقرار الأساسية في استراتيجية اليابان الطاقوية فهي الأخرى لم تعد بمنأى عن الضغوط، فالعلاقة بين البلدين القائمة على عقود من الثقة والتعاون تواجه تحديات جديدة مع اتجاه الحكومة الأسترالية إلى فرض قيود على صادرات الغاز الطبيعي المسال اعتبارًا من عام 2027، استجابةً لنقص الإمدادات المحلية والضغوط السياسية الرامية إلى خفض أسعار الطاقة للصناعة الوطنية.

 

 

وبالنسبة لطوكيو فإن ضيق الإطار الزمني يزيد من حدة التحدي، فبدء تطبيق هذه القيود خلال عام 2027 يعني أن أمام اليابان فترة محدودة لتأمين مصادر بديلة قبل أن تبدأ إحدى أكثر قنوات الإمداد موثوقية في التراجع، وقد عكس الطلب الرسمي الذي تقدم به وزير الصناعة الياباني ريوسي أكازاوا إلى كانبيرا في 14 آذار داعيًا إلى زيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال حجم القلق المتزايد داخل دوائر صنع القرار اليابانية، غير أن الاستجابة الأسترالية رغم طابعها الدبلوماسي ظلت مقيدة بالاعتبارات الداخلية ذاتها التي تدفع نحو تقييد الصادرات، وبعبارة أخرى أوضحت كانبيرا أن الأولوية ستُمنح لأمن الطاقة المحلي عندما تتعارض المصالح الداخلية مع الالتزامات التصديرية.

ومع تعرض معظم البدائل الخارجية للضغوط سعت اليابان إلى البحث عن حلول داخلية لتقليص اعتمادها على الواردات، وكان من المفترض أن تشكل محطة “كاشيوازاكي-كاريوا” النووية وهي أكبر محطة للطاقة النووية في العالم من حيث القدرة الإنتاجية المركبة جزءًا أساسيًا من هذا التوجه، فإعادة تشغيل مفاعلاتها من شأنها أن تخفض اعتماد اليابان على واردات الغاز الطبيعي المسال بصورة ملموسة وأن توفر مصدرًا مستقرًا للكهرباء الأساسية بعيدًا عن المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز، إلا أن القيود التنظيمية والحساسيات السياسية المتراكمة منذ كارثة فوكوشيما ما تزال تحول دون الاستفادة الكاملة من هذا الخيار لتجد اليابان نفسها مرة أخرى أمام معضلة أمن الطاقة في عالم تتقلص فيه البدائل الموثوقة بوتيرة متسارعة. حتى الآن لا تزال الاستجابة اليابانية لهذا التحدي في مراحلها الأولى، فمحطة “كاشيوازاكي-كاريوا” النووية لم تستأنف سوى تشغيل مفاعل واحد من أصل سبع مفاعلات، هو المفاعل السادس الذي لم يدخل الخدمة التجارية إلا في نيسان بعد تأجيل إعادة تشغيله نتيجة عطل في المولد الكهربائي خلال منتصف آذار، وقد مثّل ذلك أول مفاعل تشغله شركة طوكيو للطاقة الكهربائية (TEPCO) منذ كارثة فوكوشيما عام 2011. أما المفاعلات الستة الأخرى فما تزال خارج الخدمة، بفعل المزيج ذاته من العقبات التنظيمية ومتطلبات السلامة والمقاومة المحلية التي أعاقت إعادة تشغيل المحطة لأكثر من عقد، وعلى المستوى الوطني لم تحصل سوى 15 مفاعلًا نوويًا على موافقات إعادة التشغيل منذ عام 2013، فيما لا يزال الجزء الأكبر من الأسطول النووي الياباني معطلًا.

ولا تقتصر تداعيات المأزق الياباني على الداخل فحسب بل تمتد إلى أمن الطاقة الأوروبي أيضًا، فمنذ فقدان أوروبا جزءًا كبيرًا من إمدادات الغاز الروسي عبر الأنابيب أصبحت القارة منافسًا مباشرًا لليابان على كل شحنة متاحة من الغاز الطبيعي المسال في الأسواق العالمية، وفي أوائل آذار اتسعت الفجوة السعرية بين مؤشري الغاز الطبيعي المسال في آسيا وأوروبا (JKM-TTF)  لتتجاوز خمسة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية لصالح الأسواق الآسيوية، في أقوى إشارة منذ عام 2022 إلى تحويل شحنات الغاز القادمة من حوض الأطلسي نحو آسيا بدلًا من أوروبا.

ويعني ذلك عمليًا أن شحنات الغاز التي كان من الممكن أن تتجه إلى موانئ هولندا أو بلجيكا أو المملكة المتحدة أصبحت تتجه بصورة متزايدة إلى طوكيو وأوساكا وناغويا، وفي ظل انخفاض مستويات التخزين الأوروبية إلى نحو 30% من طاقتها الاستيعابية وارتفاع الأسعار الفورية في آسيا إلى أكثر من 25 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية وهو أعلى مستوى لها منذ ثلاث سنوات، أصبحت أوروبا وآسيا في منافسة مباشرة وفورية على الإمدادات المحدودة ذاتها. وفي هذا السياق فإن كل دولار إضافي تدفعه اليابان فوق الأسعار الأوروبية يسهم في رفع الحد الأدنى للأسعار العالمية بالنسبة لجميع المستهلكين، وإذا لم تتمكن طوكيو من تقليص اعتمادها على السوق الفورية من خلال تسريع إعادة تشغيل المفاعلات النووية أو تأمين عقود توريد طويلة الأجل، فإنها ستظل منافسًا دائمًا على شحنات الغاز القادمة من حوض الأطلسي، الأمر الذي سيبقي الأسعار مرتفعة ويضعف القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية مع اقتراب شتاء 2026-2027.

وفي الوقت نفسه لا تتراجع الضغوط الجيوسياسية المرتبطة بالاعتماد على روسيا، كما أن مسار إحياء الطاقة النووية المحلية لا يزال بطيئًا ومحدودًا إذ عاد مفاعل واحد فقط إلى الخدمة بينما يبقى معظم الأسطول النووي خارج التشغيل، وبذلك تتقلص مساحة المناورة المتاحة أمام اليابان ليس بسبب اختفاء أحد الخيارات بالكامل، وإنما لأن جميع البدائل المتاحة تواجه ضغوطًا متزامنة للمرة الأولى.

 

ومن المرجح أن تكون القرارات التي ستتخذها طوكيو خلال الأشهر الستة المقبلة ذات تأثيرات تتجاوز بكثير حدود الأزمة الراهنة، كما أنها لم تعد قرارات يمكن تأجيلها أو التعامل معها عبر سياسة الغموض المحسوب التي اعتادت اليابان انتهاجها في ملفات الطاقة الحساسة، فهناك ثلاثة خيارات رئيسية لم يعد بالإمكان تجنب حسمها.

 

أول هذه الخيارات يتعلق بمشروع “سخالين-2″، فاليابان مطالبة بتحديد أولوياتها بوضوح هل ستتعامل باعتبارها حليفًا ملتزمًا داخل مجموعة السبع ومستعدًا لتحمل كلفة هذا الالتزام، أم باعتبارها دولة تعاني هشاشة في أمن الطاقة وتضع استقرار شبكتها الكهربائية فوق اعتبارات الاصطفاف الجيوسياسي؟ وفي الواقع لا يوجد خيار قادر على إرضاء كل من واشنطن ومنطق السوق في آن واحد.

أما الخيار الثاني فيتمثل في الطاقة النووية، فعودة المفاعل السادس في محطة “كاشيوازاكي-كاريوا” إلى العمل تمثل خطوة مهمة لكنها تبقى محدودة مقارنة بعدد المفاعلات المعطلة على مستوى البلاد، وتسريع إعادة تشغيل بقية المفاعلات سيتطلب قيادة سياسية مستعدة لاستخدام رأس مالها السياسي في مواجهة الاعتراضات المحلية والقيود التنظيمية المتراكمة، وقد أبدت رئيسة الوزراء سانائي تاكاييتشي استعدادًا مبدئيًا للسير في هذا الاتجاه من خلال ربط إحياء قطاع الطاقة النووية بقضية الأمن القومي وأمن الطاقة، أما البديل فهو استمرار الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال بأسعار الأزمات لفترة غير محددة.

ويتعلق الخيار الثالث بأستراليا، فاليابان تحتاج إلى ضمانات واضحة بشأن الإمدادات المستقبلية قبل دخول القيود الأسترالية على الصادرات حيز التنفيذ في عام 2027 لا بعد ذلك، ولذلك يتعين على طوكيو الشروع في مفاوضات جادة مع كانبيرا منذ الآن، مستفيدة مما لا يزال لديها من أوراق تفاوضية ومصالح مشتركة يمكن توظيفها للحفاظ على استقرار هذه الشراكة الاستراتيجية.

في المحصلة لم تكن استراتيجية التنويع التي انتهجتها اليابان خلال العقد الماضي استراتيجية خاطئة أو قائمة على تقديرات غير دقيقة، غير أن الأزمة الحالية كشفت أنها كانت استراتيجية غير مكتملة، فأزمة هرمز لم تكشف قصورًا في استشراف المخاطر بقدر ما كشفت الفجوة القائمة بين التشخيص الصحيح للمشكلة والقدرة الفعلية على معالجتها بصورة شاملة.

واليوم تكلف هذه الفجوة اليابان ما يزيد على مليار دولار أسبوعيًا، والسؤال الذي يواجه صناع القرار في طوكيو لم يعد يتعلق بفهم طبيعة التحدي بل بمدى استعدادهم لاتخاذ الخيارات السياسية والاقتصادية الصعبة اللازمة لمعالجته، وإلا فإن اليابان قد تخرج من هذه الأزمة دون أن تحسم أيًا من خياراتها الاستراتيجية الكبرى مكتفية بدفع كلفة أعلى مقابل استمرار نقاط الضعف ذاتها التي سعت طوال سنوات إلى تجاوزها.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى