الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
العلاقات الجزائرية الفرنسية على ضوء التجاذبات الراهنة

بقلم: الباحث مصطفى كمال دماني / الجزائر
مقدمة
يبرز مشهد العلاقات الفرنسية الجزائرية ضمن الانكماش العام للسياسة الفرنسية في افريقيا وعارضاً اخر لحالة الانحسار الفرنسي وتأثيره على مستعمراتها السابقة ووتتمظهر علاقة الجزائر بباريس كحلقة آخرى ممتدة لعموم التراجع الفرنسي نتاج عديد السياسات الفرنسية المعتمدة في التفاعل مع الجزائر والتي أدت إلى حالة التجاذبات في العلاقات الفرنسية الجزائرية الحالية والتي سنبحثها في هذه القراءة وصولاً إلى الواقع الاني ومستقبل العلاقات الفرنسية الجزائرية انطلاقاً من الإشكالية التالية ماهي العوامل التي ساهمت في تذبذب العلاقات الجزائرية الفرنسية وماهو مستقبل العلاقة في ظل الوضع الراهن.
تتفاعل العديد من الإشكاليات البنيوية المتراكمة في العلاقات الجزائرية الفرنسية تطفو في كل مرة على سطح العلاقات وتغذيتها اشكاليات راهنة تساهم في حالة الصعود والنزول وعموم اللااستقرار في علاقة الجزائر بباريس وهذا مابدى منذ تولي الرئيس الحالي لرئاسة البلاد عبد المجيد تبون إذ فجرت تصريحات الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بداية التوتر في العلاقة إذا يعد ملف الذاكرة أحد محفزات التشنج الدائم في العلاقة وهذا ما سنتطرق إليه.
أسباب وعوامل التوتر في العلاقات الفرنسية الجزائرية في المرحلة الراهنة
-
ملف الذاكرة على ضوء تصريحات ماكرون:
-
الظروف المحيطة بالتصريحات وسياقها
كل المؤشرات توحي بأن تصريحات الرئيس الفرنسي لم تكن زلة لسان أو خروجاً عن اللباقة الدبلوماسية، بل كانت عملية مدروسة بعناية فائقة، تم التحضير لها واختيار كلماتها وجملها بدقة شديدة. ويكفي معرفة نوع الوسيلة الإعلامية واسم الصحفي الذي اختير لنقل تصريحات الرئيس الفرنسي ليتضح الغرض من ورائها.
تجدر الإشارة في البداية إلى أن صحيفة لوموند ليست صحيفة عادية بل تعد أحد الأذرع الإعلامية لجهاز المخابرات الخارجية في فرنسا، والسياسة الخارجية الفرنسية عموماً. كما أن اختيار الصحفي الذي نقل تصريحات الرئيس الفرنسي لم يكن اعتباطياً، يدعى مصطفى كسوس وهو فرنسي من أصل مغربي، وسبق له أن اعد برنامجاً وثائقياً حول الحراك في الجزائر، بثته قناتا LCI وفرانس 5 بتاريخ 27 ايار 2020. وقد تسبب في أزمة دبلوماسية بين البلدين جعلت الجزائر تستدعي سفيرها للتشاور بتاريخ 27 ايار 2020. والأدهى في الأمر أنه صحفي متخصص في الشأن الرياضي وله عديد المؤلفات حول الألعاب الأولمبية.
-
أبعاد تصريحات الرئيس الفرنسي ودوافعها
الأبعاد الداخلية.. تهيئة الظروف للفوز بولاية رئاسية ثانية: تأتي تصريحات الرئيس الفرنسي في لقاء جمعه بقصر الاليزيه الخميس 30 ايلول 20212، بثمانية عشرة شاباً وشابة من أحفاد “الحركى”، أي أبناء من تعاونوا مع الجيش الفرنسي إبان حرب التحرير، وأحفاد المجاهدين. لقد أراد الرئيس ماكرون من وراء هذا اللقاء توجيه الرأي العام الداخلي واستمالته، وكسب دعم وتأييد دوائر فرنسية في النظام الفرنسي معادية لكل ما هو جزائري.
ويتمثل مضمون رسالة ماكرون إلى الداخل الفرنسي في أنه يمكن تجاوز جروح الذاكرة بين الجزائر وفرنسا، كما حاول الظهور بمظهر الطبيب الذي بمقدوره تضميد جروح التاريخ العميقة والذاكرة.

بيد أنه لا يمكن فصل تصريحات الرئيس الفرنسي عن الانتخابات الرئاسية القادمة والتي يفصلنا عنها خمسة أشهر كاملة، خصوصاً وأنها تأتي وشعبية الرئيس ماكرون في أدنى مستوياته، بسبب إخفاق الحكومة الفرنسية في ملفات كالملف الاقتصادي وإدارة أزمة كوفيد-19، إلى جانب إخفاقات دبلوماسية وأمنية في أفريقيا وتحديداً في منطقتي الساحل وغرب أفريقيا. ومن هذا المنطلق، يُمني ماكرون النفس بالفوز بولاية رئاسية ثانية مستغلاً ملف “الحركى”، والسعي إلى افتكاك تعويضات مادية لهم ولأبنائهم. واستناداً إلى إحصائيات رسمية فرنسية، يبلغ عدد الحركى الذين جندتهم فرنسا خلال حرب الجزائر (1954-1962) 150 ألف مجند، منهم 90 ألف عاشوا في فرنسا بعد استقلال الجزائر، بينما بقي ما بين 55 ألف و75 ألف في الجزائر بعد أن تخلت عنهم فرنسا. ومن ثمة، يحاول الرئيس ماكرون استمالة هذه الفئة قصد الظفر بأصواتها في الانتخابات الرئاسية القادمة، كما حصل في انتخابات 2017.
وفي هذا السياق، فقد طلب الرئيس ماكرون منذ أيام العفو من الحركى، وكان يأمل في تحقيق انجاز لم يسبقه إليه الرؤساء السابقون. لكن الجزائر رفضت إصدار عفو عنهم، واعتبرت تصريحات الرئيس ماكرون شأن فرنسياً داخلياً.
أما بالنسبة للوبي الصهيوني – المغربي المعادي للجزائر، فقد غازله الرئيس الفرنسي بالقول إن الجزائر غداة الاستقلال قد تم بناءها على تاريخ مزور، برعاية نظام سياسي وعسكري هو المسؤول عن كل حقد في الجزائر تجاه فرنسا. وأكد بأنه يحتفظ بعلاقات ودية مع الرئيس عبد المجيد تبون، لكن الرئيس الجزائري رهينة نظام متحجر للغاية، مؤكداً أن الرئيس تبون لا يتحمل مسؤولية ما آلت إليه العلاقات الثنائية بين البلدين، وان قيادة الجيش هي المسؤولة عن هذا الوضع.
وترى أوساط جزائرية أن الرئيس الفرنسي قد فضح نفسه من حيث لا يدري حيث كرّر ما ذهبت إليه افتتاحية لوموند في شهر حزيران الماضي حيث تهجمت على رئيس أركان الجيش الفريق سعيد شنقريحة وحملته مسؤولية حرب الذاكرة بين البلدين، وهو ما يؤكد أن افتتاحية لوموند يقف وراءها الرئيس ماكرون.
وبالرجوع إلى تصريحات مسئولين سابقين كالسفير السابق في الجزائر برنار باجولي تؤكد حقيقة ثابتة مؤداها أن ما قاله الرئيس الفرنسي هو نفسه ما يعتقده كبار المسئولون في الدولة الفرنسية، وهي جزء من خارطة طريق يريد الطرف الفرنسي فرضها على الجانب الجزائري كنوع من المساومة والابتزاز. فالغرض من وراء قضيتي والذاكرة التأشيرات هو إحراج السلطات الجزائرية والضغط عليها قصد دفعها إلى الإفراج عن مصالح فرنسية معطلة أو لم تلقى الاستجابة من قبل الحكومة الجزائرية.
الأبعاد الدولية.. انزعاج من تنامي التمدد الاقتصادي التركي في الجزائر: لقد تعمد الرئيس ماكرون إثارة ملف الذاكرة في تصريحاته الخميس الماضي، بالقول إنه كان هناك استعمار سابق عن الاستعمار الفرنسي وهو الاحتلال العثماني، لكن الأتراك نجحوا في جعل الناس ينسون ذلك، داعياً إلى إعادة كتابة تاريخ الجزائر الذي تعرض للتضليل تحت تأثير الدعاية التركية. كما لم يخف إعجابه بالدور التركي في هذا الاتجاه.
غير أن الزج بتركيا في أتون التوتر بين البلدين يخفي في ثناياه عدم ارتياح فرنسي من التمدد الاقتصادي لتركيا في الجزائر. كما يتضمن رسالة إلى السلطات الجزائرية مفادها أن أي تحسن في العلاقات الثنائية مرهون بإبعاد أنقرة عن السوق الجزائرية، التي ارتفعت حصتها في السوق الجزائرية إلى 5 مليار دولار منذ انتخاب الرئيس تبون في 2019. وقد انتقلت الشركات التركية في الجزائر من مستوى الإنتاج إلى مستوى التصدير وجلب العملة الصعبة. في مقابل تراجع حصص فرنسا في السوق الجزائرية، حيث فقدت باريس عديد الامتيازات والفرص الاقتصادية والتجارية، نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر قرار السلطات الجزائرية فسخ عقد الشراكة مع شركة المياه الفرنسية، وكذا مؤسسة تسيير مطار الجزائر الدولي، إلى جانب وقف استيراد المنتجات الفرنسية الصناعية، الزراعية والخدماتية.
-
الرعاية الفرنسية لحركات إرهــ ــابـ ــية في المنظور الجزائري الرسمي
تمثل الرعاية الرسمية الفرنسية للحركة الانفصالية ماك والترخيص لنشاطها على التراب الفرنسي بالإضافة إلى السماح بالنشاط لبعض المطلوبين للعدالة الجزائرية أحد الإشكاليات التي تساهم في توتر العلاقات الجزائرية الفرنسية إذ توظف فرنسا الحركة الانفصالية للابتزاز ومحاولة الضغط على الجزائر وهذا ما تعتبره الجزائر توجها فرنسيا معادياً للأمن القومي الجزائري وتهديداً للجغرافيا الجزائرية من باريس ماساهم في الدفع بالعلاقة البينية نحو مزيداً من التأزيم إذ تتهم الجزائر الحركة الانفصالية بالضلوع في الحراىق التي مست منطقة القبائل بالإضافة إلى انخراطها في أجندات معادية للجزائر مما دفع بالسلطات الجزائرية إلى إدراجها على لوائح الإرهـ ــاب بينما تستضيفها باريس بدواعي حقوقية وديمواقراطية في الواجهة في حين تبدو في الواقع كأداة فرنسية موظفة في العلاقة بين البلدين.
-
العلاقات الفرنسية الجزائرية الاقتصادية
شكلت التوجهات الاقتصادية الجزائرية الجديدة في تنويع شراكتها مع مختلف الفاعلين الدوليين من موسكو إلى بكين وروما وأنقرة وتنامي العلاقات الاقتصادية البينية معهم نقطة مضافة إلى سجل التجاذبات الفرنسية الجزائرية بعدما أن كانت المصالح الفرنسية تحظى بالأولوية في النظام السابق وهذا ماساهم في مضاعفة الامتعاض الفرنسي من السياسة الجزائرية وخاصة في ظل الأزمات الاقتصادية التي تشهدها فرنسا وحالة انحسار نفوذها في عموم القارة السمراء مادفع باريس الى تبني سياسات مناوئة للجزائر في محاولة للضغط لعودة مصالحها الاقتصادية بنفس الامتيازات التي كانت لها في العهد السابق.

-
ملف الهجرة وملف الجالية
بعد انتهاء الاستعمار الفرنسي واستقلال الجزائر عام 1962، أُبرمت اتفاقيات إيفيان في 18 آذار 1962، والتي نصت على أن “أي جزائري يحمل بطاقة هوية يحق له التنقل بين الجزائر وفرنسا ما لم يصدر حكم قضائي يمنعه”.
وضمنت هذه الاتفاقيات للجزائريين حرية التنقل بين البلدين، لكن الهجرة الجماعية صيف عام 1962 غيّرت الوضع وأصبحت حرية التنقل تصب في مصلحة الجزائريين.
ومع بداية 1963، بدأت فرنسا تفرض القيود على بعض العمال الجزائريين. وعام 1964 وقعت اتفاقية لتنظيم حجم الهجرة، وكانت هذه الاتفاقية محددة المدة وتخص العمالة فقط، ولكنها أُلغيت عام 1966مما أدى إلى توقيع اتفاقية جديدة عام 1968.
وُقّعت اتفاقية الهجرة بين الجزائر وفرنسا يوم 27 كانون الأول 1968، بعد 6 سنوات من استقلال الجزائر. وتُعد هذه الوثيقة استمراراً لاتفاقيات إيفيان التي أسست لاستفتاء استقلال الجزائر عن الاستعمار الفرنسي عام 1962.
وقد تولى المفاوضات عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان وزير الخارجية الجزائري حينها، ومنح الاتفاق الجزائريين وضعاً خاصاً واستثنائياً مقارنة بالقوانين الفرنسية العامة، مما شكّل محوراً رئيسياً في العلاقات الثنائية بين البلدين.
وقد استعانت فرنسا بكثافة بالعمال الجزائريين لتعويض نقص اليد العاملة لديها بعد الحرب العالمية الثانية (1939-1945) ونتيجة لذلك جاءت هذه الاتفاقية لتنظيم حركة العمال الجزائريين وضمان حقوقهم في فرنسا.
وُقعت الاتفاقية بين الحكومتين الفرنسية والجزائرية بهدف:
تنظيم التنقل والإقامة والعمل للجزائريين وعائلاتهم في فرنسا.
تحسين ظروف العمل والمعيشة للعمال الجزائريين.
تسهيل التبادل المنتظم بما يتماشى مع حجم الهجرة التقليدية للجزائريين إلى فرنسا.
تقليل هجرة العمالة الجزائرية وتحديد سقف سنوي للهجرة بـ35 ألف عامل.
-
العلاقة الفرنسية بالجوار الجزائري
لطالما تجنبت باريس الاعتراف الصريح بـ”السيادة المغربية” على الصحراء واعتبرت بدلاً عن ذلك أن المنظور الذي تطرحه المملكة يشكل “أساساً جيداً وذو مصداقية للنقاش”، حتى بعد إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب اعتراف بلاده بسيادة المغرب في كانون الأول 2020 على هذه المساحة البالغة 266 ألف كيلومتر مربع والواقعة على حافة المحيط الأطلسي.
وتقول مديرة معهد دراسات العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس، ليزلي فارين، إنه كان على فرنسا الارتكاز على قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن ملف الصحراء الغربية منذ البداية. وبرأيها، اتخذت باريس هذا الموقف في أسوأ لحظة في تاريخها حيث لديهم حكومة مستقيلة فيما قصر الإليزيه “لا يزال يتخذ القرارات التي سيكون لها تداعيات ضارة على البلاد بلا شك”.
وعن رمزية توقيت الاعتراف في ظل عدم الاستقرار السياسي في فرنسا وفي منتصف الألعاب الأولمبية، لم تستبعد ليزلي- في حديثها للجزيرة نت- فرضية وقوف “إسرائيل” وراء ما حدث وضغطها على باريس للقيام بهذه الخطوة، بسبب مصالحها الخاصة المرتبطة بملف التطبيع، مضيفة أن “كل شيء سريالي في عهد ماكرون”.
من جانبه، وصف المؤرخ الفرنسي والمتخصص في الشأن الأفريقي برنارد لوغان الاعتراف الفرنسي بـ”الثابت” و”الغامض” في الوقت ذاته، معتبراً أن باريس اعترفت بهذا الواقع دائماً لكنها كانت ترغب في تعديل الموقف الجزائري قليلاً.
وقد مهد وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيجورنيه الطريق لهذا الاعتراف خلال زيارته للرباط في شباط الماضي، قائلا إن “الصحراء قضية وجودية بالنسبة للمغرب وفرنسا تعرف ذلك، لقد حان الوقت الآن للمضي قدما”.
أما وزير التجارة المستقيل فرانك ريستر، فقد تحدث عن فرص اقتصادية بين البلدين، في نيسان الماضي، لفتح الباب أمام استثمارات الوكالة الفرنسية للتنمية في الصحراء الغربية.
ومن وجهة نظر أرقام التجارة الخارجية الإجمالية، يعتقد المؤرخ لوغان أن فرنسا على المستوى نفسه تقريباً مع الدولتين الأفريقيتين (المغرب والجزائر)، لكنه يرى أن “الإمكانيات المغربية أكثر أهمية من الجزائرية، لذا فإن التقارب بين باريس والرباط سيصبح منطقياً أكثر في المستقبل على الصعيد الاقتصادي”.
ولا يأخذ المتخصص في الشأن الأفريقي احتمالية وقف الجزائر صادراتها على محمل الجد، موضحاً ذلك بالقول “لا يمثل الغاز الجزائري سوى 8% من الاستهلاك الفرنسي، بينما لا يتجاوز النفط نسبة 9%، كما أن الاستثمارات الفرنسية المباشرة في الجزائر تحتل المركز الثالث بعد الولايات المتحدة وإيطاليا“.
ويعتبر لوغان أنه “إذا كان هناك أي رد فعل انتقامي يعقب هذا الاعتراف، فستكون فرنسا السباقة لفعل ذلك من خلال إبطاء منح التأشيرات- التي تُعتبر باهظة للجزائر مقارنة بالمغرب أو تونس– أو فرض ضريبة على التحويلات اليومية التي تقوم بها الجالية الجزائرية والتي تسمح بتضخم الميزانيات الجزائرية.
هناك اختلاف جوهري وعميق بين المقاربتين الجزائرية والفرنسية بالساحل الافريقي فبينما تفضل فرنسا الخيار العسكري تدعم الجزائر الحلول المتكاملة القائمة على التنمية، رغم تنامي اهتمامها بتعزيز نفوذها الاقتصادي وتأثيرها الدبلوماسي بالمنطقة، لم تُغير الجزائر المحددات الرئيسية لسياستها الخارجية تجاه الساحل الإفريقي والصحراء، وفق ما أوضحه الرئيس عبد المجيد تبون.
وبات واضحاً أن الاختلاف جوهري وعميق بين المقاربتين الجزائرية والفرنسية، في التعامل مع الأزمة المعقدة التي تعيشها المنطقة خلال العقد الأخير.
وفي وقت فضلت باريس الحل العسكري في مالي منذ 2013، والذي أنتج مشاعر رفض غير مسبوقة للوجود الفرنسي لدى الماليين خصوصاً، تدعم الجزائر الحلول المتكاملة القائمة على رفع مؤشرات التنمية، في 2018، أعلنت الجزائر مسحها 3.5 مليارات دولار من ديون 14 دولة إفريقية خلال الخمسة أعوام الأخيرة. كما يرى مراقبون، أن المقاربة الجزائرية ناعمة جداً، وتحتاج إلى أدوات إضافية حتى تحقق النتائج المرجوة على المدى المتوسط.
بينما تقارب الجزائر في معالجتها للأزمة الليبية الحل الاممي والحوار بين مختلف الأطراف المتصارعة في ليبيا تنحاز فرنسا لخليفة حفتر على حساب الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً وهذا ما يتناقض مع المقاربة الجزائرية المعتمدة في ليبيا ما يجعل الملف الليبي أحد نقاط التباين في علاقة فرنسا بمحيط الجزائر وهذا ما تراه الجزائر مناوئة لمصالحها في جوارها.
سيناريوهات مستقبل العلاقات الجزائرية الفرنسية
-
السيناريو الأول: التأزم
يعتمد اتجاه العلاقات الجزائرية الفرنسية ويرتسم على مدى إرادة البلدين في تجاوز مايشنج العلاقة من عوامل ازموية ومطالب ببنية وان كانت الفترة الحالية متوترة نسبياً مع محاولة لتهدئتها من الجانبين فمستقبلها وارد أن يتجه للتأزيم في حال تعنت باريس في رفضها للمطالب الجزائرية والمتمثلة في تنازلات في ملف الذاكرة والاعتراف الفرنسي بجرائم الاستعمار وحظر نشاط ماتعبرهم الجزائر حركة إرهــ ــابـ ــية تهدد أمنها.
-
السيناريو الثاني: التسوية والمصالحة
وإن بدت مؤشرات لرأب الصدع بين باريس والجزائر على غرار الزيارة الأخيرة لوزير الداخلية الجزائرية سعيود لباريس لبحث جوانب العلاقة غير أن ملف المصالحة يبقى معتمداً على التنازلات المتبادلة بين الجزائر وباريس لتجاوز التوترات والقبول بشكل مستقر يضمن استمرار العلاقة ومصالح الطرفين وهذا ما يبدو غير متاح في الوقت الراهن في ظل صعود اليمين المتطرف بباريس.
-
السيناريو الثالث: الاتجاه الرمادي
ما بين الحدود الدنيا للعلاقة واستمرارية المصالح كون عديد القضايا تحتم التنسيق البيني بين البلدين على غرار الجالية الجزائرية الأكبر في باريس وهذا مايبدو السيناريو الأرجح في ظل تمسك باريس بعدم الاعتراف بماضيه الاستعماري والانحياز للمغرب في قضية الصحراء الغربية والسياسة الفرنسية بالساحل، الملفات التي تثير توتر العلاقات الجزائرية مع باريس، وهذه النقاط لا تبدو بصدد التسوية مع الجزائر في المدى المنظور وهذا ما يجعل العلاقة الجزائرية الفرنسية تتجه نحو تهدئة نسبية تضمن الحد الأدنى من التواصل والتعاون تحت الاكراهات القسرية التي تفرض على البلدين التقارب ولو نسبياً.
خاتمة
ترتبط العلاقات الجزائرية الفرنسية بتركة تاريخية تضاف إلى تشباكها مع عوامل راهنة جعلت من التذبذب أحد سماتها وهذا مايطفو على سطحها في المرحلة الحالية وفي ظل غياب إرادة سياسة فرنسية عن معالجة ملف الذاكرة الذي لايزال مطلباً جزائرياً وفي ظل النظرة النمطية لباريس للجزائر باعتبارها حديقة خلفية لها تمارس عليها نفوذها فلايبدو من تغير جذري يدفع بالعلاقة نحو تطبيع كامل واستقرار بيني وان كانت للبلدين محاولات لبناء جسور ثقة غير انها كافية في المنظور الجزائري وهذا مالا يلقي استجابة رسمية فرنسية تساهم في حالة التشنج.



