الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

تحولات إدراك التهديد من “إيران إلى تركيا” في الاستراتيجية “الإسرائيلية” خلال حرب غزة

بقلم: الباحثة جواهر إبراهيم الفضلي

 

 

لطالما شكلت إيران مركز الاهتمام في العقيدة الأمنية “الإسرائيلية” بوصفها التهديد الأكثر حضوراً في الحسابات الاستراتيجية لتل أبيب خلال العقود الماضية، غير أن التطورات التي أعقبت الحرب في غزة أفرزت معطيات جديدة دفعت بعض الأوساط السياسية والإعلامية “الإسرائيلية” إلى إعادة النظر في خريطة التهديدات الإقليمية في ظل تصاعد الدور التركي وتزايد حدة التوتر بين أنقرة وتل أبيب.

فتركيا اليوم ليست مجرد دولة إقليمية تمتلك علاقات متقلبة مع “إسرائيل” بل أصبحت فاعلاً مؤثراً في ملفات “الشرق الأوسط”، وقادرة على توظيف أدوات سياسية ودبلوماسية واقتصادية تمنحها هامشاً متزايداً من التأثير ومن هنا يبرز تساؤل مهم: هل بدأت “إسرائيل” تنظر إلى تركيا باعتبارها التحدي الإقليمي الجديد الذي قد يحل تدريجياً محل إيران في سلم أولوياتها الاستراتيجية؟ أم أن الأمر لا يتجاوز كونه انعكاساً ظرفياً لتداعيات الحرب الأخيرة.

انطلاقاً من ذلك يحاول هذا المقال قراءة التحولات الجارية في الإدراك “الإسرائيلي” للدور التركي ومدى تأثيرها في إعادة تشكيل توازنات القوى الإقليمية خلال فترة الحرب.

اذ ظلت الجمهورية الاسلامية في إيران لعقود التهديد الأكثر حضوراً في الحسابات الأمنية “الإسرائيلية” فمنذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، احتلت إيران موقعاً مركزياً في التصورات الأمنية “الإسرائيلية” نتيجة التحول الجذري الذي طرأ على طبيعة العلاقات بين البلدين فبعد أن كانت إيران حليفاً غير مباشر “لإسرائيل” خلال عهد الشاه أصبحت تتبنى خطاباً سياسياً وأيديولوجياً مناهضاً “لإسرائيل” وترفض الاعتراف بشرعيتها، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على توجهات السياسة الإقليمية الإيرانية.

 

ولم يقتصر القلق “الإسرائيلي” على البعد الأيديولوجي فحسب بل ارتبط أيضاً بتنامي القدرات الإيرانية العسكرية والتكنولوجية ولا سيما برنامجها النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية، فضلاً عن شبكة التحالفات الإقليمية التي نسجتها طهران مع عدد من الفاعلين المسلحين في المنطقة وقد رأت “إسرائيل” في هذه الأدوات محاولة إيرانية لبناء نفوذ إقليمي واسع يتيح لها التأثير في البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل من عدة جبهات في الوقت نفسه، ونتيجة لذلك أصبحت مواجهة النفوذ الإيراني هدفاً ثابتاً في السياسات الأمنية والعسكرية “الإسرائيلية” سواء من خلال العمليات العسكرية غير المباشرة أو عبر الجهود الدبلوماسية الرامية إلى الحد من قدرات طهران الاستراتيجية، وهو ما جعل أي تحول في إدراك مصادر التهديد الإقليمي يثير تساؤلات حول مستقبل هذه الأولويات وإمكانية صعود فاعلين إقليميين آخرين إلى واجهة الاهتمام “الاسرائيلي”، كما مثّلت الحرب في غزة نقطة تحول جديدة في مسار العلاقات التركية – “الإسرائيلية”، إذ أعادت إلى الواجهة التناقضات السياسية والاستراتيجية الكامنة بين الطرفين فعلى الرغم من الجهود التي بذلت خلال السنوات الأخيرة لإعادة تطبيع العلاقات وتخفيف حدة التوتر، فإن اندلاع الحرب وما رافقها من تداعيات إنسانية وسياسية أدى إلى تراجع مسار التقارب وعودة الخطاب التصادمي بين الجانبين.

وقد تبنت تركيا موقفاً سياسياً ودبلوماسياً حاداً تجاه العمليات العسكرية “الإسرائيلية” في قطاع غزة، حيث كثفت انتقاداتها للحكومة “الإسرائيلية” وطالبت بوقف العمليات العسكرية كما سعت إلى حشد الدعم الدولي للقضية الفلسطينية عبر المنظمات والمحافل الدولية وفي المقابل نظرت “إسرائيل” إلى المواقف التركية بوصفها تجاوزاً للإطار الدبلوماسي التقليدي، وعدّتها جزءاً من سياسة إقليمية تسعى من خلالها أنقرة إلى تعزيز نفوذها السياسي في المنطقة، ولم تقتصر تداعيات الحرب على الجانب السياسي فقط بل امتدت إلى البعد الاستراتيجي، إذ بدأت دوائر “إسرائيلية” مختلفة بإعادة تقييم الدور التركي ومكانته في معادلات الأمن الإقليمي فتركيا تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية مؤثرة، وتحظى بعضوية حلف شمال الأطلسي (الناتو) كما تتمتع بحضور متزايد في عدد من الملفات الإقليمية الأمر الذي يجعلها فاعلاً لا يمكن تجاهله في أي ترتيبات مستقبلية تخص “الشرق الأوسط”، ومن هنا برزت تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت تركيا تتحول تدريجياً من شريك متقلب إلى منافس إقليمي أكثر تأثيراً في الحساب “الإسرائيلية” وبذلك يمكن القول هل تمتلك تركيا مقومات التهديد البديل في الرؤية “الإسرائيلية”؟

 

يستند هذا الحديث عن تركيا بوصفها تهديداً بديلاً في الرؤية “الإسرائيلية” إلى مجموعة من المعطيات السياسية والاستراتيجية التي برزت بصورة أوضح خلال السنوات الأخيرة ومنها:

  1. تُعد تركيا من القوى الإقليمية الرئيسية في “الشرق الأوسط”.

  2. تمتلك قدرات عسكرية متطورة، وقاعدة صناعات دفاعية متنامية، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية تمتد عبر مناطق متعددة.

  3. الموقع الجيوسياسي لتركيا يمنحها قدرة على التأثير في عدد من الملفات ذات الأهمية المباشرة “لإسرائيل”، سواء في شرق المتوسط أو سوريا أو القضية الفلسطينية.

 

ومع ذلك، فإن المقارنة بين تركيا والجمهورية الاسلامية في إيران تبقى محل نقاش فالعلاقات التركية – “الإسرائيلية”، رغم ما تشهده من توترات دورية تختلف جوهرياً عن طبيعة العلاقة بين “إسرائيل” وإيران، فتركيا لا تتبنى سياسة عدائية شاملة تجاه “إسرائيل” كما أن المصالح الاقتصادية والتجارية بين الطرفين لم تختفِ بالكامل حتى في فترات التوتر السياسي إضافة إلى ذلك، ترتبط تركيا بمنظومة تحالفات دولية وغربية تجعل سلوكها الإقليمي مختلفاً عن النموذج الإيراني، وعليه فأن اعتبار تركيا “إيران جديدة” قد يكون مبالغاً فيه إذا أُخذ بمعناه الحرفي، إلا أنه يعكس في الوقت ذاته تنامي القلق “الإسرائيلي” من الدور التركي ومن قدرة أنقرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية ومن ثمّ يمكن القول إن تركيا لا تحل محل إيران في سلم التهديدات “الإسرائيلية”، لكنها أصبحت عنصراً متزايد الأهمية في الحسابات الاستراتيجية “الإسرائيلية” خلال المرحلة الأخيرة، كما أن تبني أنقرة مواقف داعمة للقضية الفلسطينية يمنحها مساحة تأثير معنوية وسياسية في ملفات ترتبط بشكل مباشر بالمصالح “الإسرائيلية”.

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم تنامي الاهتمام “الإسرائيلي” بالدور التركي باعتباره انعكاساً للتحولات الجارية في توازنات القوى الإقليمية، فكلما ازدادت قدرة تركيا على توسيع نفوذها وتعزيز حضورها الدولي ازدادت أهمية متابعتها في الحسابات الاستراتيجية “الإسرائيلية”، ليس بوصفها بديلاً كاملاً لإيران وإنما باعتبارها قوة إقليمية صاعدة تمتلك من الأدوات والإمكانات ما يؤهلها للعب دور أكثر تأثيراً في مستقبل “الشرق الأوسط”.

ومع ذلك، فإن الحديث عن تركيا باعتبارها “إيران جديدة” في الرؤية “الإسرائيلية” يبقى توصيفاً يحتاج إلى قدر من الحذر، فالعلاقات التركية – “الإسرائيلية” على الرغم من توترها المتكرر، تختلف في طبيعتها عن العلاقة القائمة بين “إسرائيل” وإيران غير أن تنامي القدرات التركية واتساع نفوذها الإقليمي، إلى جانب مواقفها السياسية المتشددة تجاه الحرب في غزة، جعلها تحظى باهتمام متزايد داخل دوائر صنع القرار “الإسرائيلي” وعليه يمكن القول إن التحولات الجارية لا تعكس استبدال تهديد بآخر بقدر ما تعكس إعادة ترتيب للأولويات الاستراتيجية في بيئة إقليمية متغيرة، فإيران ما تزال تحتفظ بموقعها المركزي في التصورات الأمنية “الإسرائيلية”، إلا أن صعود تركيا كقوة إقليمية مؤثرة يفرض على “إسرائيل” التعامل مع معادلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها اعتبارات القوة والنفوذ والمنافسة الإقليمية بصورة غير مسبوقة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى