الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

“الشرق الأوسط” على أعتاب إعادة تشكل استراتيجي

كيف تعيد حرب إيران رسم خريطة التحالفات الإقليمية؟

بقلم: العميد الدكتور محمد حجاب

مصر

 

 

مقدمة

أعادت الحرب المرتبطة بإيران، وما تبعها من تصعيد متبادل بين إيران و”إسرائيل” والولايات المتحدة، طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الإقليمي في “الشرق الأوسط” وطبيعة التحالفات السياسية والأمنية خلال المرحلة المقبلة. وتذهب العديد من مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية إلى أن المنطقة تشهد لحظة تحول تاريخية تتسم بإعادة توزيع موازين القوة، وتراجع أنماط التحالف التقليدية، وصعود ترتيبات إقليمية أكثر مرونة وتعقيدًا.

وتناقش هذه الدراسة أبرز تقديرات مراكز الفكر الغربية والعربية بشأن تداعيات الحرب الإيرانية على الأمن الإقليمي، واحتمالات تشكل تحالفات وأحلاف جديدة، ومستقبل الدور الأمريكي، وصعود النفوذ الصيني والروسي، بالإضافة إلى احتمالات ظهور محور إقليمي يضم مصر وتركيا والسعودية وباكستان، وانعكاسات ذلك على التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.

 

الكلمات المفتاحية: إيران، “إسرائيل”، الولايات المتحدة، “الشرق الأوسط”، التحالفات الإقليمية، الأمن الخليجي، الأحلاف الجديدة، مصر، تركيا، السعودية، باكستان، التوازنات الدولية.

 

تشهد منطقة “الشرق الأوسط” واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا منذ نهاية الحرب الباردة، في ظل تصاعد المواجهة المرتبطة بإيران، واتساع دائرة التوتر بين القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في المنطقة. فلم تعد الأزمة مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو حرب ظل بين إيران و”إسرائيل”، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمستقبل النظام الإقليمي بأكمله.

وقد دفعت هذه التطورات العديد من مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية إلى إعادة تقييم بنية التحالفات الإقليمية، خاصة في ظل تراجع اليقين المرتبط بالمظلة الأمنية الأمريكية، وصعود أدوار قوى دولية جديدة، وتزايد اعتماد الدول الإقليمية على سياسات التوازن والبراغماتية السياسية.

وتشير غالبية التقديرات الاستراتيجية إلى أن الحرب الحالية قد تمثل نقطة تحول تاريخية في إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات في “الشرق الأوسط”، بما يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية وسياسية مختلفة عن تلك التي سادت خلال العقود الماضية.

 

أولًا: الحرب الإيرانية واختبار النظام الإقليمي

ترى العديد من مراكز الدراسات الغربية أن التصعيد المرتبط بإيران كشف هشاشة بنية الأمن الإقليمي في “الشرق الأوسط”، وأظهر محدودية قدرة التحالفات التقليدية على احتواء التهديدات المتصاعدة والمتغيرة. فالتطورات الأخيرة أكدت أن المنطقة لم تعد تخضع للأنماط التقليدية للصراع أو للتحالفات الثابتة التي سادت لعقود.

وفي هذا السياق، يشير Council on Foreign Relations إلى أن “الشرق الأوسط” دخل مرحلة ما يُعرف بـ«السيولة الاستراتيجية»، حيث أصبحت خطوط التحالف والصراع أكثر مرونة وتعقيدًا، وباتت الدول تعتمد على إدارة المصالح والتوازنات المرحلية بدلًا من الالتزام بمحاور ثابتة طويلة الأمد.

كما يرى Brookings Institution أن الحرب المرتبطة بإيران سرعت التحولات الجيوسياسية في المنطقة، إذ اتجهت الولايات المتحدة إلى تقليص انخراطها العسكري المباشر، مقابل تصاعد دور القوى الإقليمية في إدارة الأمن والصراعات. وفي الوقت ذاته، عززت الأزمة النفوذ الصيني والروسي سياسيًا واقتصاديًا، بالتزامن مع صعود مفهوم «الأمن المرن» القائم على الشراكات المتغيرة والمصالح المشتركة بدلًا من التحالفات التقليدية الصلبة.

وفي السياق ذاته، تؤكد Carnegie Endowment for International Peace أن دول المنطقة لم تعد تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الوحيد لأمنها، وهو ما دفع العديد من القوى الإقليمية إلى تنويع شراكاتها الاستراتيجية، وتوسيع خياراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية بصورة غير مسبوقة.

 

A plume of smoke rises after a strike on Tehran on March 3. Atta Kenare

 

ثانيًا: هل تتراجع الهيمنة الأمريكية في “الشرق الأوسط”؟

تُجمع العديد من التقديرات البحثية على أن الحرب الحالية تعكس تحولًا تدريجيًا في طبيعة الدور الأمريكي في “الشرق الأوسط”، حيث لم تعد الولايات المتحدة تميل إلى الانخراط العسكري المباشر واسع النطاق كما حدث في العراق وأفغانستان، بل أصبحت تفضل إدارة الأزمات من الخلف عبر الشركاء الإقليميين والأدوات غير المباشرة. ويرتبط هذا التحول بعدة عوامل، أبرزها التوجه الاستراتيجي الأمريكي نحو آسيا والمحيط الهادئ، وارتفاع تكلفة التدخلات العسكرية، وتراجع التأييد الداخلي للحروب الخارجية، إلى جانب السعي لتقليل الاعتماد على نفط “الشرق الأوسط”.

وفي هذا السياق، يرى Center for Strategic and International Studies أن السياسة الأمريكية الحالية تقوم على تقليل الأعباء العسكرية المباشرة مع الحفاظ على النفوذ الاستراتيجي في المنطقة عبر التحالفات والردع غير المباشر، بما ينسجم مع أولويات واشنطن العالمية الجديدة.

من جانب آخر، تشير تقديرات Chatham House إلى أن دول الخليج باتت تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا مهمًا، لكنها لم تعد تعتبرها الضامن المطلق للأمن الإقليمي كما كان الحال في العقود السابقة. وقد دفع ذلك العديد من الدول الخليجية إلى تبني سياسات أكثر استقلالية، شملت تنويع مصادر التسليح، وتوسيع الشراكات الاقتصادية مع القوى الآسيوية، وتعزيز الحوار مع إيران، إلى جانب اتباع سياسات خارجية أكثر مرونة وتوازنًا.

 

ثالثًا: صعود الصين وروسيا كلاعبين مؤثرين

ترى العديد من مراكز الأبحاث أن الحرب المرتبطة بإيران فتحت المجال أمام توسع النفوذ الصيني والروسي في “الشرق الأوسط”، مستفيدين من التراجع النسبي في الحضور الأمريكي المباشر، وما نتج عنه من فراغات استراتيجية تسعى القوى الدولية إلى ملئها بوسائل سياسية واقتصادية وأمنية مختلفة.

وفي هذا السياق، يشير Royal United Services Institute إلى أن الصين باتت تقدم نفسها كشريك اقتصادي واستراتيجي قادر على لعب أدوار سياسية متزايدة داخل المنطقة، خاصة بعد نجاحها في رعاية التقارب السعودي الإيراني، وهو ما عزز صورتها كقوة دولية تمتلك أدوات التأثير الدبلوماسي إلى جانب النفوذ الاقتصادي.

كما تؤكد تقديرات Middle East Institute أن بكين تعتمد على استراتيجية مختلفة عن النهج الأمريكي التقليدي، تقوم على توسيع النفوذ الاقتصادي، وتجنب الانخراط العسكري المباشر، وبناء شراكات متوازنة مع مختلف الأطراف الإقليمية، إلى جانب التركيز على تأمين إمدادات الطاقة وحماية الممرات التجارية الحيوية.

أما روسيا، فتسعى إلى استثمار حالة السيولة الإقليمية لتعزيز حضورها السياسي والعسكري في “الشرق الأوسط”، مستفيدة من شبكة علاقاتها مع عدد من القوى الإقليمية، وذلك بالتوازي مع استمرار الحرب في أوكرانيا ومحاولتها توسيع نفوذها خارج المجال الأوروبي التقليدي.

 

رابعًا: الأحلاف والتحالفات المتوقع ظهورها

تشير تقديرات عدد من مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية إلى أن “الشرق الأوسط” قد يتجه خلال السنوات المقبلة نحو أنماط جديدة من التحالفات، تختلف عن الأحلاف التقليدية الصلبة التي سادت بعد الحرب الباردة، وذلك في ظل تصاعد التهديدات الإقليمية وتراجع وضوح موازين القوة التقليدية.

وفي هذا الإطار، ترى تقديرات Institute for National Security Studies وCenter for Strategic and International Studies أن التصعيد الإيراني قد يدفع نحو تعميق التعاون الأمني والاستخباراتي بين “إسرائيل” وبعض الدول العربية، خاصة الخليجية. ويشمل ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية، والتنسيق في الدفاع الجوي والصاروخي، وحماية الملاحة البحرية، إلى جانب التعاون في المجال السيبراني. ويعود ذلك إلى تنامي القدرات الصاروخية الإيرانية وتهديدات الطائرات المسيّرة والمخاوف من توسع النفوذ الإيراني، إلا أن هذا التعاون سيظل – وفق أغلب التقديرات – محدودًا وغير معلن بالكامل بسبب حساسية الرأي العام العربي.

وفي المقابل، تتوقع بعض الدراسات الخليجية صعود محور إقليمي يمكن وصفه بـ«تحالف الاستقرار الاقتصادي»، تقوده دول الخليج الكبرى مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت، ويركز على حماية الاقتصاد والطاقة ومنع الحروب الإقليمية وتأمين الاستثمارات وتعزيز الاستقرار الداخلي. وترى Chatham House أن هذا النموذج قد يصبح الأكثر تأثيرًا في الخليج خلال العقد المقبل، خاصة مع اتجاه هذه الدول إلى تجنب التصعيد المباشر مع إيران، وتنويع شراكاتها الدولية، والتركيز على الاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة.

كما تتحدث تقديرات Middle East Institute عن احتمال تشكل شبكة شراكات آسيوية-خليجية تقودها الصين، تقوم على أمن الطاقة والتجارة والموانئ والبنية التحتية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق. ويتميز هذا التوجه بغياب الطابع العسكري المباشر واعتماده على النفوذ الاقتصادي والحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، وهو ما يُنظر إليه باعتباره جزءًا من التحول العالمي نحو تعدد الأقطاب.

وفي الوقت نفسه، تتوقع بعض مراكز الدراسات استمرار ما يُعرف بمحور «الممانعة» بقيادة إيران، لكن بصورة أكثر مرونة وأقل اندفاعًا نحو التوسع التقليدي. ويضم هذا المحور إيران وعددًا من القوى الحليفة والفاعلين غير الحكوميين، مع استمرار تركيزه على مواجهة النفوذ الأمريكي و”الإسرائيلي” وتعزيز الردع الإقليمي، رغم الضغوط الاقتصادية والعسكرية المتزايدة التي قد تدفعه إلى إعادة التموضع الاستراتيجي.

من ناحية أخرى، تشير دراسات صادرة عن RAND Corporation وBrookings Institution  إلى أن الممرات الاقتصادية والطاقة قد تصبح أساسًا لتحالفات جديدة في المنطقة، سواء عبر ممر الهند-“الشرق الأوسط” أوروبا، أو شبكات الربط الكهربائي، أو تحالفات الغاز والطاقة النظيفة، أو ممرات الموانئ والخدمات اللوجستية. وتهدف هذه الترتيبات إلى تقليل الاعتماد على الممرات التقليدية وتعزيز الترابط الاقتصادي ومواجهة النفوذ الصيني اقتصاديًا.

وفي المجمل، ترى مراكز أبحاث عديدة أن دول المنطقة لن تنخرط مستقبلًا في محاور مغلقة، بل ستتبنى ما يُعرف بسياسة «التوازن المرن» أو «التحالفات المتعددة»، بحيث تجمع الدولة الواحدة بين شراكة أمنية مع الولايات المتحدة، وتعاون اقتصادي مع الصين، وحوار سياسي مع إيران، وتنسيق في الطاقة مع روسيا، في إطار استراتيجية تقوم على تنويع الشركاء وتجنب الارتهان لمحور واحد.

 

 

خامسًا: هل يظهر محور مصر-تركيا-السعودية-باكستان؟

تذهب بعض التقديرات الاستراتيجية الحديثة إلى أن التحولات الإقليمية المتسارعة قد تفتح المجال أمام ظهور صيغة تعاون مرنة تضم مصر وتركيا والسعودية وباكستان، خاصة في ظل تراجع الثقة المطلقة بالمظلة الأمنية الأمريكية، وتصاعد التهديدات الإقليمية، والحاجة إلى بناء توازنات جديدة أكثر استقلالية. وترى بعض مراكز الدراسات أن هذا الإطار المحتمل لن يأخذ شكل حلف عسكري تقليدي، بل شبكة تعاون استراتيجية متعددة المستويات تشمل التنسيق الأمني، وحماية الممرات البحرية، والتعاون الاقتصادي والاستثماري، والصناعات الدفاعية، إلى جانب مكافحة الإرهــ ــاب وأمن الطاقة والغذاء.

وفي هذا السياق، تمثل مصر أحد أهم أركان هذا المحور المحتمل، نظرًا لما تمتلكه من ثقل سكاني وعسكري وموقع جغرافي يربط بين آسيا وإفريقيا، فضلًا عن دورها المحوري في أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط وحماية قناة السويس. وتشير بعض التقديرات البحثية إلى أن القاهرة قد تشكل الركيزة العربية الرئيسية لأي ترتيبات أمنية إقليمية مستقبلية.

أما السعودية، فتُعد مركز الثقل الاقتصادي والطاقة داخل هذا التكتل المحتمل، بفضل امتلاكها أكبر اقتصاد عربي وثقلًا نفطيًا عالميًا ونفوذًا سياسيًا ودينيًا واسعًا، إضافة إلى قدرتها على تمويل المشروعات والتحالفات الاستراتيجية. كما تعكس سياساتها الأخيرة توجهًا نحو قدر أكبر من الاستقلالية والبراغماتية في إدارة علاقاتها الدولية والإقليمية.

وفي المقابل، برزت تركيا خلال السنوات الأخيرة باعتبارها قوة عسكرية وصناعية صاعدة، خاصة في مجال الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة، فضلًا عن دورها المتزايد في شرق المتوسط والبحر الأحمر. كما ساهم التقارب التركي مع مصر ودول الخليج في تخفيف حدة الاستقطاب الإقليمي وفتح المجال أمام فرص تعاون أوسع.

أما باكستان، فتمثل عنصرًا استراتيجيًا مهمًا داخل أي توازنات إقليمية مستقبلية، نظرًا لامتلاكها قدرات نووية وقوة عسكرية كبيرة، إلى جانب علاقاتها التقليدية مع دول الخليج وموقعها الجغرافي القريب من إيران وآسيا الوسطى، بما يمنحها أهمية إضافية في معادلات الأمن الإقليمي.

وترى بعض التقديرات أن هذا المحور – إذا تطور – قد يسهم في خلق توازن إقليمي جديد يحد من الهيمنة المنفردة لأي قوة إقليمية، ويقلل من الاعتماد الكامل على القوى الكبرى، كما قد يعزز أمن الممرات البحرية الحيوية الممتدة من البحر الأحمر والخليج العربي إلى شرق المتوسط والمحيط الهندي. كذلك يمكن أن يؤدي إلى بناء كتلة اقتصادية وجيوسياسية ضخمة تجمع بين الطاقة الخليجية، والسوق المصرية، والصناعة العسكرية التركية، والعمق البشري والعسكري الباكستاني.

ورغم ذلك، تؤكد غالبية مراكز الأبحاث أن هذا السيناريو يواجه عددًا من التحديات، أبرزها اختلاف الأولويات الاستراتيجية بين الدول الأربع، وحساسية العلاقة مع إيران، وتباين طبيعة العلاقات مع الولايات المتحدة، إلى جانب استمرار بعض آثار التنافسات الإقليمية القديمة. لذلك، يُنظر إلى السيناريو الأكثر واقعية باعتباره قيام شبكة تعاون استراتيجية مرنة ومتدرجة، وليس حلفًا عسكريًا صلبًا ومعلنًا على غرار التحالفات التقليدية.

 

سادسًا: “إسرائيل” ومعضلة الأمن الإقليمي

تذهب تقديرات العديد من مراكز الدراسات “الإسرائيلية” والغربية إلى أن الحرب الحالية وضعت “إسرائيل” أمام معادلة استراتيجية معقدة، إذ تسعى من جهة إلى منع إيران من تطوير قدراتها العسكرية والنووية، بينما تخشى من جهة أخرى أن يؤدي أي تصعيد واسع إلى اندلاع حرب إقليمية شاملة يصعب احتواؤها وتتحمل فيها “إسرائيل” أعباء أمنية واقتصادية وسياسية متزايدة.

وفي هذا السياق، يرى Institute for National Security Studies أن “إسرائيل” تواجه تحديات متنامية ترتبط باتساع نطاق التهديدات الصاروخية، وتطور قدرات الطائرات المسيّرة الإيرانية، وتصاعد احتمالات الحرب متعددة الجبهات، سواء من الجنوب أو الشمال أو عبر الساحات الإقليمية المختلفة، وهو ما يفرض ضغوطًا متزايدة على منظومات الردع والدفاع “الإسرائيلية”.

كما تشير التقديرات إلى أن استمرار الحرب والتوترات الإقليمية قد يعرقل جهود دمج “إسرائيل” بصورة كاملة داخل النظام الإقليمي الجديد، خاصة في ظل تصاعد الضغوط الدولية المرتبطة بالتصعيد العسكري وتزايد المخاوف من اتساع دائرة الصراع، الأمر الذي قد يزيد من هشاشة الترتيبات الأمنية والتحالفات الناشئة في المنطقة.

 

سابعًا: الخليج العربي وسياسات “إدارة المخاطر

تؤكد مراكز الدراسات الخليجية والدولية أن دول الخليج العربي أصبحت تميل بصورة متزايدة إلى تبني سياسات تقوم على «إدارة المخاطر» بدلًا من الانخراط الكامل في سياسة المحاور والاستقطابات الحادة، وذلك في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد حالة عدم اليقين في البيئة الدولية والإقليمية.

وفي هذا السياق، يشير Emirates Policy Center إلى أن الأولوية الخليجية الحالية تتركز على حماية الاستقرار الاقتصادي، وتأمين صادرات الطاقة، وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة، إلى جانب الحفاظ على التوازن في العلاقات مع القوى الدولية الكبرى بما يضمن استقرار المصالح الاستراتيجية لدول الخليج.

كما ترى تقديرات Arab Center for Research and Policy Studies أن “الشرق الأوسط” يتجه نحو نمط جديد من العلاقات الإقليمية يقوم على البراغماتية السياسية، حيث أصبحت المصالح الاقتصادية والتكنولوجية والاستثمارية عنصرًا رئيسيًا في تشكيل التحالفات والشراكات، بدلًا من الاعتماد الحصري على الاعتبارات الأيديولوجية أو الأمنية التقليدية.

 

ثامنًا: هل يتشكل نظام إقليمي جديد؟

تذهب العديد من التقديرات الاستراتيجية إلى أن “الشرق الأوسط” يتجه تدريجيًا نحو نظام إقليمي متعدد الأقطاب، يتسم بتراجع الهيمنة الأمريكية الأحادية، وصعود أدوار القوى الآسيوية، ومرونة التحالفات السياسية، إلى جانب تزايد أهمية الاقتصاد والطاقة في تشكيل العلاقات الدولية، فضلًا عن تصاعد دور الفاعلين غير الحكوميين في معادلات الأمن والصراع داخل المنطقة.

وفي هذا السياق، ترى RAND Corporation أن المنطقة قد تشهد خلال السنوات المقبلة ظهور تحالفات أكثر مرونة وأقل أيديولوجية، تقوم بصورة أساسية على المصالح الاقتصادية والأمنية المتغيرة بدلًا من الاصطفافات التقليدية الصلبة التي هيمنت على “الشرق الأوسط” لعقود طويلة.

كما تشير تقديرات بحثية متعددة إلى أن الحرب الحالية قد تدفع بعض القوى الإقليمية إلى تبني ترتيبات أمنية جديدة تقوم على الحوار الإقليمي، والردع المتبادل، وتحقيق التوازن بين القوى الكبرى، مع التركيز على تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية وتقليل الاعتماد الكامل على الضمانات الأمنية الخارجية.

 

 

خاتمة

تكشف الحرب المرتبطة بإيران عن تحول استراتيجي عميق في “الشرق الأوسط”، حيث لم تعد التحالفات التقليدية قادرة وحدها على تفسير طبيعة التوازنات الجديدة في المنطقة. فالتصعيد العسكري والسياسي الحالي يتجاوز كونه أزمة عابرة، ليعكس عملية إعادة تشكيل شاملة للنظام الإقليمي.

وتشير تقديرات مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا وسيولة، تتراجع فيها أنماط الهيمنة التقليدية، مقابل صعود سياسات التوازن والبراغماتية وتعدد الشراكات الدولية.

كما يبدو أن المرحلة المقبلة لن تشهد حلفًا واحدًا مهيمنًا على المنطقة، بل شبكة متشابكة من التحالفات المرنة والمتغيرة، التي تقوم على المصالح الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية أكثر من الاصطفافات الأيديولوجية التقليدية.

وفي هذا السياق، قد يمثل التقارب المحتمل بين مصر وتركيا والسعودية وباكستان أحد أبرز ملامح إعادة التشكل الجيوسياسي في “الشرق الأوسط”، إذا نجحت هذه الدول في تحويل المصالح المشتركة إلى رؤية استراتيجية طويلة المدى.

وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين، يقف “الشرق الأوسط” أمام مرحلة إعادة رسم للخريطة الجيوسياسية، حيث ستكون القدرة على إدارة التوازنات والتحالفات المرنة العامل الحاسم في تحديد شكل النظام الإقليمي الجديد خلال السنوات المقبلة.

 

المراجع
  1. مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، *تحولات الأمن الإقليمي في “الشرق الأوسط” بعد الحرب الإيرانية*، مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، الطبعة الأولى، القاهرة، 2024، ص 22.
  2. المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، *إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية في “الشرق الأوسط”*، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، الطبعة الأولى، القاهرة، 2024، ص 35.
  3. Brookings Institution، *The New Geopolitics of the Middle East*، Brookings Institution Pressالطبعة الأولى، واشنطن، 2024، ص 41.
  4. Center for Strategic and International Studies، *U.S. Strategy and Security Dynamics in the Middle East*، CSIS Pressالطبعة الأولى، واشنطن، 2024، ص 57.
  5. Chatham House، *Middle East Regional Order and Gulf Security Transformations*، Chatham House Publications الطبعة الأولى، لندن، 2024، ص 63.
  6. Council on Foreign Relations، *The Future of Regional Security in the Middle East*، Council on Foreign Relations Press الطبعة الأولى، نيويورك، 2024، ص 49.
  7. Carnegie Endowment for International Peace، *Middle East Security after American Retrenchment*، Carnegie Endowment Publications. الطبعة الأولى، واشنطن، 2024، ص 72.
  8. Royal United Services Institute، *China’s Expanding Strategic Role in the Middle East*، RUSI Publications الطبعة الأولى، لندن، 2024، ص 38.
  9. Middle East Institute، *China, Gulf States, and the Emerging Regional Order*، Middle East Institute Press الطبعة الأولى، واشنطن، 2024، ص 54.
  10. Institute for National Security Studies، *”Israel” and the Multi-Front Threat Environment*، INSS Publications الطبعة الأولى، تل أبيب، 2024، ص 61.
  11. RAND Corporation، *Middle East Strategic Futures and Flexible Alliances*، RAND Corporation الطبعة الأولى، كاليفورنيا، 2024، ص 44.
  12. Emirates Policy Center، *Gulf Security and Risk Management Strategies*، Emirates Policy Center Publications الطبعة الأولى، أبوظبي، 2024، ص 29.
  13. Arab Center for Research and Policy Studies، *Regional Transformations and Pragmatic Alliances in the Middle East*، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، الدوحة، 2024، ص 46.
  14. Middle East Institute، *The Belt and Road Initiative and Gulf Connectivity*، Middle East Institute Press الطبعة الأولى، واشنطن، 2024، ص 58.
  15. RAND Corporation، *Economic Corridors and Strategic Competition in the Middle East*، RAND Corporation الطبعة الأولى، كاليفورنيا، 2024، ص 67.
  16. International Crisis Group، *The Risk of Regional Escalation in the Middle East*، International Crisis Group Publications الطبعة الأولى، بروكسل، 2024، ص 52.
  17. Doha Institute for Graduate Studies، *Geopolitical Shifts in the Gulf Region*، Doha Institute Publications الطبعة الأولى، الدوحة، 2024، ص 31.
  18. Brookings Institution، *The Middle East in a Multipolar World Order*، Brookings Institution Pressالطبعة الأولى، واشنطن، 2024، ص 74..
  19. Chatham House، *The Gulf Between Great Powers: Strategic Balancing in the Middle East*، Chatham House Publications الطبعة الأولى، لندن، 2024، ص 59.
  20. Center for Strategic and International Studies، *Iran, Gulf Security, and Emerging Defense Cooperation*، CSIS Press الطبعة الأولى، واشنطن، 2024، ص 48.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى