الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
ما لن تستطيع قمة ترامب – شي حسمه

حوار مع أورفيل شيل
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
خاتمة القمة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الصيني شي جين بينغ تمثل ذروة مرحلة مضطربة في العلاقات الأميركية-الصينية، فبعد عام من التصعيد المتبادل شمل فرض رسوم جمركية أميركية شاملة وإجراءات صينية مضادة عبر قيود تصدير المعادن الأرضية النادرة، خرج الطرفان من الاجتماع وهما يعلنان تحقيق نجاح في تثبيت الاستقرار النسبي للعلاقة. لكن ورغم هذا الخطاب الإيجابي تبقى الخلافات البنيوية الكبرى بين بكين وواشنطن دون حل، ما يجعل مستقبل التنافس بين القوتين الأعظم في العالم مفتوحاً على احتمالات متعددة وغير مستقرة.
ولفهم دلالات أول زيارة رئاسية أميركية إلى الصين منذ نحو عقد، أجرى محرر مجلة فورين افييرز دان كورتز-فيهلان حواراً مع أورفيل شيل، أحد أبرز المتخصصين في الشأن الصيني ونائب رئيس مركز العلاقات الأميركية-الصينية في جمعية آسيا، وكان شيل قد حضر القمة في بكين شخصياً. وخلال مسيرته الطويلة كصحفي غطّى الشأن الصيني ومشاركته في عدد من القمم الرئاسية السابقة وطوّر شيل فهماً دقيقاً وممتداً تاريخياً لطبيعة التفاعل بين القيادات الأميركية والصينية، وقد جرى هذا الحوار صباح 15 ايار بعد ساعات قليلة من مغادرة ترامب العاصمة الصينية، وتم تحريره لأغراض الاختصار والوضوح.
كيف تغيّرت ديناميكيات ترامب وشي؟
عند سؤاله عن الفارق بين زيارة عام 2017 وهذه الزيارة، أشار شيل إلى أن ترامب كان يكرر باستمرار أنه يعرف شي جين بينغ منذ سنوات وأنه “صديقه منذ البداية”، مؤكداً أنه الرئيس الأميركي الذي تربطه أطول علاقة شخصية بالزعيم الصيني. وبحسب شيل فقد بدا ترامب شديد الإشادة بشي، معبّراً عن احترامه وتقديره له بشكل لافت وهو ما كان (مريحاً للغاية) بالنسبة للجانب الصيني، فبكين وحتى شي نفسه يكرران دائماً شعار (الاحترام والتفاهم المتبادل). وفي المقابل لم تحظَ القيادات الصينية في الإدارات الأميركية السابقة بهذا المستوى من الاعتراف، بسبب التوترات المتعلقة بنظامها السياسي وملفات حقوق الإنسان والملكية الفكرية، إلا أن طريقة تعامل ترامب مع شي رغم طابعها التبادلي والبراغماتي، كانت – بحسب شيل – “مُشبعة بقدر واضح من الإعجاب” وقد أسهمت في تخفيف التوتر إلى حد ملموس.

كيف قرأت بكين استقبال ترامب؟
وعن الترتيبات الصينية واستقبال الزيارة، أوضح شيل أن المسؤولين الصينيين شعروا هذه المرة بوجود “قدر من الغموض داخل شخصية ترامب يمكن استثماره”، فاللافت في ترامب كما يصفه، أنه شخصية متناقضة يميل أحياناً إلى التشدد، لكنه في الوقت نفسه يحمل عقلية مفادها أن “الكبار يمكنهم التفاهم وإبرام الصفقات”.
وأضاف أن ترامب وشي يتشابهان في نقطة محورية وهي أن كليهما يولي أهمية كبيرة – بل ربما يحتاج – إلى مظاهر الاحترام والإعجاب من الطرف الآخر، ومن هذا المستوى النفسي تحديداً جرى التفاعل بينهما بسلاسة نسبية وهو ما ساعد في تخفيف التوتر، مع أمل بأن تتحول القمة إلى نقطة انعطاف في العلاقات الثنائية.
هل هناك إطار جديد للعلاقة؟
وفيما يتعلق بإطار “الاستقرار الاستراتيجي البنّاء” الذي طرحه شي جين بينغ للعلاقات الثنائية يرى شيل أن هذا الطرح يعكس طموحاً أكثر منه تحولاً حقيقياً، ويضيف أن معظم القادة الأميركيين يشاركون هذا الطموح نظراً لوجود مصالح مشتركة واسعة بين الطرفين، سواء في قضايا السلام العالمي أو الاقتصاد أو المناخ أو الجوائح، إلا أن المشكلة كما يقول تكمن في عدم القدرة على ترجمة هذه المصالح إلى تعاون فعلي. كما أشار إلى أن القمة لم تتناول هذه القضايا الجوهرية بعمق بما في ذلك ملف تايوان الذي يظل العقدة الأساسية في أي تفاهم بين البلدين، فقد أدلى شي قبل بدء القمة بتصريحات شدد فيها على حساسية ملف تايوان وإمكانية أن يؤدي سوء التعامل معه إلى صراع، لكن هذا الملف لم يُعالج بجدية خلال الاجتماعات بل تم ترحيله مجدداً إلى المستقبل. وفي هذا السياق لفت شيل إلى وجود صفقات تسليح أميركية بقيمة تقارب 25 مليار دولار مخصصة لتايوان، مشيراً إلى أن مسار تنفيذها قد يصبح موضع مراجعة أو تباطؤ في المرحلة المقبلة، في ظل التعقيدات السياسية واللوجستية القائمة، كما أشار إلى احتمال أن يتعامل ترامب مع هذا الملف بمرونة غير معلنة في إطار تفاهمات غير رسمية مع بكين.
قد تكون هناك ملفات لا تزال مستحقة على ترامب يجب أن يقدّمها من أجل إبرام صفقة تتعلق بفول الصويا، فالصين بحسب هذا التصور ستقوم بشراء مليارات الدولارات من فول الصويا و200 طائرة من شركة بوينغ إضافة إلى إنشاء مجلس للتجارة، ويرى شيل أن كثيراً من التفاصيل ستتبلور بصورة أكثر وضوحاً خلال الأيام المقبلة لكن جوهر الخلافات لا يزال قائماً خصوصاً تايوان والتباينات الاقتصادية المرتبطة بميزان التجارة، وهي ملفات لا تمتلك الأطراف حلولاً جاهزة لها ما يجعل تحقيق تحول جذري في المواقف أمراً بالغ الصعوبة، طالما أن هذه القضايا تبقى كامنة تحت السطح وتطفو بين الحين والآخر لتعطّل أي تقارب.

ويقول شيل إنه لفت انتباهه أن تصريحات ترامب بشأن تايوان بدت أقرب إلى فهم الغموض الاستراتيجي الذي تنتهجه واشنطن في صياغة موقفها من الجزيرة وهو نهج يقوم على عدم الحسم المعلن، ويشير إلى أن الرئيس السابق جو بايدن واجه صعوبة في الالتزام بهذا الغموض إذ كان أكثر وضوحاً في الحديث عن التزام أميركا بالدفاع عن تايوان في حال تعرضها لهجوم صيني، بينما بدا ترامب – في المقابل – أكثر قدرة على تبني الصياغة التقليدية الحذرة.
وخلال الزيارة التزم ترامب إلى حد كبير بالنص المعدّ مسبقاً ولم يخرج كثيراً عن مساره المعتاد في الخطابات العفوية، لكنه أضاف بعض الزخرفة الخطابية بما في ذلك في مأدبة العشاء التي أقيمت في قاعة الشعب الكبرى، حيث قرأ خطابه فعلياً وتحدث عن استمرار العلاقات الأميركية-الصينية والرصيد التاريخي من الصداقة بين البلدين وهي عبارات لا يُعرف عنه عادة صياغتها بنفسه. ويضيف شيل أن الإدارة الأميركية قررت عدم الدخول في مواجهة سياسية كبيرة داخل الكونغرس أو داخل الولايات المتحدة، وبالتالي فهي لا تستجيب فوراً أو علناً لمطالب شي جين بينغ بإعادة صياغة جذرية للعلاقة، رغم أن ما يُقال خلف الأبواب المغلقة يبقى غير واضح. كما يشير إلى وجود جهد منسّق من مختلف الأطراف علناً وخلف الكواليس، لضمان عدم قيام ترامب بأي خطوات قد تُربك المسار، ومن اللافت بحسبه أن وزير الخزانة سكوت بيسنت تولّى دوراً محورياً في ترتيب هذه الزيارة.
ولم تشهد القمة كما يوضح أي إعادة توازن جوهرية في العلاقات الاقتصادية لكن جرى التركيز إعلامياً على صفقات محتملة لشراء فول الصويا والمنتجات الزراعية وطائرات بوينغ، وهو خطاب أعاد إلى الأذهان – بحسب شيل – نبرة قديمة عن إمكانات السوق الصينية تعود إلى أربعينيات القرن الماضي قبل الثورة، أو إلى تسعينيات القرن العشرين بما يعكس عودة رمزية إلى حقب سابقة من التفاؤل التجاري. ويضيف أن ترامب اصطحب معه مجموعة من كبار المسؤولين التنفيذيين في شركات التكنولوجيا والمال فيما يشبه فريق دعم اقتصادي من بينهم الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا جينسن هوانغ الذي تم استدعاؤه بشكل عاجل وسافر بطائرته الخاصة للانضمام إلى الوفد على متن الطائرة الرئاسية، وقد رحّب الجانب الصيني بهذا الحضور ما منح ترامب – وفق شيل – إحساساً بأنه ليس معزولاً في القمة بل مدعوم بشبكة من الفاعلين الاقتصاديين.
هل يبالغ شي في الثقة؟
وعند سؤاله عن تقييمه لثقة القيادة الصينية، يرى شيل أن العالم يشهد صعود مجموعة من القادة الذين يتشاركون ميلاً واضحاً نحو التصورات العظمى لإعادة إحياء مجد بلدانهم، ويضع في هذا السياق كلاً من ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الصيني شي جين بينغ وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، وحتى القيادات الإيرانية قبل الضربات الأخيرة. ويضيف أن هذا الاتجاه يقوم على طموحات إعادة العظمة واستعادة النفوذ التاريخي سواء في روسيا أو الصين، بما يشمل إعادة ترسيم النفوذ في مناطق مثل التبت ومنشوريا ومنغوليا وهونغ كونغ وتايوان وبحر الصين الجنوبي، إضافة إلى الرغبة في استعادة مكانة القوة العظمى بما يمنحها حق ممارسة النفوذ وربما حتى الضغط السياسي على الآخرين كما تفعل القوى الكبرى عادة. ويطرح شيل هنا أسئلة مفتوحة ماذا تريد الصين فعلياً؟ هل تسعى إلى هيمنة عالمية؟ هل يمكن أن تتعاون مجدداً مع الولايات المتحدة؟ وكيف ستتعامل مع أوروبا؟ وما هي رؤيتها لنظام عالمي جديد؟
الزعيم الصيني السابق ماو تسي تونغ قال في إحدى المرات لمسؤولين أميركيين بشأن تايوان “لا بأس إذا لم نحل هذه القضية خلال 100 عام”
ماذا بعد نقطة التحول؟
وفيما يتعلق بما إذا كانت القمة تمثل نقطة انعطاف، يرى شيل أن الوصول إلى مرحلة جديدة يتطلب تقديم تنازلات حقيقية من الطرفين، وهو ما لا يبدو واقعياً في الوقت الراهن. فهو يعتقد أن شي جين بينغ غير مستعد لتقديم تنازلات كبرى إذ يعتبرها علامة ضعف سياسي، كما يشير إلى أن أي تسوية في ملفات مثل بحر الصين الجنوبي تتطلب إعادة صياغة شاملة للمطالب الصينية المتضخمة، ويستحضر شيل مواقف تاريخية مشيراً إلى أن الزعيم الصيني السابق ماو تسي تونغ قال في إحدى المرات لمسؤولين أميركيين بشأن تايوان “لا بأس إذا لم نحل هذه القضية خلال مئة عام” في إشارة إلى إمكانية تأجيلها لصالح التعاون في مجالات أخرى. كما يستذكر موقف الزعيم الصيني السابق دنغ شياو بينغ عام 1979، حين قال أثناء زيارته إلى اليابان في طريقه إلى واشنطن “دعونا نترك هذه المسألة للأجيال الأكثر حكمة لحلها”. لكن شيل يرى أن القيادة الحالية في بكين لا تستطيع تبنّي هذا النهج، لأن ذلك سيُفسَّر داخلياً كضعف سياسي في وقت تؤكد فيه بكين أن تايوان جزء لا يتجزأ من الصين، وأن مسألة استعادتها – سلمياً أو بوسائل أخرى – تظل هدفاً استراتيجياً ثابتاً.
يقول شيل إنه قد يفاجئنا شي جين بينغ لكنه لا يبدو أنه يمتلك ذلك الجين السياسي الذي يقوم على مبدأ تقديم تنازل صغير مقابل الحصول على مكسب أكبر وهو جوهر الدبلوماسية، ويضيف أن ترامب بدوره ليس بارعاً في هذا النمط من التوازن التفاوضي، أما جو بايدن فبحسبه كان يمكن أن يتبنى هذا النهج لكن في اللحظة التي كانت فيها الصين في صعود متسارع – اقتصادياً وسياسياً ونفوذاً على المستويين الداخلي والخارجي – لم يكن الطرف الصيني مستعداً أصلاً لفكرة خذ وهات في العلاقات أي ما الذي يمكن أن نقدمه مقابل ما نحصل عليه.
ويشير إلى أن اللافت اليوم هو أن الصين باتت أكثر تقبلاً لفكرة وضع حواجز تنظيمية أو قواعد تضبط المنافسة بين القوتين أي الاعتراف بأن العلاقة ستكون تنافسية بطبيعتها لكن يجب احتواؤها ضمن حدود تمنع الانفجار، ويقول إن هذا تحول مهم إذ كان الخطاب الصيني في السابق يرفض حتى مصطلح «المنافسة»، خشية أن يمنح الولايات المتحدة مبرراً لمزيد من الضغط، ويرى أن هذا التغيير لم يبدأ مع هذه الزيارة لكنه تأكد وتعزز خلالها. ويضيف أن هناك اليوم قدراً أكبر من التسامح داخل الصين تجاه فكرة المنافسة لكن ما لم يتغير هو جوهر السياسة الصناعية الصينية أو ما يمكن تسميته بـ”تسليح سلاسل الإمداد”، ويؤكد أن الصين – مستفيدة من دروس الغرب نفسه – تعمل على بناء استقلالية قصوى عن نقاط الاختناق القادمة من أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا وكندا واليابان وفي الوقت ذاته تسعى إلى خلق اعتماد متبادل غير متكافئ يجعل الآخرين أكثر ارتباطاً بها، لأن هذا الاعتماد يتحول إلى أداة ضغط استراتيجية. ومن هذا المنطلق يوضح أن بكين رحبت بوجود رجال الأعمال الأميركيين في هذه الزيارة إذ إن عودتهم إلى السوق الصينية تعني – من منظور صيني – تعميق مستويات الاعتماد الاقتصادي، وهو ما يمنح الصين نفوذاً إضافياً، فبمجرد أن تصبح الشركات مربوطة بالربح داخل الصين تصبح أكثر عرضة للتأثر بقراراتها، وهو ما يعتبره شيل جزءاً من استراتيجية محسوبة بإحكام من جانب شي جين بينغ.
الصين والروح الإنسانية ومحدودية المجال الثقافي
وينتقل شيل إلى سؤال أوسع يتعلق بمكانة الروح الإنسانية في صعود الصين وهو موضوع كتب عنه كثيراً، ويشير إلى أنه كان متشككاً دائماً في قدرة الحزب الشيوعي الصيني على توفير مساحة حقيقية لازدهار هذا البعد الإنساني بالشكل الذي يسمح باستمرار التطور العميق للمجتمع. ويستعيد شيل صورة الصين في الثمانينيات والتسعينيات وبدايات الألفية، حين كانت البلاد تشهد حيوية لافتة ليس فقط اقتصادياً وتقنياً بل أيضاً على المستوى الثقافي والفكري، فقد كان هناك نشاط واسع في مجالات النشر والموسيقى والفن والفلسفة والأكاديميا ومراكز الأبحاث مع مساحة ملحوظة للتفكير المستقل، وهو ما أتاح – بحسبه – بيئة حقيقية لازدهار (النزعة الإنسانية)، لكنه يذكّر بأن الخطاب الماركسي-اللينيني كان ينظر إلى هذه القيم بوصفها تلوثاً روحياً، لأنها قيم كونية لا تتماشى مع فكرة الخصوصية الأيديولوجية وأن الصين حتى اليوم لا تتبنى بشكل كامل فكرة القيم العالمية مثل حقوق الإنسان.
ويقول إن البعد الإنساني هو تحديداً ما يفتقده مشروع شي جين بينغ، وهو ما يراه مأساة بالنظر إلى التاريخ الثقافي الغني للصين في الفلسفة والدين والفنون والموسيقى وغيرها، ويضيف أن هذا البعد تم تجريده تدريجياً من تعريف القوة الصينية. وفي المقابل يشير إلى أن هذا النمط “التجاري-التبادلي” لا يقتصر على الصين بل يظهر أيضاً في الولايات المتحدة في عهد ترامب، حيث يميل الطرفان إلى التركيز على الصفقات والتجارة والمال وتخفيف التوترات بما يسمح باستمرار التبادل الاقتصادي من دون اهتمام كبير بالأبعاد الإنسانية أو القيمية الأوسع.
* A Conversation with Orville Schell, What the Trump-Xi Summit Won’t Solve, Foreign Affairs, May 15, 2026.



