الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

كيف فقد الكونغرس قدرته على منع الحروب الرئاسية ضد إيران؟

نصف قرن من التجاذبات السياسية والفوضى الدستورية قلبَ توازنات النظام الأميركي رأساً على عقب، ولم يعد إصلاح الخلل أمراً سهلاً

بقلم: راشيل أوزوالد

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تتزايد كلفة الحرب التي يشنّها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضد إيران، كما تتراجع شعبيتها داخل الولايات المتحدة على نحو ملحوظ، ومع ذلك يؤكد خبراء أنها حرب غير مُصرّح بها دستورياً وتفتقر إلى السند القانوني، لكن السؤال المركزي يبقى:

 

لماذا يبدو أن الكونغرس غير قادر على وقف الحرب على إيران؟

 

الإجابة أعقد بكثير مما قد يبدو للوهلة الأول، فالأمر لا يتعلّق بمجرد امتلاك أغلبية في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ إذ يظل الرئيس محتفظاً بحق النقض (الفيتو)، كما أن سلطة “التحكم في الموازنة” التي يمتلكها الكونغرس لا تتحول بالضرورة إلى قدرة فورية على إنهاء العمليات العسكرية، أما القضاء فهو مقيد بسوابق قانونية وبغياب مسار قضائي واضح يتيح له التدخل المباشر. والنتيجة أن عقوداً من الاستقطاب السياسي الحاد وتوسع صلاحيات السلطة التنفيذية والأحكام القضائية المتراكمة إلى جانب تراجع إرادة المشرّعين، أدت جميعها إلى وصول الولايات المتحدة إلى لحظة يستطيع فيها الكونغرس إشعال الحروب، لكنه يعجز عملياً عن إنهائها.

يقول أستاذ القانون الدستوري والقانون الدولي في جامعة تافتس مايكل غلينون “إنه تعليق مأساوي على خلل النظام السياسي الأميركي أن حرباً بهذا القدر من عدم الشعبية يمكن أن تستمر من دون أي وسيلة عملية لإيقافها”، ويضيف أن هذه النتيجة تمثل بالضبط ما كان الآباء المؤسسون للولايات المتحدة يسعون إلى تجنبه، تبدأ أي مقاربة قانونية لهذا الإشكال بسؤال جوهري هل الولايات المتحدة في حالة حرب من الأساس؟

ينص “قرار صلاحيات الحرب” الصادر عام 1973 على أن الرئيس ملزم بوقف العمليات العسكرية غير المصرح بها إذا لم يحصل على تفويض من الكونغرس خلال 60 يوماً، وقد تجاوزت إدارة ترامب هذا السقف الزمني في الأول من أيار، غير أن الإدارة الأميركية تجادل بأن وقف إطلاق النار في 8 نيسان قد جمّد العدّاد الزمني وأن الأعمال العدائية ضد إيران انتهت.

 

 

لكن غلينون يرفض هذا التفسير بشكل قاطع قائلاً إن هذا الادعاء “غير قابل للدفاع قانونياً وواقعياً”، مضيفاً أن نص القرار لا يتضمن أي أساس يسمح بتجميد المهلة الزمنية، وأن هذا التبرير يقترب من أن يكون غير جدي قانونياً. ولم يقدّم الكونغرس تعريفاً دقيقاً لمفهوم “الأعمال العدائية” في القرار، إلا أن تحليل خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في كانون الاول 2025 يشير إلى تقرير لمجلس النواب عام 1973 يوضح أن المصطلح لا يقتصر على القتال الفعلي، بل يشمل أيضاً “حالة مواجهة يوجد فيها خطر واضح وقائم لاندلاع صراع مسلح حتى في غياب تبادل إطلاق النار”.

ويقول المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية الأميركية في إدارة جورج دبليو بوش جون بيلنجر “يمكن للرئيس أن يدّعي أن السماء خضراء لكن الحقيقة أن هناك أعمالاً عدائية قائمة تُفعّل مهلة الستين يوماً”، أما وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو فقد صرّح في روما الأسبوع الماضي قائلاً “إذا أطلقت طائرة مسيّرة أو صاروخ على مدمّرتنا ماذا يُفترض بنا أن نفعل؟ أن نتركه يصيبها؟ بالطبع نرد، لقد أطلقوا النار علينا وهذا ما نفعله، الدول غير العقلانية فقط لا ترد عندما تتعرض للهجوم ونحن لسنا دولة غير عقلانية”. وفي الوقت الذي تحاول فيه إدارة ترامب التمسك بحجة أن مهلة الستين يوماً لم تنقضِ بعد، يعيد الرئيس ووزير خارجيته إحياء حجج قديمة للسلطة التنفيذية مفادها أنها غير مُلزَمة قانونياً بهذه القيود أصلاً. وقال ترامب إن مهلة الستين يوماً المنصوص عليها في قرار صلاحيات الحرب لعام 1973 غير دستورية تماماً، بينما صرّح روبيو للصحافة الأسبوع الماضي بأن الإدارة لا تلتزم إلا بـبعض عناصرها فقط، بهدف الحفاظ على علاقات جيدة مع الكونغرس.

كان واضعو الدستور الأميركي يرون في سلطة التحكم بالموازنة أداة أساسية لكبح جماح الرئيس المتعجل لخوض الحروب، فمن الناحية النظرية لا يمكن للولايات المتحدة أن تخوض حرباً إذا لم يخصص المشرّعون التمويل العسكري اللازم لها، لكن مع تحوّل الجيش الأميركي من قوة صغيرة في أوائل القرن التاسع عشر إلى أقوى آلة عسكرية في العالم اليوم تضخّم حجم ميزانيته وقدرته على مواصلة العمليات لفترات طويلة من دون الحاجة إلى اعتمادات إضافية من الكونغرس، وعندما قرر ترامب شن هجوم على إيران في أواخر شباط كان يتحرك ضمن احتياطي مالي وعسكري واسع بالفعل. وقد بلغ الإنفاق الدفاعي الأميركي في موازنة عام 2026 مستوى قياسياً تجاوز تريليون دولار بما في ذلك 153 مليار دولار إضافية أقرّها الجمهوريون ضمن حزمة الموازنة والسياسات، كما تتمتع (وزارة الدفاع الأميركية) بهامش مرونة يسمح بإعادة توزيع جزء من ميزانيتها لتغطية احتياجات الحرب مع إيران وهو ما يدفع بعض الديمقراطيين إلى المطالبة باستخدام هذه الأموال قبل النظر في أي طلب تمويل إضافي، لكن رغم أن البيت الأبيض لم يتقدم رسمياً بمثل هذا الطلب فقد دعا ترامب إلى ميزانية دفاعية هائلة تصل إلى 1.5 تريليون دولار في العام المقبل. يمكن للديمقراطيين محاولة إدراج تعديلات على مشاريع قوانين الإنفاق الدفاعي لمنع استخدام الأموال في أي عمليات عسكرية هجومية جديدة في الحرب مع إيران، وقد استخدمت هذه الاستراتيجية بنجاح من قبل الديمقراطيين والجمهوريين في سبعينيات القرن الماضي لإنهاء القتال في جنوب شرق آسيا عقب توقيع اتفاقيات باريس للسلام.

 

Michael Glennon

يقول أستاذ القانون الدستوري والدولي في جامعة تافتس مايكل غلينون “الخيار الآخر لا يتمثل في الحظر المباشر بل في إلحاق تعديل يمنع استخدام أي أموال في استمرار العمليات القتالية أو الأعمال العدائية كما فعل الكونغرس لإنهاء حرب فيتنام”، لكنه يضيف أن المشكلة تكمن في احتمال أن يستخدم الرئيس حق النقض ضد ذلك، ما يعيد الأزمة إلى نقطة البداية ويجعل تجاوز الفيتو يتطلب أغلبية الثلثين. ولهذا السبب غالباً ما يُستشهد بتجربة سبعينيات القرن الماضي، ففي تلك الفترة لم يكتفِ الكونغرس الإصلاحي بإقرار “قرار صلاحيات الحرب” عام 1973 بل نجح أيضاً في جمع أغلبية الثلثين لتجاوز فيتو الرئيس (ريتشارد نيكسون)، وكان ذلك انعكاساً لإجماع شعبي واسع ضد حرب فيتنام وفي الوقت نفسه لفترة سياسية كان فيها تجاوز الانقسام الحزبي أسهل نسبياً.

تاريخياً جادل رؤساء من الحزبين بأن فرض مهلة الستين يوماً يقيّد صلاحيات الرئيس الدستورية في الدفاع عن المصالح القومية، ومع ذلك لم تصدر المحكمة العليا الأميركية حكماً ضد هذه المهلة، كما أصدرت وزارة العدل مذكرات قانونية عامي 1980 و1993 أقرت فيها بشرعيتها. ويقول غلينون “إن تجاهل ترامب المتعمد لمهلة الستين يوماً واعتبارها غير دستورية تماماً، من دون حتى رأي قانوني من وزارة العدل، في حين أن هناك سوابق رسمية تؤكد العكس أمر استثنائي للغاية”، ويضيف أن هذه المهلة “ليست مجرد تفصيل قانوني قابل للنقاش”.

تقليدياً تميل المحاكم الفيدرالية إلى الامتناع عن التدخل في قضايا الأمن القومي وإحالة النزاعات إلى السلطة التنفيذية، ويرى بعض القانونيين مثل غلينون أن هذا التوجه مبالغ فيه ويشيرون إلى أن الآباء المؤسسين قصدوا منح الكونغرس دوراً محورياً في قرارات الحرب والسلم، وهو ما يتجلى في منحه سلطة إعلان الحرب حصرياً ومنح مجلس الشيوخ صلاحية المصادقة على المعاهدات. لكن المحكمة العليا الأميركية غالباً ما امتنعت عن لعب دور “الحَكَم” بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في قضايا السياسة الخارجية، وقد حدث ذلك عام 1978 عندما رفع مشرّعون دعوى ضد قرار الرئيس (جيمي كارتر) الانسحاب أحادياً من معاهدة دفاعية مع تايوان صادق عليها مجلس الشيوخ، واعتبرت المحكمة حينها أن الأمر نزاع سياسي ينبغي حله بين السلطتين وليس مسألة قضائية، وعندما فشل مجلس الشيوخ في تمرير قرار لوقف الانسحاب مضى قرار كارتر قدماً.

وبهذا المنطق القضائي يصبح من الصعب القول إن نجاح الكونغرس في سبعينيات القرن الماضي في تجاوز فيتو نيكسون كان مؤشراً كافياً على إمكانية فرض رقابة تشريعية فعالة ودائمة على قرارات الحرب والسلم، لكن في حكم منفصل صدر عام 1983، أبطلت المحكمة العليا أحد أهم آليات تنفيذ القانون في “قرار صلاحيات الحرب”، وهو ما يُعرف بـ”القرار التشريعي المتزامن” أو “حق النقض التشريعي”. وكان واضعو القانون يهدفون إلى تمكين الكونغرس من إنهاء العمليات العسكرية بأغلبية بسيطة في مجلسي النواب والشيوخ، إلا أن حكم المحكمة جعل هذا المسار غير دستوري، ما رفع سقف القرار فعلياً إلى مستوى سياسي أعلى بكثير: ضرورة الحصول على أغلبية الثلثين لتجاوز الفيتو الرئاسي.

والنتيجة كما يصفها القانونيون هي بنية تميل عملياً إلى ترجيح استمرار الحرب على إنهائها، فبينما يستطيع الكونغرس إعلان الحرب بأغلبية بسيطة فإنه يحتاج إلى أغلبية شبه مستحيلة (ثلثي الأعضاء) لإنهائها، كما يمكنه تفويض استخدام القوة العسكرية (تفويض استخدام القوة العسكرية) بأغلبية بسيطة أيضاً.

 

 

ولا تزال العديد من هذه التفويضات سارية رغم انتهاء الحروب التي أُقرت من أجلها، ففي كانون الاول الماضي فقط ألغى الكونغرس أخيراً تفويضات حرب الخليج وغزو العراق الصادرة عامي 1991 و2002، ومع ذلك يمكن للرئيس شن عمليات عسكرية غير مُصرّح بها لمدة تصل إلى 60 يوماً كما حدث في قصف ليبيا عام 2011 أو في الحرب الحالية ضد إيران، ثم مواصلة العمليات عبر تفسيرات قانونية مرنة تدّعي أن المهلة لم تنتهِ بعد. ويخلص غلينون إلى أن هذا كله يمثل “انقلاباً فعلياً على التصميم الدستوري الأصلي”، معتبراً أن الحرب مع إيران تكشف بوضوح الحاجة إلى إعادة النظر في حكم المحكمة العليا الصادر عام 1983، والذي ألغى فعالية القرارات التشريعية المتزامنة كأداة لكبح السلطة التنفيذية.

لا تزال المنظومة القضائية تُعدّ الأمل الأخير لخصوم الحرب، غير أن فرص النجاح أمامها تبدو محدودة للغاية، فقد اصطدمت دعاوى سابقة طعنت في شرعية العمليات العسكرية الأميركية غير المصرح بها بعقبات إجرائية داخل القضاء، خصوصاً ما يتعلق بـ”الأهلية القانونية” للمدّعين في رفع هذه القضايا.

ففي تشرين الثاني 2016 رفضت محكمة اتحادية دعوى أقامها نقيب في الجيش الأميركي كان قد دفع بأن الضربات الجوية ضد تنظيم (د1عش) غير قانونية لأنها استمرت بعد تجاوز مهلة الستين يوماً من دون تفويض جديد من الكونغرس، إلا أن القاضي اعتبر أن المدّعي لم يثبت وجود ضرر فعلي ملموس وأن القضية برمتها تندرج ضمن مسائل سياسية غير قابلة للمراجعة القضائية، وبالتالي فهي خارج نطاق اختصاص المحاكم. ويقول المستشار القانوني السابق لوزارة الخارجية الأميركية جون بيلنجر “هذه هي النوعية من القضايا التي تتجنبها المحاكم عادة”، ويضيف “إن احتمال أن تقرر محكمة أن الرئيس انتهك المادة الأولى من الدستور بسبب استمرار الحرب يكاد يكون معدوماً”.

وفي موازاة ذلك يستمر الجدل داخل الكونغرس بشأن صلاحيات الحرب، مع تصويتات جديدة في مجلس الشيوخ هذا الأسبوع على قرار مشترك يقدّمه الديمقراطيون بهدف إنهاء الحرب في إيران. ورغم أن الطابع الإجرائي لهذه النقاشات يبدو معقداً أو حتى بلا أثر مباشر، يشير أستاذ القانون الدستوري مايكل غلينون إلى أن هذا السجال يمثل في حقيقته امتداداً لمسار تاريخي طويل يعود إلى عام 1215 عندما وُقّعت وثيقة “الماجنا كارتا” على يد الملك جون في إنجلترا، والتي أرست مبدأً أساسياً مفاده أن الحاكم ليس فوق القانون.

ويقول غلينون “إنها خلاصة 800 عام من الصراع بين البرلمانات والكونغرسات والرؤساء والملوك لنقل السلطة من يد الحاكم الفرد إلى المؤسسات التمثيلية المنتخبة، هذا هو جوهر المسألة، وبالتالي فنحن أمام قضية دستورية كبرى بالفعل”.

 

* By Rachel Oswald, Why Congress Can’t Stop Trump’s Iran War, Foreign Policy, May 13, 2026.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى