الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

قمة بكين 2026.. هل يتشكّل المحور الروسي – الصيني في مواجهة النظام الغربي؟

بقلم: نور نبيه جميل

باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

مقدمة

جاءت قمة بكين بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ في 20 أيار 2026 في لحظة دولية تتسم بتسارع التحولات البنيوية في النظام الدولي، ولهذا لم تعد العلاقات الروسية-الصينية تُقرأ ضمن السياق التقليدي للعلاقات الثنائية بين قوتين دوليتين، انما أصبحت تمثل مؤشراً على التحولات العميقة التي تشهدها بنية النظام الدولي منذ اندلاع الحرب الأوكرانية وتصاعد التنافس الأمريكي-الصيني، ثم تصاعد الحروب في “الشرق الأوسط” عام 2026 وما رافقها من اضطراب في أسواق الطاقة وتهديد خطوط الملاحة العالمية، ولا سيما في الخليج العربي ومضيق هرمز. وفي هذا السياق جاءت قمة بكين بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ لتكشف عن محاولة متقدمة لإعادة صياغة معادلات القوة الدولية في مواجهة حالة السيولة الاستراتيجية التي يعيشها العالم.

فاللقاء لم يكن مجرد تأكيد على الشراكة الاستراتيجية ولكنه حمل أبعاداً تتصل مباشرة بإدارة تداعيات الحرب في “الشرق الأوسط”، وتأمين مسارات الطاقة، وتقليص الاعتماد على المنظومة الغربية، فضلاً عن تنسيق المواقف تجاه السياسات الأمريكية في آسيا وأوروبا و”الشرق الأوسط”. كما أن تزامن القمة مع تصاعد المواجهة الإيرانية-الصهيوامريكية منحها بعداً إضافياً يتعلق بمستقبل التوازنات الإقليمية، وحدود الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا والصين في حماية حلفائهما دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الغرب.

ومن هنا، فإن السؤال المركزي لا يتعلق فقط بمدى قوة العلاقات الروسية-الصينية، بل بطبيعة المشروع الذي يتشكل خلف هذا التقارب: هل نحن أمام محور دولي صاعد قادر على إعادة النظر في النظام الدولي؟ أم أن العلاقة لا تزال محكومة بمنطق البراغماتية وتوازن المصالح المؤقتة؟ والأهم: كيف سينعكس هذا التقارب على ملفات الطاقة والأمن والصراع في “الشرق الأوسط”؟. وفق ماسبق ستقسم الورقة التحليلية على النحو الآتي:

 

أولاً: الحرب في “الشرق الأوسط” بوصفها ضرورة لإعادة التموضع الروسي-الصيني

أظهرت الحرب في “الشرق الأوسط” عام 2026 أن روسيا والصين باتتا تنظران إلى المنطقة باعتبارها ساحة مركزية في الصراع على شكل النظام الدولي، لا مجرد ملف إقليمي معزول. فالتصعيد الأمريكي-“الإسرائيلي” ضد الجمهورية الإسلاميةالإيرانية، وما رافقه من تهديدات بإغلاق مضيق هرمز واستهداف البنية النفطية خلق حالة قلق عميقة لدى الصين تحديداً باعتبارها أكبر مستورد للطاقة في العالم، بينما رأت روسيا في الأزمة فرصة لإعادة توظيف موقعها كمصدر طاقة استراتيجي وكفاعل قادر على استنزاف الغرب عبر تعدد الأزمات الدولية.

وفي هذا السياق، لم يكن الدعم الروسي-الصيني لإيران دعماً تقليدياً قائماً على الانخراط العسكري المباشر، بل اتخذ طابعاً رمادياً يقوم على المساندة الاستخبارية، والحماية السياسية والدبلوماسية، والدعم التقني غير المباشر، مع الحرص على تجنب حرب مفتوحة مع الولايات المتحدة  وهذا يعكس طبيعة التفكير الاستراتيجي لدى الطرفين، فكل من روسيا والصين  يدرك أن استنزاف واشنطن عبر الأزمات الإقليمية أكثر فاعلية من الدخول في مواجهة كبرى غير مضمونة النتائج.

لكن ما يلفت الانتباه أن الحرب كشفت أيضاً حدود هذا المحور. فالصين، رغم قربها من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بقيت حذرة في تقديم دعم مباشر قد يهدد مصالحها التجارية العالمية أو يعرّض خطوط إمدادها للخطر، بينما بدت روسيا غير قادرة على الانخراط العميق بسبب استنزافها في أوكرانيا. وهذا يعني أن العلاقة الثلاثية بين موسكو وبكين وطهران لا تزال محكومة بمنطق حذر ليس مبنياً كليا على اساس المصالح ولا بمنطق التحالف العقائدي الصلب.

ومع ذلك، فإن الحرب في “الشرق الأوسط” دفعت روسيا والصين إلى تسريع التنسيق بينهما، لأن الطرفين باتا يدركان أن أي انهيار أمني واسع في الخليج سيؤثر مباشرة على الاقتصاد العالمي وعلى مشاريع الصين التجارية الكبرى، كما أنه قد يمنح الولايات المتحدة فرصة لإعادة ترميم قيادتها للنظام الدولي عبر توظيف الفوضى الأمنية والطاقة كسلاح جيوسياسي.

 

ثانياً: ملف الطاقة بوصفه العمود الفقري للتقارب الروسي-الصيني

يكشف مسار العلاقات الروسية-الصينية أن الطاقة لم تعد مجرد ملف اقتصادي، بل تحولت إلى أداة استراتيجية لإعادة توزيع النفوذ العالمي. فبعد العقوبات الغربية على موسكو، أصبحت الصين السوق الأكثر أهمية للنفط والغاز الروسي، بينما باتت روسيا بالنسبة لبكين مصدراً آمناً للطاقة بعيداً عن الهيمنة البحرية الأمريكية. ولهذا اكتسبت قمة بكين أهمية استثنائية في ظل اضطراب أسواق النفط بسبب الحرب في “الشرق الأوسط”.

 

شروع "قوة سيبيريا 2" (Power of Siberia 2) هو خط أنابيب غاز طبيعي مقترح، تعتزم روسيا من خلاله نقل 50 مليار متر مكعب سنوياً من حقول الغاز في القطب الشمالي إلى الصين مروراً بمنغوليا،
شروع “قوة سيبيريا 2” (Power of Siberia 2) هو خط أنابيب غاز طبيعي مقترح، تعتزم روسيا من خلاله نقل 50 مليار متر مكعب سنوياً من حقول الغاز في القطب الشمالي إلى الصين مروراً بمنغوليا،

غير أن الملف الطاقوي يحمل في داخله أبعاداً أعقد من مجرد تبادل تجاري، فالصين تسعى إلى بناء أمن طاقوي طويل الأمد يمنحها قدرة أكبر على الصمود في أي مواجهة مستقبلية مع الولايات المتحدة، بينما تسعى روسيا إلى تعويض خسارتها للسوق الأوروبية عبر الاندماج العميق مع الاقتصاد الآسيوي. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الروسي على مشروع (قوة سيبيريا-2) الذي يمثل بالنسبة لموسكو مشروعاً استراتيجياً لإعادة توجيه مركز ثقل صادراتها شرقاً. إلا أن تعثر الاتفاق النهائي حول المشروع يكشف في الوقت ذاته عن وجود حسابات صينية حذرة تجاه زيادة الاعتماد على الطاقة الروسية بصورة مفرطة.

كما أن الحرب مع إيران دفعت الصين إلى التفكير بمنطق أوسع يتعلق بأمن الممرات البحرية، وإمكانية بناء شبكات طاقة بديلة تقلل من هشاشة الاقتصاد الصيني أمام أي إغلاق محتمل لمضيق هرمز. ولهذا برزت خلال الأشهر الأخيرة محاولات لتعزيز استخدام اليوان في تجارة النفط، وتقوية الأنظمة المالية البديلة عن الدولار، وهو ما يعكس اتجاهاً صينياً-روسياً نحو “تحرير الطاقة” من الهيمنة الغربية تدريجياً.

لكن الإشكالية الجوهرية هنا أن موسكو وبكين، رغم تقاربهما، ليستا في موقع متكافئ. فالصين تتعامل مع روسيا بوصفها شريكاً مهماً، لكنها في الوقت ذاته تستثمر حالة العزلة الروسية للحصول على شروط أفضل في الطاقة والتجارة. وهذا قد يحول العلاقة مستقبلاً إلى علاقة غير متوازنة تميل فيها روسيا تدريجياً نحو موقع “المورّد الاستراتيجي” أكثر من كونها شريكاً متكافئاً.

 

ثالثًا: البعد الأمني والعسكري

تكشف قمة بكين أن العلاقات الروسية-الصينية دخلت مرحلة جديدة من التنسيق الأمني تهدف إلى خلق بيئة ردع مضادة للضغوط الغربية. فالتقارب العسكري بين الطرفين لم يعد يقتصر على المناورات المشتركة أو صفقات التسليح، بل أصبح مرتبطاً بإدارة الأزمات الدولية وتنسيق المواقف تجاه الملفات الحساسة مثل أوكرانيا وتايوان وإيران.

وفي ظل الحرب في “الشرق الأوسط”، برز إدراك مشترك لدى موسكو وبكين بأن الولايات المتحدة تحاول إعادة تكريس هيمنتها عبر السيطرة على الممرات البحرية ومصادر الطاقة وإدارة التحالفات الأمنية الإقليمية. ولذلك فإن روسيا والصين تعملان على بناء معادلة ردع غير متماثلة تقوم على تشتيت الجهد الأمريكي بين أكثر من ساحة جغرافية في وقت واحد.

إلا أن هذا التنسيق لا يعني وجود تحالف عسكري كامل بالمعنى التقليدي، فالصين لا تزال تتجنب الدخول في التزامات أمنية مباشرة، وتفضّل إدارة الصراع عبر أدوات الاقتصاد والتكنولوجيا والردع غير المباشر، بينما تعتمد روسيا بصورة أكبر على الأدوات العسكرية الصلبة. وهذه الفجوة في الرؤية الاستراتيجية قد تتحول مستقبلاً إلى أحد أهم محددات العلاقة بين الطرفين.

 

كما أن الملف الإيراني يشكل اختباراً حقيقياً لهذا التقارب، فإذا تعرضت إيران مستقبلاً لضربة تؤدي إلى تهديد استقرار النظام فيها، فإن موسكو وبكين ستواجهان معضلة صعبة: هل تكتفيان بالدعم السياسي والاقتصادي، أم تنتقلان إلى مستوى أعلى من الانخراط الأمني؟ وهنا تظهر حدود المحور الروسي-الصيني، لأن الطرفين يدركان أن أي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة قد تؤدي إلى كلفة استراتيجية واقتصادية في وقت غير مناسب.

 

آفاق العلاقة الروسية-الصينية: إلى أين تتجه؟

تشير المعطيات الحالية إلى أن العلاقة الروسية-الصينية تتجه نحو تعميق التنسيق الاستراتيجي، لكن ضمن صيغة الشراكة المرنة لا التحالف الصلب فالحرب في “الشرق الأوسط”، والأزمة الأوكرانية، والتنافس مع واشنطن، كلها عوامل تدفع الطرفين نحو مزيد من التقارب، خاصة في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والأنظمة المالية البديلة والتنسيق الأمني.

وفي حال استمرت الضغوط الغربية على الطرفين، فمن المرجح أن نشهد انتقال العلاقة إلى مستوى أعلى من التكامل الاقتصادي والأمني، وربما توسعاً في مشاريع الطاقة العابرة للقارات، وزيادة استخدام العملات المحلية في التجارة، فضلاً عن تعزيز شبكات الردع المشتركة في آسيا و”الشرق الأوسط”. وهذا السيناريو قد يؤدي إلى تشكل كتلة أوراسية أكثر تماسكا قادرة على إضعاف الهيمنة الغربية تدريجياً.

أما إذا شهدت العلاقات الأمريكية-الصينية نوعاً من التهدئة، أو إذا تراجعت الحرب في “الشرق الأوسط”، فقد تميل بكين إلى إعادة ضبط علاقتها مع موسكو ضمن حدود أكثر براغماتية، خاصة أن الصين لا ترغب في التضحية بعلاقاتها الاقتصادية مع الغرب من أجل روسيا.

وفي المقابل، يبقى أخطر الاحتمالات هو أن يتحول “الشرق الأوسط” إلى ساحة اشتباك غير مباشر بين القوى الكبرى، بحيث تستخدم موسكو وبكين ملفات كالطاقة وأمن الممرات البحرية كأدوات لاستنزاف الولايات المتحدة، بينما تحاول واشنطن منع تشكل كتلة دولية منافسة. وعندها ستصبح المنطقة جزءاً من صراع دولي طويل الأمد يتجاوز حدودها الجغرافية التقليدية.

 

خاتمة

تكشف قمة بكين 2026 أن العالم يتجه نحو مرحلة انتقالية تتراجع فيها قواعد الأحادية القطبية لصالح توازنات أكثر تعقيداً وسيولة. فالتقارب الروسي-الصيني لم يعد مجرد شراكة ظرفية، بل أصبح يمثل أحد أهم مظاهر إعادة تشكيل النظام الدولي في ظل تصاعد الأزمات العالمية والحروب الإقليمية وأزمات الطاقة.

ومع ذلك، فإن الحديث عن محور روسي-صيني متماسك وقادر على قيادة نظام دولي بديل بصورة كاملة لا يزال سابقاً لأوانه، لأن العلاقة بين الطرفين تحكمها أيضاً حسابات القوة والمصلحة والتفاوت البنيوي. فالصين لا تريد مواجهة شاملة مع الغرب، وروسيا تدرك حدود قدرتها على فرض معادلات دولية جديدة منفردة.

لكن الثابت استراتيجياً أن قمة بكين عكست حقيقة جوهرية مفادها أن “الشرق الأوسط” والطاقة والحرب مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تعد ملفات إقليمية منفصلة، بل أصبحت جزءاً من الصراع على قيادة النظام الدولي ذاته، وأن موسكو وبكين تسعيان إلى توظيف هذه التحولات لبناء توازن عالمي يقلّص من التفوق الغربي ويعيد توزيع القوة على نطاق دولي أوسع.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى