الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

توظيف الذكاء الاصطناعي في إطار الدبلوماسية الحديثة

بقلم: أ. د. سعد عبيد السعيدي

مدير مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

لم يعد هناك شك في ان العلاقات بين ادوات الذكاء الاصطناعي والدبلوماسية هي علاقات تبادلية وظيفية وديناميكية بعد ان أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تغيير أدوات ممارسة الدبلوماسية بين الدول، سواءً على مستوى المفاوضات الدولية أو على مستوى الدبلوماسية الرسمية والشعبية. فعلى مستوى عملية إدارة المفاوضات الدولية، فإن الذكاء الاصطناعي يمكنه القيام بعدة مهام.

 

الذكاء الاصطناعي موضوعا للدبلوماسية

تعمل الدبلوماسية على خدمة نشاط الذكاء الاصطناعي والدخول بسجالات دبلوماسية من اجل تحقيق مكاسب وحمايتها وعقد شراكات او غيرها في هذا المجال، لكن هل يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتحقيق أهداف سياسية داخلية وخارجية؟ او بالأحرى هل يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي في مجال دعم الدبلوماسية او في مجال تحول الدبلوماسية الى تطبيقات ذكية أكثر من كونها اطر تقليدية صارمة؟ للإجابة على هذا السؤال يجب العودة لشواهد المتغيرات التي أحدثتها ثورة التقنيات في الاتصالات والبرمجيات والتطبيقات الإلكترونية، ورقمنه الإجراءات الحكومية ووصول رسائل قمة الهرم الحكومي للجمهور بكل سلاسة ويسر والعكس صحيح، وأثر ذلك في أداء الحكومات وإدخال الخدمات الإلكترونية في كل مناحي الحياة، وهو ما عزّز قدرة الحكومات في الاستجابة لاحتياجات مواطنيها والتعامل مع نظرائها من الحكومات وتفعيل دبلوماسية التواصل المرئي عن بُعد، وتحول الدول- غير الديمقراطية- لممارسات التشاركية الوطنية الإلكترونية، والتي ستعكس نظمها ثقافة وطموحات وتطلعات ومصالح ما يخدم تلك الشعوب، والتي قد تكون البديل القادم للديمقراطية التقليدية التي لا تتضمن ممارساتها الاعتبارات المهمة للفوارق الثقافية، وعادات وتقاليد وأساليب عيش الشعوب المختلفة، أي أنها لا تلامس أبعاد الحساسية الثقافية للمجتمعات المختلفة، ولا تعكس سوى قيم أحادية لا يمكن تعميمها كما هي على كافة المجتمعات الإنسانية، وخاصةً بعد أن أصبح الذكاء الاصطناعي سلاحاً للتزييف وخفّض مصداقية أوجه الديمقراطية لمستويات غير مسبوقة.
ولكن ما هو الذكاء الاصطناعي؟ الذكاء الاصطناعي هو التكنولوجيا التي تمكّن أجهزة الكمبيوتر والآلات من محاكاة الذكاء البشري وقدراته في حل المشكلات، ويمكن للذكاء الاصطناعي بمفرده أو بالاشتراك مع تقنيات أخرى مثل: أجهزة الاستشعار وتحديد الموقع الجغرافي والروبوتات، أداء المهام التي قد تتطلب ذكاءً أو تدخلاً بشرياً، وصولاً إلى معالجة اللغة الطبيعية (NLP)، والذي مكّن الذكاء الاصطناعي التوليدي أن يتعلم ويركّب ليس فقط اللغة البشرية، بل أنواع البيانات الأخرى، بما في ذلك

الصور والفيديو ورموز البرامج وحتى الهياكل الجزيئية. إذاً، فإن إمكانية اتخاذ قرارات سياسية من قبل رؤساء الدول والحكومات مبنية كلياً على مقترحات الذكاء الاصطناعي هو أمر مثير للجدل، حيث إن حتى القرار الأكثر عقلانيةً من وجهة نظر الخوارزمية قد يكون خالياً من الأسباب الأخلاقية، أو يتعارض مع الشعارات السياسية للقادة، أو يتعارض مع أهداف الحكومة أو أحكام القانون. ومن منطلق آخر وبمساعدة الذكاء الاصطناعي، يمكن فهم توجهات القيادات السياسية والعسكرية والأمنية، والاقتصادية والدينية الرسمية وغير الرسمية وتحسين التواصل مع الجهات المستهدفة في الداخل والخارج.

 

 

ومن المهم بمقدار استغلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي للكشف عن المعلومات الخاطئة والمضلّلة، وأدوات وسبل التلاعب بالرأي العام وتعرية تلك المحاولات المغرضة. أدوات الذكاء الاصطناعي يتم استخدامها بالفعل لإطلاق حملات التضليل الجماعي ونشر المحتوى المزيف أو حملات مضادة لها، وهو ما يقودنا إلى دمج الذكاء الاصطناعي في الدبلوماسية واعتماد الدبلوماسيين بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي لتنفيذ السياسة الخارجية، مع مجموعة من الخدمات والعمليات الروتينية التي تفتح آفاق الذكاء الاصطناعي وخاصةً في خدمات القنصليات والسفارات، حيث لا يقوم الذكاء الاصطناعي بأتمتة العمليات الروتينية فحسب، بل يمكنه أيضاً اتخاذ القرارات بدلاً من البشر من خلال تطبيق أنواع مختلفة من تحليل البيانات. فقد يتعين على الساسة والدبلوماسيين أن يكونوا مستعدين لاحتمال تسرّب البيانات على شبكة الإنترنت، فضلاً عن التحقق مرة أخرى من المعلومات الواردة، وبناءً على ذلك تساعد التحليلات التنبئية الدبلوماسيين على تحديد الاتجاهات المستقبلية وتوقع التوترات الاجتماعية أو السياسية في البلدان المضيفة، ويمكن أن يكون هذا مفيداً في مساعدتهم على تخصيص اهتمامهم ومواردهم بشكل أفضل، ومكافحة حملات التضليل والتأثير الخبيث بشكل أكثر فعالية.

من جهة أخرى، فالدبلوماسية فن يعتمد على المعرفة والذكاء والخبرة والإبداع. ويجب على الدبلوماسيين التأكد من الحفاظ على كفاءتهم وعدم الوقوع في فخ الاعتماد على تحليلات البيانات المدعومة بالذكاء الاصطناعي فقط، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يوفر رؤى لا تقدر بثمن ويدعم عملية صنع القرار بمعلومات موثوقة وسهلة الفهم، لكن لا ينبغي للدبلوماسيين أن يصبحوا تابعين ويعطوا أهمية واعتمادية مبالغاً فيهما لما ينتجه الذكاء الاصطناعي، فالذكاء الاصطناعي لا يفهم معنى ما ينتجه وهنا يكمن الخطر.

أصبحت القدرات التي وصل إليها الذكاء الاصطناعي لا تترك مجالاً للشك بأنه بات مؤثراً في شكل وأدوات وقضايا العلاقات الدولية. والأمر هنا لم يعد قاصراً على أدوات القوة التقليدية مثل القدرات العسكرية والاقتصادية للدول، بل قد يمتد ليشمل قضايا أخرى أكثر عمقاً واتساعاً، كعملية إدارة المفاوضات الدولية التي تغلب عليها دائماً حالة الشك بين البشر وعدم الثقة في الطرف الآخر، واتخاذ القرار بعيداً عن التأثر بالسمات والميول الشخصية للقادة السياسيين والوقوع في خطأ التحيز أو الإدراك، وكذلك عملية تحليل ودراسة السياسة الخارجية للدولة وعلاقاتها بالدول الأخرى. فإذا تحقق ذلك، فنحن بصدد نوع جديد من الدبلوماسية يقودها الذكاء الاصطناعي.

 

الذكاء الاصطناعي محرك لقضايا واهتمامات الدبلوماسية

أعاد التقدم الكبير في نُظم الذكاء الاصطناعي طرح عدد من القضايا التقليدية الخاصة بالعلاقات الدولية لكن بوجه جديد، مثل قضايا التسلح، وتوازن القوى، والديمقراطية. فهذه القضايا الثلاث على وجه التحديد تتطلب من الدول كافة إعادة النظر في سياستها الخارجية وتحديد موقفها بسبب التأثيرات المتزايدة للذكاء الاصطناعي فيها. فمثلاً أصدر الاتحاد الأوروبي وثيقة بعنوان “Artificial Intelligence diplomacy”، أعرب فيها عن قلقه من استخدام النظم الديكتاتورية للذكاء الاصطناعي لممارسة مزيد من الديكتاتورية على شعوبها، وتحديداً الصين، من وجهة نظره.

كما أن دخول الذكاء الاصطناعي في تطوير أسلحة، سواءً أكانت تقليدية أم سيبرانية، مثل الطائرات من دون طيار والروبوتات العسكرية والصواريخ، من شأنه أن يُحدث ثورة في الشؤون العسكرية قد يترتب عليها إما سباق تسلح قد يؤدي إلى حرب، أو اختلال ميزان القوى الدولي وما يترتب عليه من إعادة تشكيل النظام الدولي.

ففي تصريح سابق له، قال الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إن “من يسيطر على الذكاء الاصطناعي سوف يسيطر على العالم”. وأشار تقرير للجمعية البرلمانية لحلف “الناتو”، في تشرين الثاني عام 2022، إلى أن “للذكاء الاصطناعي آثاراً مدمرة على القدرات العسكرية، ومن المتوقع أن يزداد هذا الأثر بشكل كبير خلال السنوات الخمس إلى العشر المقبلة”. كما حذر تقرير صدر في آذار عام 2021 عن لجنة الأمن القومي للذكاء الاصطناعي الأمريكية، من “أن الصين قد تحل قريباً محل الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى للذكاء الاصطناعي في العالم، وأن أنظمة الذكاء الاصطناعي ستُستخدم في السعي وراء السلطة، وأن الذكاء الاصطناعي لن يبقى في مجال القوى الخارقة أو عالم الخيال العلمي”.

 

 

فقد أصبح الذكاء الاصطناعي نفسه أحد موضوعات الدبلوماسية والعلاقات الدولية، ونجم عنه في بعض الأوقات توتر في العلاقات بين الدول، خاصة بين الصين والدول الغربية. فقد اتخذت الولايات المتحدة إجراءات مضادة تجاه بكين، كي تبطئ من قدرات الشركات الصينية على تطوير نُظم الذكاء الاصطناعي، ومارست ضغوطاً كبيرة على الدول الأوروبية حتى لا تستخدم التكنولوجيا الصينية، تخوفاً من استخدام الصين هذه التكنولوجيا في التجسس على الولايات المتحدة وحلفائها. وهو ما بات أشبه بحالة حرب باردة وسباق تسلح علني حول الذكاء الاصطناعي.

 

دور الذكاء الاصطناعي في المفاوضات الدولية

إلى جانب كونه موضوعاً للدبلوماسية بين الدول، فإن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً أيضاً على تغيير أدوات ممارسة الدبلوماسية بين الدول، سواءً على مستوى المفاوضات الدولية أو على مستوى الدبلوماسية الرسمية والشعبية. فعلى مستوى عملية إدارة المفاوضات الدولية، فإن الذكاء الاصطناعي يمكنه القيام بعدة مهام، منها على سبيل المثال ما يلي:

 

  1. مساعدة المفاوضين الدبلوماسيين، وذلك عبر توفير معلومات آنية وفورية ودقيقة حول القضايا الخلافية أو التفصيلية أو حتى الطارئة على طاولة المفاوضات، والتي قد تحتاج إلى فرق متخصصة أو محلية مثل المفاوضات الخاصة بالتجارة الدولية مثلاً، وهو ما يوفر الوقت والجهد في عملية التفاوض.

  2. تقريب وجهات النظر بين المفاوضين، وتقديم اقتراحات وتوصيات تحقق مكاسب للأطراف، وتضمن تصحيح وجهات النظر أو الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها الدبلوماسيون دون قصد.

  3. تحقيق ميزة نسبية لأحد أطراف المفاوضات، باعتباره عقلاً ذكياً يُضاف إلى فريق التفاوض وقادراً على تحليل الأمور الجزئية والتفاصيل الدقيقة.

  4. تقييم مدى جدية الأطراف المتفاوضة، من خلال دراسة الفرص البديلة والمحاور التي كان يمكن الاتفاق حولها وتم تجاهلها، وبحث نيات الأطراف المتفاوضة وتقييم مدى جديتها ورغبتها في تحقيق إنجاز حقيقي على الأرض أو وضع عقبات تعوق عملية المفاوضات. فإذا كان هناك طرف متلاعب ويسعى فقط لكسب مزيد من الوقت، من الوارد أن يتسبب الذكاء الاصطناعي في هذه الحالة في إحراجه أمام الرأي العام الدولي، وبالتالي يتعرض لمزيد من الضغوط الدولية.

  5. متحدث غير رسمي باسم الدولة، فمثلاً تُحرج بعض الدول في الإعلان عن موقف رسمي تجاه بعض القضايا كأن تصدر بياناً رسمياً حولها، فيقوم بعض المحسوبين على النظام السياسي بكتابة بعض التغريدات أو التدوينات التي تعكس وجهة نظر دولة ما ولكن بصورة غير مباشرة. وهنا قد تستطيع نُظم الذكاء الاصطناعي القيام منفردة بذلك دون التسبب في حرج لأي من الأشخاص أو لصورة الدولة المعنية، فإذا سألها أحد الصحفيين عن موقف هذه الدولة إزاء قضية ما، تستطيع الإجابة دون أن تُحسب على الدولة.

  6. الحياد والعلانية في اتخاذ القرار، فغالباً ما قد يتأثر بعض القادة بالسمات والميول الشخصية لهم عند اتخاذ القرار، أو يتأثرون بضغوط الرأي العام سواءً المحلية أو الدولية. وفي هذا الصدد، قد تساعد هذه النُظم في تقديم توصيات بعيدة عن هذه المشاعر والضغوطات، مع الأخذ في الاعتبار التداعيات الخاصة بهذا القرار كأن يرفضه الرأي العام بالرغم من كونه يحقق مصلحة.

 

مهام دبلوماسية في إطار ثورة الذكاء الاصطناعي

على مستوى استخدامات الذكاء الاصطناعي في الدبلوماسية الرسمية والشعبية، فقد يتم استخدامه في عدة مهام، منها الآتي:

 

  1. تسهيل عملية إدارة الجاليات، حيث يمكن في المستقبل القريب أن تستبدل بعض الدول قنصلياتها بنُظم ذكاء اصطناعي تعمل عبر شبكة الإنترنت، تكون مهمتها تسهيل متطلبات جالياتها في الدول الأخرى، وتقديم الأوراق والمستندات الرسمية التي تحتاج إليها، وحل المشكلات الطارئة التي تتعرض لها على مدار اليوم دون التقيد بمواعيد عمل السفارة مثل حالات الوفاة أو في أوقات الحروب والأزمات. وهنا قد يكون وجود السفارة رمزياً أكثر من كونه ضرورة تنظيمية.

  2. المساعدة في مهام البعثات الدبلوماسية، فإذا استطاع العديد من الأفراد حالياً التقديم عبر الإنترنت للحصول على تأشيرات دخول إلى دول معينة، دون الحاجة إلى زيارة السفارة، فإنه في المستقبل القريب قد يتعامل الأفراد مع نُظم ذكية، ترتبط بقواعد بيانات عملاقة، سواءً أكانت رسمية كالمؤسسات الأمنية أم غير رسمية كشركات الطيران والفنادق ومواقع التواصل الاجتماعي. فتقوم النُظم الذكية بتحليل نشاط صاحب الطلب المُقدم للحصول على التأشيرة، وتتخذ قراراً تجاهه إما بالموافقة على الطلب أو رفضه أو إحالته إلى موظف إداري لاستكمال ما تعجز عنه هذه النُظم.

  3. القيام بمهام الدبلوماسية الشعبية، حيث يمكن أيضاً أن تصبح نُظم الذكاء الاصطناعي قناة للتواصل غير الرسمي والحصول على معلومات حول الدول عبر نُظم تشبه تطبيق “ChatGPT”، فتقوم بالرد على الأسئلة وتصحيح المعلومات وخلق قنوات تواصل مباشر مع مواطني الدول الأجنبية.

وعلى الرغم من أن الأمر يبدو في ظاهره إيجابياً، فإنه يشوبه كثير من التحديات، من أهمها مشكلة تعلم نظم الذكاء الاصطناعي، حيث تتطلب قدراً كبيراً جداً من البيانات الدقيقة التي يجب أن تكون ذات طبيعة استخباراتية حتى تتمتع بقدر كبير من الموثوقية بعيداً عن البيانات الرسمية التي تتسم بالمجاملة، وهو تحدٍ كبير بالنسبة للشركات التي تقوم بتطوير هذه النظم، وتحدٍ أكبر على مستوى المؤسسات الأمنية المعنية بجمع معلومات كثيرة للغاية بغض النظر عن ترتيب أولويتها. حتى وإن تم جمع هذه البيانات وتحديثها بصورة آنية وفورية، فقد تحدث ثورة أو تغيير سياسي يجعل البيانات التي استخدمها النظام غير صالحة للاستخدام مستقبلاً.

 

الأمر بالفعل صعب ومعقد، ولكن من المؤكد أن هناك مهام دبلوماسية سوف يقوم بها الذكاء الاصطناعي مستقبلاً حتى وإن كانت هناك بعض التحديات، ومن المؤكد أيضاً أن من يستطيع امتلاك هذه القوة للذكاء الاصطناعي سوف يسيطر على النظام الدولي، تماماً مثلما يتوقع العديد من القادة السياسيين، فالأمر هنا أشبه بمن يمتلك القوة العسكرية الضاربة قبل خصمهً، هو ليس خياراً بل ضرورة حتمية.

 

الذكاء الاصطناعي أصبح بحد ذاته فاعل دولي

هنا يسمح المجال للتفكير في سيناريو قد يكون بعيداً عن الواقع حالياً، لكنه قد يصبح يوماً ما أقرب إلى الحقيقة، وهو أن يتولى الذكاء الاصطناعي مهمة إدارة العلاقات الدولية بدلاً من البشر! فعبر عقود من الزمن، عجز النظام الدولي بشكله الحالي عن منع كثير من الحروب والصراعات، واصطدمت مصالح الغرب مع الشرق، فعجز مجلس الأمن عن حفظ الأمن والسلم الدوليين. فهل من الممكن أن يتولى مهمة تنظيم وإدارة العلاقات الدولية “نظام” أكثر رشادة وكفاءة من البشر، لا يتأثر بالأهواء الشخصية ويتخذ قراراته بما يحقق مصلحة الجميع؟ ولا عجب أن يكون هذا النظام قائماً على الذكاء الاصطناعي.

فهل نجد في المستقبل منظمة دولية يكون الصوت الحاسم فيها بين الأعضاء للذكاء الاصطناعي، فيمتلك حق الاعتراض منفرداً على القرارات ويصبح تصويته على الموضوعات بمثابة حسم لهذا الخلاف، أو حتى يكون جميع أعضاء هذه المنظمة أصلاً من النظم الذكية، تقوم كل دولة فيها بتقديم نظامها من الذكاء الاصطناعي لكي يناقش الخلاف في قضايا العلاقات الدولية مع زملائه من الأنظمة الذكية الأخرى، وتكون مهمة اتخاذ القرار حقاً حصرياً لهم. أو نشهد وزراء خارجية أو سفراء للدول من الذكاء الاصطناعي وليسوا من البشر، أو يصبح المفاوضون الدوليون عبارة عن نُظم ذكية تتولى مهمة إدارة الخلافات في العلاقات الدولية وتسويتها، مثلما نشهد روبوتات وطائرات مُسيّرة هي التي تتولى عملية القتال في المعارك العسكرية حالياً؟

قد يرى البعض أن ثمة مبالغة في اعتبار الذكاء الاصطناعي في حد ذاته فاعلاً مستقلاً ومؤثراً في العلاقات الدولية، وله شخصيته الحقيقية وأدواته التي يمكن أن يؤثر من خلالها في العلاقات الدولية، فالنُظم الذكية لم تكتمل شبكتها النهائية بعد، ولم تتضح علاقاتها المتشابكة، وما زالت عبارة عن مشاريع مستقلة بذاتها وتعاني من ثغرات أو مشكلات، لكن سرعة تطور هذه النُظم تستدعي التخوف والانتباه، فقد تتحول في أي وقت من كونها أداة مساعدة للإنسان في القيام ببعض المهام إلى كونها نُظماً واعية ومستقلة بذاتها ومدركة لماهيتها.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى