الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

العلاقات الأميركية – الصينية.. قراءة تحليلية في ضوء التوازنات الدولية

بقلم: أ. م. د. فاضل عبد علي حسن

رئيس قسم الدراسات الاستراتيجية/ جامعة ذي قار

 

 

لم تكن العلاقات الدولية في النظام الدولي مستمرة على وتيرة واحدة وعلى نسق واحد، بل متغيرة بحسب تغير أنماط تلك العلاقات والمصالح المشتركة بين الدول، فقد كان التنافس والصراع الدولي في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وفق النسق الأيديولوجي بين النظامين (الرأسمالي والاشتراكي)، أما الحرب الباردة اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين فقد جاءت وفق النسق الجيوسياسي، أي في مجال التنافس والصراع على مناطق النفوذ الجيوسياسية ومراكز القوة والطاقة في العالم، من هنا فان التنافس الأمريكي الصيني لم يكن في منطقة جغرافية واحدة بعينها، بل هو في مناطق عدة منها منطقة آسيا الوسطى والقرن الأفريقي و”الشرق الأوسط” وأفريقيا.

إذ لم تكن الصين غريماً منافساً للولايات المتحدة الأمريكية إلا بعد نهاية السبعينيات من القرن العشرين وتحديداً عام 1978م مع الاصلاحات التي قام بها الرئيس الصيني حينذاك “دينغ شياو بينغ”، فقد انتقلت الصين من الاقتصاد الموجه الى اقتصاد السوق الاشتراكي، إلا أن مرحلة الصعود الصيني بدأت منذ دخول الصين الى منظمة التجارة العالمية 2001، إذ تضاعفت الصادرات الصينية بشكل لافت، وهنا بدأ التنافس الأمريكي الصيني، إذ يعد أن الداخل الأمريكي من بين أكبر الأسواق في العالم لتصريف البضائع الصينية الواطئة الكلفة، وبدأت الصين بتفعيل “طريق الحرير التجاري” فأخذ الاقتصاد الصيني بالنمو المتسارع، فتحولت الصين من شريك تجاري للولايات المتحدة الأمريكية الى منافس اقتصادي واستراتيجي على مستوى الصناعات التكنولوجية وسباق الهيمنة الرقمية، وعليه فقد تحولت العلاقة ما بين البلدين من الاعتمادية المتبادلة الى التنافس والصراع، الأمر الذي بات يعكس تحولاً بنيوياً في النظام الدولي.

 

 

لم تزل العلاقات البينية الأمريكية- الصينية تتعامل بحذر على طول مسيرة تلك العلاقات التي امتدت لعقود من الزمن، فالولايات المتحدة الأمريكية لا تريد التفريط بعلاقتها مع الصين، اذ تشير الواقعية السياسية الى التوازنات الدولية لا الصراعات الأيديولوجية، وبتعبير “هنري كيسنجر” فأن العلاقة مع الصين يجب أن تدار وفق مبدأ التوازن لا المواجهة، وعدم جعل الصين عدو مفترض بل شريكاً تجارياً، ويرى كيسنجر بأن الصراع الأمريكي الصيني لا يمكن أن يصل الى مستوى الصراع والتنافس الصفري، إذ لا يمكن احتواء الصين كما تم احتواء الاتحاد السوفيتي، لأن الأولى حضارة تاريخية وعميقة والثانية هي مجموعة جمهوريات جمعتها الايديولوجية تمظهرت بالاتحاد السوفيتي، من هنا فالصراع والتنافس اليوم مع الصين هو صراع استراتيجي وتكنولوجي واقتصادي أكثر منه أيديولوجي، فالصين تعمل باستراتيجية النفس الطويل وهذا متأتٍ من موروثها وتأريخها وأمبراطوريتها، أما الولايات المتحدة الأمريكية تعمل باستراتيجية الحسم السريع، وقد أشار كيسنجر أيضاً الى إدارة ملف تايوان بحذر شديد وان أي يخطأ يشوب هذا الملف المعقد سيفضي بالنتيجة الى حرب نووية لا يمكن ايقافها، وكل هذا يشير الى أن الولايات المتحدة الأمريكية أدركت بأن الصين باتت تعد قطب عالمي مرتقب ولا يمكن ايقافه مهما فعلت، بالتالي يجب التعامل معها بوصفها شريكاً تجارياً واستراتيجياً، بالمقابل فان الصين قد أدركت أيضاً بأن الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن بمستواها المعهود ولن تبقى القوة المهيمنة في النظام الدولي، الأمر الذي جعلها تمارس دورها الجديد بوصفها قطب اقتصادي منافس في النظام الدولي، لا سيما بعد تأسيسها لمنظمة شنغهاي للتعاون وتجمع البريكس بالتعاون مع روسيا الاتحادية وعدد من الدول الصاعدة، وباتت تطالب تلك الدول الصاعدة ايضاً ايقاف الاعتماد في التعامل التجاري الدولي على الدولار فقط بل أخذت تطالب بسلة عملات من بينها العملة الصينية اليوان وعملات أخرى، اضافة الى محاولة الصين فرض نفوذها الجيوسياسي في مناطق آسيا الوسطى والقرن الأفريقي و”الشرق الأسط”.

فالعلاقات الأمريكية الصينية علاقات براغماتية تشي بحرب باردة لكنها ليست صفرية بسبب إدراك الطرفين لأهمية كل منهما لبعض، الأمر الذي لا يمكن للطرفين التفريط بهذه العلاقة، فالتطورات والأحداث الأخيرة في “الشرق الأوسط” صنعت نمطاً جديداً في تلك العلاقات البينية، فالولايات المتحدة الأمريكية باتت تسيطر على مصادر الطاقة في العالم، لا سيما بعد سيطرتها على نفط فنزويلا ومحاولة السيطرة مكامن الطاقة في منطقة “الشرق الأوسط” وإيران، وهذا ما يهدد بإيقاف حركة عجلة الاقتصاد الصيني الذي يعتمد على الطاقة في “الشرق الأوسط” وفنزويلا وروسيا وايران، اذ تعتمد الصين بشكل رئيس بنسبة 80% من واردات الطاقة من هذه الدول اضافة الى روسيا، وهذا ما سيرفع من تكاليف أسعار الطاقة على الصين ما يؤثر بدوره على الانتاج الصيني، فالصين التي تسيطر على طرق التجارة والتصنيع في العالم بالمقابل فأن الولايات المتحدة الأمريكية هي الأخرى تسيطر على البحار والممرات البحرية ومصادر الطاقة ومن يسيطر على الممرات البحرية ومصادر الطاقة يستطيع التأثير على القرارات الدولية للدول، وتأسيساً على ما تقدم فأن الولايات المتحدة الأمريكية لا تمانع من أن تكون الصين شريكاً استراتيجياً في ظل نظام ثنائي القطب في النظام الدولي لأنها قوة عظمى مرتقبة ولا يمكن ايقافها، وفي ضوء ما تقدم فأن الولايات المتحدة الأمريكية والصين يقدمان مصالحهم الخاصة على مصالح حلفائهم في ظل الواقعية السياسية، وهذا ما جرى في اللقاء الأخير ما بين الطرفين ومن بين ما تم طرحه في هذا اللقاء هو عدم امتلاك ايران للسلاح النووي، وهذا لم يعد مهماً في العقل الاستراتيجي الصيني، والصين لا يعنيها امتلاك ايران للسلاح النووي من عدمه بقدر ما تريد المحافظة على شريك استراتيجي وتجاري مهم كالولايات المتحدة الأمريكية التي وصل مقدار التبادل التجاري بينها وبين الصين نحو نصف ترليون دولار سنوياً، وقد رسم اللقاء الأمريكي الصيني الأخير عدداً من البرامج المستقبلية التي تخدم الطرفين وتحدد علاقتهما في ضوء التوازنات الدولية والمصالح البينية.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى