الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف

المسار الاضطراري.. هل تفتح أزمة الطاقة “صفحة جديدة” بين واشنطن وبكين؟

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

 

تأتي زيارة الرئيس الأمريكي ترامب الى بكين في ظل ازمة دولية في امدادات الطاقة انعكست بتأثيرها على مجمل النظام الاقتصادي العالمي من خلال ازمة مضيق هرمز التي لم تنعكس على امدادات الطاقة فحسب بل انعكست أيضاً على امدادات الأسمدة مما يؤدي الى احتمال وقوع ازمة امن غذائي عالمية، لذلك يزور ترامب بكين حاملاً في جعبته مجموعة من الملفات التي يرغب بتسويتها مع بكين فيما حضرت الأخيرة من جانبها ملفاتها الخاصة التي ترغب بتسويتها واهم الملفات التي تمت مناقشتها.

 

اولاً: منطق المقايضة الجيوسياسية تايوان مقابل هرمز

يمثل ملف جزيرة تايوان من الملفات الشائكة في العلاقات الامريكية الصينية لاسيما وان الجزيرة التي انفصلت عن الصين بحكم ذاتي بفعل الحرب الاهلية الصينية بعد انتصار الحزب الشيوعي في الحرب، حيث عملت الولايات المتحدة للإبقاء على وضع جزيرة تايوان غير مستقراً لكي تستخدمها كورقة ضغط مهمة ضد الصين تؤرق فيها القادة الصينين ورغم التزام واشنطن بعد تطبيع علاقاتها مع الصين في سبعينيات القرن الماضي بمبدأ الصين الواحدة والذي ينص على ان تايوان جزء لا يتجزأ من الصين الا ان الولايات المتحدة حاولت ان تحافظ على مسافة واحدة بين انضمام تايوان الى الصين  واستقلالها عن الصين، لكي تبقى تايوان ورقة تفعلها واشنطن متى تشاء ضد الصين.

وفي زيارة الرئيس الأمريكي الأخيرة وبعدما أشعل سلفه جو بايدن قضية تايوان من خلال تجديد دعمه لاستقلال الجزيرة، يحاول ترامب ان يصلح علاقة بلاده مع الصين من خلال هذا الملف حيث ان الصين على ما يبدو أصرت على ان تجعل ملف تايوان على سلم أولوياتها في أي حوار تخوضه مع الرئيس الأمريكي، اذ تسعى لضمان امنها القومي بما يتعلق بالجزيرة عبر تخلي الولايات المتحدة عن دعمها.

بالمقابل يأمل ترامب ان يقنع الصينيين بضرورة ممارسة الضغط على إيران لفتح مضيق هرمز وكذلك للتفاوض على شروط السلام، في مقابل تخفيف الضغط الأمريكي في منطقة بحر الصين وربما التنازل عن ورقة تايوان لصالح الصين.

 

ثانياً: الصراع الاقتصادي التكنولوجي

 

 لقد كانت العلاقات الامريكية الصينية منذ وقت طويل قائمة على شراكة اقتصادية بين البلدين حققت منافع متبادلة ففي حين تمكنت الصين من الاستفادة من الطابع النيوليبرالي للنظام الدولي الذي اقامته الولايات المتحدة ولاسيما مبدأ حرية التجارة الذي رسخته عبر منظمة التجارة العالمية. كانت اللحظة المفصلية في علاقات البلدين تتمثل في ولاية ترامب الأولى بين عامي 2017-2021 حيث اتخذ سياسة حمائية اشعلت حرباً تجارية بين البلدين وتركت النظام الاقتصادي الدولي في صدمة من خلال ممارسته لسياسة الحمائية الاقتصادية وفرض الرسوم الجمركية والتي بدأها مع الصين اهم شريك تجاري للولايات المتحدة متهماً إياها بسرقة الملكية الفكرية الامريكية ومحاولا سد العجز  والتضخم في الاقتصاد الأمريكي وإيجاد وظائف جديدة حيث اعتبر ان الصين تجبر الشركات الامريكية على نقل تقنياتها اليها، كما علل موقفه بحماية الامن القومي الأمريكي كون ان واردات الصين من الصلب والالمنيوم تهدد القاعدة الصناعية العسكرية للبلاد.

وعلى الرغم من انتقادات الديمقراطيين للسياسات الحمائية التي اتخذها ترامب في ولايته الأولى كونها سياسات تهدم أسس النظام النيوليبرالي الذي ساهموا ببناءه وترسيخه على مدى عقود، فأن إدارة الرئيس بايدن لم تلغ الرسوم الجمركية ولم تلغ الحرب التجارية بل على العكس رفعت من قيمة بعض الرسوم الجمركية وفرضت رسوم أخرى على قطاعات تكنولوجية صينية حيوية، وعملت على الحد من تغلغل بعض الشركات الصينية في السوق الأمريكي.

وفي عهد بايدن انتقل الصراع من مجال الرسوم الجمركية على صادرات الصلب وبعض صادرات التكنولوجيا ليشمل مجالات تكنولوجية جديدة لاسيما مع صعود الثورة التقنية للذكاء الاصطناعي حيث باتت واشنطن تبحث على رسوم جمركية على واردات الذكاء الاصطناعي والمواد الخام والمعدات.

اما ترامب ففي ولايته الثانية فانه افتتح عامه الأول برسوم جمركية على جميع الدول بما فيها الصين وعمق من المنافسة في قطاعات اشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي التي بدأها سلفه بايدن.

ما زاد الامر تعقيداً هو زيادة الابتكارات في مجالات الطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية حيث تمكنت الشركات الصينية من اطلاق استثمارات ضخمة في مجالات السيارات الكهربائية حتى باتت السيارات الكهربائية الصينية المعززة بتقنيات الذكاء الاصطناعي والقيادة الذاتية تغزو الشوارع الأوروبية والأمريكية وتفرض منافسة حادة على شركات السيارات الأوروبية الرائدة والأمريكية، وهي سيارات تحتاج الى موارد نادرة خاصة لتصنيعها، مما ابرز مجالات جديداً للتنافس الجيوسياسي يتعلق بالموارد النادرة اللازمة لصناعة السيارات والتكنولوجيا المتطورة وهذه الموارد يوجد احتياطات كبيرة منها في الصين ما دفع الأخيرة وفي اطار ردها على الحرب التجارية الامريكية الى حظر توريد الموارد النادرة الى الولايات المتحدة لكي تزداد حاجة الأخيرة اليها.

ان ذلك كله دفع ترامب الى اصطحاب وفد يضم حوالي 30 من المدراء التنفيذيين لأكبر شركات التكنولوجيا الامريكية الذين يرغبون بالانفتاح على الأسواق الصينية معه الى بكين عند لقاءه مع الرئيس الصيني، ما يؤكد الحاجة الامريكية الملحة للشراكة مع الصين تكنولوجيا كما يؤكد عزم ترامب على التراجع عن الحرب التجارية التي بدأها مع الصين من اجل ان يحصل على مميزات ومنافع الشراكة مع الصين لتعزيز وضع الاقتصاد الأمريكي الذي يعاني من اضرار نتيجة للحرب على إيران.

 

ثالثاً: السيميولوجيا السياسية ورمزية “الأرض الوسطى”

حملت الزيارة دلالات رمزية سواء في طبيعتها من حيث قيام الولايات المتحدة بالمبادرة ام من خلال استغلال الصين للمبادرة الامريكية وانشاء حالة من الاستعراض الرمزي، فمن خلال طبيعة الاستقبال والمصافحة حيث شهد تحديا واضحا بين الطرفين مع سعي الرئيس الصيني (شي جيبنغ) للهيمنة في المصافحة من خلال لغة الجسد حيث جعل يده فوق يد ترامب لكن الأخير تدارك الموقف ووضع يده اليسرى فوق يد نظيره الصيني لتكشف لغة الجسد عن حوار يمكن ان يتسم بالندية وتوازن القوى بين الطرفين.

 

ومن الرسائل السياسية الأخرى التي بعثت بها بكين في هذه القمة هي اصطحاب الرئيس الصيني للرئيس الأمريكي في جولة ثقافية بروتوكولية الى “معبد السماء” وهو موقع تاريخي صيني يعود عمره الى حوالي 600 عام كان يقصده الاباطرة الصينيين للصلاة من اجل الحصول على حصاد وفير، وفي هذه الزيارة دلائل رمزية عدة بعثت بها الصين من ابرزها:

  1. تظهر الصين من خلال هذه الزيارة عمقها التاريخي والحضاري في مقابل الولايات المتحدة حيث من خلال القياس الزمني فان وجود المعبد يسبق حتى اكتشاف القارة الامريكية من قبل “كريستوفر كولومبوس” .

  2. ان طبيعة المعبد التي تقوم على الصلاة من اجل الحصاد تشير الى أولوية الاقتصاد بالنسبة لصانع القرار الصيني كما ان رسالته واضحة تعني ان الصين تأمل بحصاد ووفرة اقتصادية من تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة ولكن في اطار ندي حيث أشار الرئيس الصيني الى ما سماه بتموضع جديد للعلاقات الامريكية الصينية.

  3. الرسالة الثالثة وهي ما اغفلته ربما بعض التحليلات وهي الطبيعة الثقافية للحضارة الصينية ورؤيتها المركزية للكون حيث تعود هذه الرؤية الى فكرة مركزية في الفكر السياسي الصيني يتعلق بمملكة السماء او الأرض الوسطى حيث يشعر الصينيين بتفوق طبيعي على من ازاءهم من الشعوب الأخرى وهو تفوق حيث كون الصين مملكة السماء فان الامبراطور الصيني هو ابن السماء وبالتالي فهي الأرض الوسطى او مملكة كل ما تحت السماء أي انها وفقاً لهذا الاطار السياسي والفكري الصيني فانها أي الصين تمثل المركز المتحضر الذي يشع نوراً على المناطق الأخرى الأقل تحضراً.

وفقاً لذلك لا يمكن القول ان شي جي بينغ يتصرف كامبراطور صيني لكنه بواقع الحال يرسل رسائل سياسية ذات دلالات عميقة من قلب الحضارة الصينية وان كان الاباطرة الصينيين يتعاملون مع الأجانب من خلال الاقتصاد والاستيعاب الثقافي فان شي جيبنغ ينوي التعامل مع الولايات المتحدة من خلال الاقتصاد لانه مدرك ان الاقتصاد الصيني لا غنى عنه بالنسبة للولايات المتحدة كما ان التأثير الثقافي الأمريكي مازال كبيراً على مستوى العالم بشكل لا يمكن للصين المنافسة عليه.

 

رابعاً: نتائج القمة التاريخية

 

يمكن قراءة نتائج الزيارة الأمريكية الى الصين من زاوية تطبيق الرئيس الأمريكي لمبدأ دونرو او مبدأ مونرو المعدل والذي اقره في استراتيجيته حيث يسعى لتحقيق المصالح الاستراتيجية الامريكية في مقابل إمكانية تقديم تنازلات عن التزامات الولايات المتحدة في مناطق عدة خارج  دائرة النفوذ الأمريكي في القارتين الامريكيتين مع الاعتراف بمكانة القوى الكبرى في مجالات نفوذها التقليدية، حيث يمكن ان تدفع الزيارة الأخيرة الى تحسن كبير في العلاقات الامريكية- الصينية بعد خصومة وتنافس وسباق عسكري وتكنولوجي استمر لسنوات، وهذا التحسن قد ينعكس على قضايا أساسية فبالنسبة للصين فقد اكدت على ان قضية تايوان بالنسبة لها خط احمر لا يمكن تجاوزه وحذرت الرئيس الأمريكي من ان الخلاف حول هذه القضية قد يؤدي الى صراع بين الصين والولايات المتحدة فقد طالب الرئيس الصيني بوقف الولايات المتحدة لصادرات السلاح الى تايوان، بالمقابل اتفق الطرفان على ضرورة منع ايران من امتلاك السلاح النووي وإعادة فتح مضيق هرمز، وهو امر على الرغم من تضرر الصين جزئياً من مسألة اغلاق مضيق هرمز بسبب تعطل واردات النفط الذي تستورده من منطقة الخليج سواء بإغلاق المضيق ام بالحصار الأمريكي على ايران الذي عطل امدادات النفط الإيراني الى الصين، الا ان الأخيرة لها مصلحة ايضاً في “الشرق الأوسط” سيما مع ايران، فلا يتوقع منها ان تعمل للضغط على طهران لتوقيع اتفاق سلام مع الولايات المتحدة بصورة تضر بمصالح احد اكبر شركاءها في “الشرق الأوسط”، هذا بالإضافة الى ان الحرب خدمت نسبياً المصالح الصينية على المستوى الاستراتيجي من خلال استنزاف موارد القوات المسلحة الامريكية في الحرب واستنفاذ الذخيرة ما دفع المحلللين الاستراتيجيين الأمريكيين الى التساؤل حول قدرة بلادهم واستعداداها  لإمكانية خوض حرب طويلة مع الصين،([1]) وقد يكون هذا احد الأسباب التي دفعت ترامب لزيارة الصين وتسوية القضايا العالقة بدل التورط بحرب اكبر معها بعدما اختبر حدود القوة الامريكية في حرب ضد دولة متوسطة مثل ايران فكيف الحال مع دولة كبرى مثل الصين؟

الا ان أبرز المكتسبات من هذه الزيارة للطرفين ليست سياسية بل اقتصادية تمثلت باتفاق الطرفين على تمديد الهدنة التجارية بينهما وحصول واشنطن على تراخيص لاستيراد المعادن الأرضية النادرة التي تمتلك الصين احتياطات ضخمة منها تقدر ب (44 مليون طن متري) وفقا لهيئة المسح الجيولوجي الامريكية،([2]) وهي المعادن الضرورية للصناعات التكنولوجية المتطورة في المجالات الدفاعية وفي مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة وغيرها. كما ان حضور قادة الشركات الامريكية يساهم في تعزيز التعاون مع الصين في فتح الاسواق الصينية امام هذه الشركات.

بالمقابل حاول ترامب ان يقلل من حاجة الصين للنفط الإيراني بان قدم عرضاً ببيع النفط الأمريكي اليها، ودعا الرئيس الصيني لزيارة واشنطن في أيلول المقبل.

 

الخاتمة

بناء على ما تقدم يمكن القول ان الزيارة تكشف عن حالة من الاعتماد القسري المتبادل بين الولايات المتحدة والصين، حيث رغم كل الخلافات التي سادت بين الطرفين خلال السنوات الماضية الا انهما اكتشفا ان الاعتماد المتبادل بينهما لم يعد خياراً سياسياً قابلاً للإلغاء، بل بات حتمية بنيوية لبقاء واستقرار النظام الاقتصادي العالمي.

لقد أثبتت التداعيات العنيفة لأزمة مضيق هرمز، وما رافقها من استنزاف للقدرات العسكرية الأمريكية في “الشرق الأوسط”، أن حدود القوة الصلبة تفرض تبني براغماتية حادة. وتتجلى هذه البراغماتية في التطبيق الفعلي لـ “عقيدة دونرو”، حيث  تشير المعطيات إلى أن واشنطن باتت أكثر استعدادًا لتخفيف حدة التصعيد في ملف تايوان مقابل ضمانات وجودية تتعلق بأمن الطاقة وإمدادات المعادن الأرضية النادرة اللازمة لسيادتها التكنولوجية.

في المقابل، نجحت بكين، متسلحة بوعيها الحضاري كـ “أرض وسطى” وبصبرها الاستراتيجي، في توظيف حاجة واشنطن الماسة لاحتواء أزمات “الشرق الأوسط”، لتحقق مكاسب مضاعفة، فهي من جهة حصّنت خطوطها الحمراء في تايوان دون رصاصة واحدة، ومن جهة أخرى أثبتت فشل سياسة “فك الارتباط” التكنولوجي التي حاولت واشنطن فرضها.

ختاماً، إن هذه القمة لا تمحو التنافس النسقي العميق والممتد بين القطبين، بل تؤسس لـ”هدنة جيواقتصادية” تفرضها اضطرابات سلاسل التوريد. هي زيارة اقتصادية وتكنولوجية في واجهتها، لكنها في جوهرها الباطن تمثل إعادة تموضع جيوسياسي يمثل اعترافاً امريكياً بواقع التعددية القطبية، ويُقِر بأن الأمن القومي في العصر الراهن لم يعد يُقاس بحجم الأساطيل وحاملات الطائرات فحسب، بل بالقدرة على تأمين الموارد النادرة، وضمان تدفق الطاقة، واستيعاب التحولات في عالم باتت أزماته متداخلة بشكل لا يسمح لأي قوة بالهيمنة المنفردة.

 

لذلك يمكن قراءة زيارة ترامب انها زيارة لأغراض اقتصادية في ظاهرها لكن لها ابعاد جيوسياسي.

 

 

)[1]( Seth G. Jones, Is the United States Prepared for a War with China?, Center for Strategic & International Studies, Washington D.C , 12/5/2026, at URL:
  https://www.csis.org/analysis/united-states-prepared-war-china
)[2]( MacroMicro. “World- Rare Earth Reserves (USGS Estimates).” Accessed May 14, 2026. https://en.macromicro.me/charts/139334/world-rare-earth-reserves-usgs-estimates

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى