الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

ما قبل الحرب على إيران ليس كما قبلها لا إقليمياً ولا دولياً

بقلم: الباحث نوار العبد الرزاق الحسن الثامر

 

على مر التاريخ حدثت الكثير من الحروب، بعضها كانت مفصلية وفارقة، تشكلت على أثرها تحالفات دولية وتكتلات اقليمية، وبعضها الاخر ساهم في بداية إعادة صياغة العلاقات والتحالفات الاقليمية والدولية، وفي ذلك يقول المفكر الكبير هنري كيسنجر: “النظام الدولي يولد من الحروب الكبرى”.

ولا اقول ان الحرب الحالية من تلك الحروب الفاصلة والفارقة بالمعنى التقليدي، ولكنها من نوعية الحروب التي ربما ستكون بداية لحروب اخرى تعيد رسم الجغرافيا السياسية، وستكون مقدمة لتغيرات في موازين القوى الدولية وكذلك الاقليمية، في ظل صراع على النفوذ العالمي وعلى وضع موطئ قدم في نظام دولي جديد.

وفي هذا السياق، يمكن فهم الصراع من خلال نظرية المؤرخ والقائد العسكري اليوناني ثيوسيديويس (400- 460 ق.م)، “الذي ارجع الحروب الى صعود قوة جديدة وخوف قوة قائمة منها”، اذًا، دوليا، الصين، باعتبارها قوة عالمية صاعدة تسعى الى اخذ مكاناً رئيسياً في النظام الدولي الجديد متعدد الاقطاب، لتجد نفسها في مواجهة امريكا القلقة الخائفة المتراجعة عالميا لفقد قُطبيتها العالمية. واقليميا، فإيران، كونها قوة اقليمية سعت وتسعى الى توسيع نفوذها عبر طرق مختلفة لتشاهد نفسها في نهاية المطاف في مواجهة صفرية مع منظومة تقودها “اسرائيل” وتدعمها امريكا، وهو ما خلق وضعاً اقليمياً متوتراً جداً الذي ربما ينفجر انفجاراً كبيراً يصيب بشظاياه جميع من في المنطقة الذي سيخلف قطعاً آثاراً هائلة والتي من شأنها اظهار سمات النظام الاقليمي والدولي الجديدين.

الاكثر أهمية هو ان تأثير هذه الحرب لا يقتصر على اطرافها المباشرين، بل يمتد ليعيد تشكيل التحالفات الاقليمية والدولية، فربما نرى ما كان من قبل تحالفاً مستبعداً او مستحيلا، ربما نراه اليوم تقارباً او تحالفاً استراتيجيا ممكناً ووارداً جداً. دول الخليج، بدأت تفكر تفكيراً جدياً وحقيقياً بوجوب إعادة صياغة التحالفات وتنوع الشراكات وعلى جميع الاصعدة، ورأينا السعودية والامارات وغيرهم يوقعون اتفاقيات امنية وعسكرية مع اوكرانيا، اوكرانيا التي تخوض حربا طاحنة مع روسيا!، وربما نرى اتفاقات أكثر حدية وجدية.

ورأينا تحركات خليجية اخرى مكثفة نحو أوروبا والصين وروسيا لخلق معادلة تحالفية مغايرة تماما!، وبذات الوقت رأينا اتفاقيات استراتيجية سعودية باكستانية واخرى تركية باكستانية سعودية قطرية من جهة، وتقربا ملفتا تركيا مصريا من جهة اخرى. يقابله تحركات لعقد تحالفات سرية وعلنية “اسرائيلية” هندية يونانية قبرصية واخرى قديمة متجددة “اسرائيلية” اماراتية بحرينية!. وربما ولشدة ما سيحصل من توترات واستقطابات حادة وتغييرات جذرية عميقة بعد هذه الحرب، نرى تقارباً “اسرائيليا” ايرانياً شبه رسمياً وواضحاً!!. شيء كهذا يعد ضرباً من الجنون والخيال، لكني اقول ربما.

على المستوى العالمي، تكشف هذه الحرب- والحروب القادمة- عن تراجع قدرة امريكا على ادارة العالم بشكل فردي، في ظل صعود اداور قوى اخرى تسعى الى استثمار التوترات لتعزيز مواقعها. كما ان استخدام الطاقة عبر تهديد الممرات الحيوية ورفع كلفة الامدادات يعيد الى الواجهة الجغرافيا الاقتصادية في تشكيل موازين القوى وإعادة التفكير في تحالفات جديدة بناءاً على الصراعات الحديثة التي ستخاض بوسائل جديدة لا سيما وسائل الطاقة والسوق والبحار والممرات والتكنلوجيا.

وهذه الحرب ايضا اظهرت تبايناً كبيراً وحاداً جداً في المعسكر الغربي نفسه، حيث لا تطابق على اهداف الحرب على إيران بين امريكا و”إسرائيل” من جهة، ولا تطابق اوروبي امريكي في الرؤية لهذه الحرب ومدى جدواها بالأصل حتى وصل الأمر الى التهديد بالانسحاب من حلفهم حلف النيتو من جهة اخرى!، وتهديدات اخرى تعكس اضطراباً حقيقياً خطيراً ربما يأثر جداً على مستوى التحالفات مستقبلاً. ولا استبعد ان نرى تقارباً او ربما إذا اشتد الاضطراب تحالفًا اوروبيًا روسيًا، يقابله تفاهماً او تحالفاً امريكياً صينياً. خصوصاً ونحن نعيش عالما لا يُستبعد فيه شيئاً ابداً.

ورغم كل ذلك، لا يبدو ان جميع الاطراف الاقليمية والدولية على اقل تقدير في هذا العقد وفي العقد القادم على ابعد تقدير، ان تتجه الى حرب شاملة بالمعنى التقليدي، بل ستأخذ استراتيجية الصراع المستدام، بحيث تستمر المواجهة بدرجات متفاوتة- ربما تصل الى الانفجار الكبير في اماكن محددة- دون ان تصل الى الانفجار الشامل والكامل. وهذا الشكل من الصراع ليس بالضرورة ينتج عنه نصراً حاسماً، لكنه يفرض وسيفرض واقعاً تتغير فيه الموازين كثيراً، وتعاد فيه التحالفات سريعاً، دون لحظة فاصلة واضحة.

 

الخاتمة

وبهذا الإطار، قد لا تكون هذه المواجهة هي الحرب المفصلية التي تعيد رسم العالم دفعة واحدة، لكنها بلا شك واحدة من الحروب التي تهيىء لهذا التحول. انها حرب لا تُحسم فيها معركة، ولا تُعلن في بيان نصر، لكنها مع ذلك قادرة على إعادة تعريف القوة، وتحديد من يملكها، وكيف تخاض في القرن الواحد والعشرين.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى