الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
جريمة اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران من منظور القانونين الوطني والدولي – ج 1
الجزء الاول

بقلم: د. مصدق عادل
كلية القانون / جامعة بغداد
شكل اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في ايران السيد (علي الحسيني الخامنئي) من قبل الولايات المتحدة الامريكية و”اسرائيل” يوم 28 شباط 2026 انعطافة خطيرة في مسار العلاقات الدولية، حيث ان هذا الاغتيال يعد جريمة دولية لانطباق اركان جريمة العدوان عليه، فضلاً عن انتهاك هذا الاغتيال للمبادئ الأساسية للقانون الدولي العام، والقانون الدولي الإنساني من قبل الولايات المتحدة الامريكية و”اسرائيل”.
ولا يقتصر الامر عند هذا الحد فحسب، بل يتعداه الامر الى انتهاك السيادة الكاملة للجمهورية الإسلامية في ايران، فضلاً عن اهدار الحماية الدولية والوطنية للمركز الدستوري والقانوني والشرعي الذي يتمتع به المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد (علي الحسيني الخامنئي) وفقاً لنصوص الدستور والقوانين النافذة في ايران.
ومن اجل الوقوف على هذه الاحكام لذا سنتناول بيان ذلك تباعاً في البنود الاتية:
اولاً: المركز الدستوري للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية في الدستور الإيراني
لا يمكن النظر الى المركز الدستوري للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد (علي الحسيني الخامنئي) على اعتبار أنه مجرد قائدٍ سياسي أو رجل دينٍ تقليدي، حيث يعتبره غالبية الشعب الإيراني رمزاً دينياً وسياسياً وجماهيرياً، حيث ادارة من اللحظات الأولى لتكليفه بهذا المنصب أدوات النفوذ السياسي والشرعية الثورية والقوة العسكرية، ولهذا تجمعت في يديه العديد من الملفات المهمة في الجمهورية الإسلامية كالثورة الاسلامية، وسلطات الحرب، والاشراف العام على السلطات الثلاثة، والمعارضة، وإدارة ملف الصواريخ البالسيتية، والبرنامج النووي، والعقوبات الدولية، الى جانب اعتبار الولي الفقيه ممثلاً للمذهب الشيعي والهوية الدينية بصفته نائب الامام المهدي (عجل الله فرجه) في زمن الغيبة.
وبالرجوع الى دستور ايران لعام 1979 نجد ان ديباجته اقرت ولاية الفقيه العادل بالنص على أنه “تمشياً مع ولاية الأمر والإمامة يهيئ الدستور الظروف المناسبة لتحقيق قيادة الفقيه جامع الشرائط الذي يعترف به الناس قائداً لهم وفقاً للحديث الشريف “مجاري الأمور بيد العلماء بالله، الأمناء على حلاله وحرامه”. وبذلك يضمن الدستور صيانة الأجهزة المختلفة من الانحراف عن وظائفها الإسلامية الاصلية”.
كما جاءت المادة (2) من الدستور لتقرر استناد نظام الجمهورية الإسلامية الى العديد من الأسس أهمها الايمان بالإمامة والقيادة المستمرة ودورها الأساس في استمرار ثورة الإسلام([1]).
وتطبيقاً لما تقدم فقد نصت المادة (5) من الدستور على انه ” في زمن غيبة الامام المهدي عجل الله فرجه تكون ولاية الامر وإمامة الأمة في جمهورية ايران الإسلامية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير وفقا للمادة 107″.
كما نصت المادة (57) من الدستور على ان السلطات الحاكمة في ايران هي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية و السلطة القضائية والتي تمارس صلاحيتها باشراف ولي الامر المطلق وامام الامة وفقاً لنصوص الدستور.
وبالنظر لأهمية مركز وموقع المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في النظام السياسي الايراني فقد افرد الدستور الفصل الثامن منه الموسوم (القائد او مجلس القيادة) لمعالجة كل ما يتعلق بتحديد مركزه الدستوري وصلاحياته، حيث حددت المادة (107) من الدستور السلطة التي تتولى اختيار القائد وهي مجلس الخبراء المنتخبين من قبل الشعب([2])، حيث يتم اختياره باعتباره الاعلم بالاحكام والموضوعات الفقهية او المسائل السياسية والاجتماعية، او يحظى بشعبية عامة، او بتميز بارز بان تتوافر فيه المؤهلات والشروط الاتية:
الكفائة العلمية اللازمة للافتاء في مختلف أبواب الفقه.
العدالة والتقوى اللازمتان لقيادة الامة الإسلامية.
الرؤية السياسية الصحيحة والكفاءة الاجتماعية والإدارية والتدبير والشجاعة والقدرة الكافية على القيادة([3]).
وبناء على ما تقدم فان مجلس الخبراء هو السلطة المختصة باختيار المرشد الأعلى أو القائد، وفي الوقت نفسه يثبت لهذا المجلس صلاحية الاختيار في حالة عجز القائد عن أداء وظائفه الدستور او فقده لاحد الشروط المحددة في الدستور أو في حالة وفاة القائد او استقالته أو عزله([4]).
ويتمتع القائد أو المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في ايران بالعديد من المهام والاختصاصات وفق الدستور والتي تتمثل بالاتي:
-
رسم السياسات العامة لنظام جمهورية إيران الإسلامية بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام.
-
الإشراف على حسن تنفيذ السياسات العامة للنظام.
-
إصدار الأمر بالاستفتاء العام.
-
القيادة العامة للقوات المسلحة.
-
إعلان الحرب والسلام والنفير العام.
-
تنصيب وعزل وقبول استقالة كل من:
أ. فقهاء مجلس صيانة الدستور([5]).
ب. المسؤول الأعلى في السلطة القضائية.
ج. رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في جمهورية إيران الإسلامية.
د. رئيس أركان القيادة المشتركة.
ه. القائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية.
و. القيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي.
-
حل الاختلافات بين أجنحة القوات المسلحة الثلاث وتنظيم العلاقات بينها.
-
8. حل مشكلات النظام التي لا يمكن حلها بالطرق العادية من خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام.
-
9. توقيع مرسوم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب. أما بالنسبة لصلاحية المرشحين لرئاسة الجمهورية من حيث الشروط المعينة في هذا الدستور بهذا الخصوص، فيجب أن تنال موافقة القيادة قبل تصويت مجلس صيانة الدستور، وفي حالة الولاية الأولى للرئاسة.
-
10. عزل رئيس الجمهورية مع أخذ مصالح البلاد بعين الاعتبار، بعد صدور حكم المحكمة العليا للمادة بمخالفته لوظائفه الدستورية، أو بعد تصويت مجلس الشورى الإسلامي بعدم كفاءته السياسية وفقا89 من الدستور.
-
11. إصدار العفو أو تخفيف عقوبات المحكوم عليهم في إطار الموازين الإسلامية بناء على اقتراح من رئيس السلطة القضائية. ويستطيع القائد أن يوكل شخصا آخر بأداء بعض وظائفه وصلاحياته.
كما يختص القائد بإصدار الامر الى رئيس الجمهورية بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام يتضمن المواد التي يلزم إعادة النظر فيها او اكمال الدستور من قبل مجلس إعادة النظر في الدستور([6]).
فضلاً عن ذلك فان رئيس الجمهورية يقدم استقالته الى القائد، وهو الذي يختص بقبولها أو رفضها وفق الدستور([7]).
وبهذا يتضح أن منصب القائد او المرشد الأعلى للثورة الاسلامية لا يعد مجرد لقب دستوري، بل يعد منصباً سيادياً معقداً يجمع بين الصفتين الدينية والقانونية في الوقت نفسه، حيث يعد منصباً دستورياً يرتبط بمفاصل الدولة كافة، ويتسع ليشمل جميع القرارات الاستراتيجية التي تخضع لإشراف القائد من خلال المهام والاختصاصات المناطة به، حيث ان اناطة مهام القائد العام للقوات المسلحة بالقائد (المرشد الأعلى) قد مكنته من بسط سلطته على الجيش النظامي والحرس الثوري معاً، والذي اصبح الاخير الذراع الأقوى لسلطة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية داخل الجمهورية وخارجها.
بعبارة أخرى يمكن القول ان القائد من منظور الدستور الإيراني تتجمع بيده جميع السلطات العليا في الجمهورية الإسلامية على الرغم من اعتناق هذا الدستور مبدأ الفصل بين السلطات، حيث أن القائد يعد قائد الجيش والحرس الثوري، ويشرف على القضاء، وله ممثلين ينوبون عنه في كل وزارة ومحافظة، كما ان القائد من خلال مجلس صيانة الدستور يبرز تأثيره في تشريع القوانين وضبط ملامح الحياة السياسية بما ينسجم مع رؤية القائد وفلسفته في إدارة الجمهورية الإسلامية وبما ينسجم مع طبيعة نظام الحكم الإسلامي القائم على أساس ولاية الفقيه العادل من جهة والمعايير الإسلامية المستمدة من المذهب الجعفري الاثنا عشري.
نخلص مما تقدم إلى ان منصب القائد أو المرشد الأعلى يمكن اعتباره خليفة المسلمين في الجمهورية الإسلامية في ايران في حالة النظر اليه من منظور الحكم الإسلامي، ويتشابه مركزه مع مركز البابا في دولة الفاتيكان، وفي الوقت نفسه يعد المرشد الأعلى أو القائد الرئيس الأعلى للحكم في ايران، وهو بهذا يمكن اعتباره رئيس الجمهورية من منظور النظم السياسية الوضعية المتعارف عليها.

ثانياً: تكييف جريمة اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في ايران
في الساعات الأولى من صباح يوم 28 شباط 2026 أقدمت الولايات المتحدة الامريكية و”اسرائيل”على تنفيذ هجمات بالطائرات على سكن ومقر عمل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في ايران (السيد علي الحسيني الخامنئي)، وهو الامر الذي أدى الى عروج روحه الى السماء مع استشهاد زوجة المرشد، وابنه وزوجته وحفيدته، واخرين من المتواجدين في محل الحادث.
وبالرجوع الى قانون العقوبات الإيراني نجد ان اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد (علي الخامنئي) وعائلته يمكن تكييفها على انها جريمة قتل عمدي ارتكبت من قبل رئيس “اسرائيل” (نتنياهو) والرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) باستخدام ظروف مشددة وهي استخدام مواد كيمياوية وبايلوجية شديدة الانفجار فضلاً عن الظرف المشدد الثاني وهو استهداف اكثر من شخص نتيجة ازهاق العديد من الأرواح التي كانت تسكن معه في مقر العمل والسكن، أي ان الجريمة تعد جريمة قتل عمدي مقترناً بظروف مشددة.
وتتمثل العقوبة التي اقرها قانون العقوبات الإيراني بالقصاص او الإعدام. حيث يعد القتل من الجرائم الخطيرة التي يعاقب عليها، مع إمكانية المطالبة بالتعويض عن جريمة القتل المرتكبة من الإدارة الامريكية والصهيونية.
وتختص محكمة طهران العامة والقانونية/ الفرع 55 (محكمة القضايا الدولية) بالنظر في هذه الجريمة وإصدار الحكم ضد المتهمين الرئيسيين والشركاء فيها، وعلى غرار الحكم الذي سبق وان أصدرته بشان اغتيال الجنرال (قاسم سليماني).
غير ان هناك العديد من التحديات التي تواجه تنفيذ هذا القرار ومنها اجراء المحاكمة الغيابية نتيجة عدم إمكانية احضار المتهمين الرئيسيين، فضلاً عن الحصانة التي يتمتع بها المتهمين الرئيسين حيث ان الدستور الأمريكي لسنة 1789 يمنح الرئيس حصانة من الإجراءات القضائية، كما أنَّ القانون الأمريكي لا يجيز تسليم الرئيس الأمريكي أو اخضاعه للمحاكمة أو تنفيذ الحكم الصادر ضده من أي دولة، فيما يتمثل التحدي الثالث في أنَّ القرار الذي سيصدر من المحكمة الإيرانية المذكورة أعلاه سيعتبر قراراً غير نهائياً وفقاً للقانون الإيراني، حيث يخضع لطلب المراجعة امام المحكمة لمدة شهرين من تاريخ الحكم أعلاه.
وعلى الرغم من إمكانية اجراء التحقيق والمحاكمة من قبل المحاكم العادية وباتباع نصوص قانون العقوبات الإيراني، غير أنه يمكن لمجلس الشورى الإسلامي ان يشرع قانون خاص لمحاكمة مرتكبي جرائم العدوان على الجمهورية الإسلامية سواء اكان ذلك بالنسبة الى جريمة اغتيال المرشد الأعلى وعائلته او بالنسبة لباقي الجرائم المرتكبة من قبل العدوان الصهيوامريكي وبالشكل الذي يحقق مبدأ التكامل مع القانون الجنائي الدولي، وهو ما سيكون محور الجزء الثاني من دراستناً.
([1]) ينظر الفقرة (5) من المادة (2) من الدستور الإيراني لعام 1979.
([2]) يتكون مجلس الخبراء في الوقت الحالي من (88) عضواً.
([3]) ينظر المادة (109) من الدستور الإيراني.
([4]) ينظر المادة (111) من الدستور الإيراني.
([5]) وفقا للمادة (91) من الدستور الإيراني يتالف مجلس صيانة الدستور من(12) عضوا ستة منهم من الفقهاء العدول العارفين بمقتضيات العصر وقضايا الساعة يختارهم القائد، وستة أعضاء من الفقهاء المسلمين في القانون يرشحهم رئيس السلطة القضائية ويوافق عليهم مجلس الشورى الإسلامي، ويختص مجلس صيانة الدستور بالتاكد من تطابق قرارات مجلس الشورى الإسلامي مع الإسلام، كما يختص مجلس صيانة الدستور بتفسير نصوص الدستور وفق المادة (98) من الدستور.
([6]) ينظر المادة (177) من الدستور الإيراني.
([7]) ينظر المادة (130) من الدستور الإيراني.



