الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

ترامب يفتقر إلى استراتيجية واضحة تجاه فنزويلا

 الرئيس الأميركي يتجاوز المعارضة الديمقراطية ويتعامل معها بالتجاهل

بقلم: كريستوفر ساباتيني

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

 

استيقظ العالم صباح السبت على أنباء تفيد بأن الجيش الأميركي بعد أشهر من التحشيد العسكري، نفّذ ضربات جوية استهدفت مواقع داخل فنزويلا بالتوازي مع عملية خاصة لا تزال تفاصيلها غير واضحة أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ووفقًا للرواية الأميركية من المقرر نقل الاثنين إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات تتعلق بالاتجار بالمخدرات وحيازة الأسلحة.

غير أن المفاجأة الأبرز لم تكمن في العملية العسكرية ذاتها بل في المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس الأميركي دونالد ترامب من منتجعه في مارالاغو عقب انتهاء العملية، فإلى جانب الخطاب التفاخرّي المتوقع أعلن ترامب على نحو مفاجئ أن الولايات المتحدة ستحتفظ بالسيطرة على فنزويلا إلى حين إتمام “مرحلة انتقالية” في الحكم.

بدت هذه التصريحات مثيرة للالتباس ومفتقرة إلى الأساس الواقعي، فبحسب تقارير واردة من داخل فنزويلا ما تزال الأجهزة الأمنية الموالية لمادورو منتشرة في شوارع العاصمة كراكاس ومدن أخرى من دون أي مؤشرات على انتفاضة شعبية أو تحرك منظم للمعارضة، كما أن القوات الأميركية لا تسيطر فعليًا على هذا البلد الشاسع الذي يقطنه نحو ثلاثين مليون نسمة. ومنذ فشل محاولة عام 2019 لتنصيب رئيس الجمعية الوطنية السابق خوان غوايدو رئيسًا انتقاليًا جعل ترامب من إزاحة مادورو هدفًا شخصيًا، إلا أن التطورات الأخيرة لا توحي في هذه المرحلة على الأقل بأن الهدف يتمثل في إعادة إطلاق مسار ديمقراطي حقيقي داخل البلاد. وتسعى إدارة ترامب إلى تبرير اعتقال مادورو وزوجته بوصفه عملية “إنفاذ قانون” محددة الهدف، فيما جرى تقديم الضربات العسكرية على أنها إجراء مكمّل وضروري لإنجاح العملية، وقد انسحبت القوة الخاصة سريعًا بعد تنفيذ مهمتها من دون الإعلان عن وجود عسكري أميركي دائم على الأرض في الدولة الأنديزية المنهكة.

أما الضربات الجوية فقد نُفّذت عن بُعد واستهدفت مجموعة من المواقع الحيوية من بينها مدارج طائرات وثكنات ومنشآت عسكرية وميناء بحري، من دون أن يترتب على ذلك أي حضور مادي مستمر للولايات المتحدة داخل فنزويلا، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول الكيفية التي تتصور بها واشنطن إدارة أو التأثير في أي عملية انتقال سياسي مستقبلية.

 

وفي هذا السياق تتجلى المفارقة الأساسية في المقاربة “الترامبية”، فعلى الرغم من وجود حكومة فنزويلية بديلة تحظى بشرعية انتخابية واضحة سارع ترامب إلى تجاهلها، ووفقًا لغالبية التقييمات الدولية المحايدة فازت قوى المعارضة في الانتخابات الرئاسية لعام 2024 حيث خاض المرشح إدموندو غونزاليس السباق ممثلًا عن زعيمة المعارضة المحظورة ماريا كورينا ماتشادو.

 

إلا أن الرئيس الأميركي بدلًا من الانفتاح على هذا التيار أعلن أن وزير خارجيته ماركو روبيو يجري محادثات مع نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز وهي شخصية خاضعة بدورها لعقوبات أميركية، وذهب ترامب إلى وصف رودريغيز بأنها “متعاونة” ومستعدة لـ”جعل فنزويلا عظيمة مجددًا” رغم تأكيده أنها لا تملك خيارًا آخر، وبعد ساعات قليلة ظهرت رودريغيز في خطاب متلفز إلى جانب وزير الدفاع ومدير الشرطة لتنفي الرواية الأميركية وتؤكد دعمها الكامل لمادورو. ويعكس هذا التوجه تفضيل ترامب لنهج قائم على الواقعية السياسية (Realpolitik)، يسعى إلى هندسة انتقال في السلطة عبر التفاهم مع أطراف من داخل النظام القائم بدلًا من الاستناد إلى الإرادة الشعبية، غير أن هذا المسار يتعارض بوضوح مع تطلعات غالبية الفنزويليين سواء داخل البلاد أو بين ما يقرب من ثمانية ملايين شخص اضطروا إلى مغادرتها خلال العقد الماضي.

ففي انتخابات تموز 2024 عبّر الناخبون بشكل لا لبس فيه عن رفضهم لمادورو ودائرته الضيقة إذ حصد إدموندو غونزاليس- وبصورة غير مباشرة ماريا كورينا ماتشادو- نحو 70 في المئة من الأصوات، وقد شكّل ذلك تعبيرًا واضحًا عن رغبة شعبية واسعة في التغيير والتحول الديمقراطي، وهي إرادة حظيت بإسناد معنوي دولي عندما منحت لجنة نوبل زعيمة المعارضة ماتشادو جائزة نوبل للسلام في أواخر العام الماضي.

وكان الأكثر إثارة للدهشة هو استخفاف ترامب من منتجعه في مارالاغو بالشرعية الشعبية التي تحظى بها ماريا كورينا ماتشادو، ففي المؤتمر الصحفي ذاته زعم الرئيس الأميركي أن (قيادتها ستكون صعبة للغاية) مضيفًا أنها لا تحظى بالدعم ولا بالاحترام داخل البلاد، ولم يكن من قبيل المصادفة على الأرجح أن ترامب كان قد سعى بنفسه بقوة للفوز بجائزة نوبل للسلام. وبالنظر إلى ذلك تبدو استعراضات ترامب في الثالث من كانون الثاني أقل ارتباطًا بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأكثر انسجامًا مع محاولة براغماتية محدودة لإزالة مصدر إزعاج إقليمي طالما تحدّى المعايير الديمقراطية، وأقام علاقات وثيقة مع أنظمة منبوذة مثل كوبا وإيران وروسيا.

 

 

إن إزاحة رئيس (فاسد ووحشي) من دون وجود خطة واضحة للانتقال السياسي، مع التعويل في الوقت نفسه على بقايا نظامه لتنفيذ هذا الانتقال، لا تمثل دعمًا للديمقراطية بل تشكل وصفة جاهزة للفوضى وعدم الاستقرار. ومنذ البداية اتسمت الخطة الأميركية بالتخبط وانعدام التماسك، فعندما شرعت الولايات المتحدة في حشد قواتها البحرية في آب كان الهدف المعلن هو وقف تدفق المخدرات من فنزويلا إلى الأراضي الأميركية، غير أن الوقائع كانت تشير إلى عكس ذلك إذ إن فنزويلا تُعد نقطة عبور لا مصدرًا رئيسيًا للكوكايين المتجه إلى السوق الأميركية كما أنها لا تنتج الفنتانيل خلافًا للادعاءات المتكررة لإدارة ترامب ومحاولاتها تصنيف نظام مادورو كـ(نظام إرهابي- مخدراتي)، وحتى لائحة الاتهام النهائية لم تتضمن سوى الكوكايين متجاهلة الربط السابق بأزمة الفنتانيل في الولايات المتحدة.

وخلال الأشهر الطويلة التي سبقت أحداث الثالث من كانون الثاني راهنت إدارة ترامب على أن يؤدي تخصيص قدر كبير من الأصول البحرية الأميركية إلى جانب الخطاب التصعيدي للرئيس إلى دفع الجيش الفنزويلي للانقلاب على مادورو، إلا أن سيناريو (تغيير النظام بأقل كلفة) لم يتحقق ومع بدء التصعيد بات من الصعب التراجع عنه، وحين فشلت سياسة التهديد والحشد في إحداث التحول المنشود انتقلت واشنطن إلى خيار القصف عن بُعد واعتقال مادورو نفسه وربما بمساعدة أطراف من داخل النظام. لكن النتيجة الفعلية اقتصرت على قطع رأس النظام من دون بناء بديل، وزرع الخوف لدى الفنزويليين من مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، فقد بدأت شخصيات من داخل نظام مادورو السابق من بينهم ديلسي رودريغيز، بالتنافس على النفوذ السياسي في أعقاب اختفاء الرئيس.

وقد يراهن ترامب على أن التلويح بمزيد من الضربات من الجو سيجبر بقايا النظام على الانصياع لإرادة واشنطن، غير أن تجاهل الشرعية الديمقراطية (لماتشادو) والقبول بحكومة انتقالية منبثقة عن التيار (المادوري)، لا يبدو مسارًا قابلًا لإيصال فنزويلا إلى الديمقراطية حتى وإن أبدت رودريغيز وآخرون في محادثاتهم المغلقة مع وزير الخارجية ماركو روبيو، لهجة مختلفة عن خطابهم العلني المتحدي.

في عام 2016 تعهد ترامب بوضع حد لـ(الحروب الأبدية) ووقف استنزاف الدم والموارد الأميركية في مشاريع تغيير الأنظمة، واليوم لا توجد في واشنطن أي رغبة حقيقية في نشر قوات على الأرض أو الالتزام طويل الأمد بجهود بناء الدولة، وهي متطلبات أساسية لأي انتقال ديمقراطي جاد في فنزويلا. كما أن ادعاءات ترامب المرتبكة بشأن سرقة نظام مادورو للاستثمارات النفطية الأميركية أو تسليم قطاع النفط لشركات أميركية لا تؤدي إلا إلى تعقيد المهمة الأميركية وتشويشها، وهي ادعاءات غير دقيقة أصلًا إذ إن عمليات التأميم والمصادرة الواسعة للأصول الأجنبية جرت في سبعينيات القرن الماضي، أي قبل وصول مادورو وسلفه إلى السلطة بوقت طويل.

وقد تسفر الضغوط العسكرية الأميركية في نهاية المطاف عن تسوية أكثر انفتاحًا على الديمقراطية، إلا أن مثل هذا السيناريو لن يكون ثمرة التزام حقيقي من ترامب وفريقه بحقوق الإنسان أو القيم الديمقراطية بل سيعتمد أساسًا على إرادة الشعب الفنزويلي، الذي عبّر في عام 2024 بشجاعة عن موقف موحد ومنح المعارضة فوزًا انتخابيًا معترفًا به دوليًا.

ورغم الخطاب الذي يصوّر فنزويلا وكأنها في طريقها للتحول إلى محمية أميركية مؤقتة فإن ترامب لا يمتلك فعليًا أدوات كافية لفرض هذا الواقع ما لم يلجأ إلى غزو شامل أو يشهد انقلابًا داخليًا دراماتيكيًا في كراكاس، وفي نهاية المطاف سيظل مستقبل فنزويلا رهينًا بالتزام الفنزويليين بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وبمدى استعداد الإدارة الأميركية للدفاع عن هذه القيم لا المتاجرة بها.

في الوقت الراهن يبدو أن ترامب يفضّل تحقيق مكاسب سريعة واستعراض القوة والبحث عن حكومة مستعدة لتلبية مطالبه الصفقاتية على الانخراط الجاد في دعم الديمقراطية، وهكذا يجد المواطن الفنزويلي نفسه مرة أخرى عالقًا بين فوضى ديكتاتورية اشتراكية من جهة وعدم اتساق وخطورة السياسة الخارجية الأميركية من جهة أخرى.

 

* Christopher Sabatini, Trump Has no Real Plan for Venezuela The U.S. president is snubbing the democratic opposition, FOREIGN POLICY, January 4, 2026.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى