الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

نيويورك بعد الزلزال الانتخابي: لماذا فاز زهران ممداني؟ ومن خسر فعلياً؟

بقلم: د. محمد حسن سعد

رئيس معهد وورلد ڤيو للعلاقات الدولية والدبلوماسية

 

في قلب نيويورك المدينة التي تُعرِّف نفسها بأنها مركز العالم لا مجرد نقطة على خريطته، حدث ما يشبه الزلزال السياسي، زلزالٌ لم يهز المباني بل زعزع البنى العميقة التي طالما حكمت إيقاع الحياة والسلطة فيها.

مدينة المال والإعلام واللوبيات التي اعتادت أن تُملي على الآخرين تعريف “النجاح”، وجدت نفسها أمام لحظة مراجعة: كيف يمكن لمرشّحٍ شاب اشتراكيّ ديمقراطي من أصول جنوب آسيوية ومسلم الديانة، أن يتقدّم على ماكينة حزبية وإعلامية ومالية عمرها عقود؟

إنه فوز لا يُقاس بعدد الأصوات فقط بل بالمعنى الذي حمَلته تلك الأصوات، ففي كل حيٍّ شعبي صوّت لممداني كانت هناك رسالة مزدوجة تُكتَب: الأولى تقول إن المدينة تريد أن تُعاد كتابتها من الأساس والقاعدة، من الناس الذين يدفعون الإيجارات لا من الذين يملكون الأبراج، والثانية تقول إن الحقبة التي تُدار فيها المدن بعقل السوق لا بعقل العدالة قد بلغت نهايتها الأخلاقية. نيويورك التي طالما بدت كأنها مرآة للرأسمالية الأمريكية في أقصى تجلياتها، بدأت تُعيد تعريف نفسها كمختبر للعدالة الإجتماعية، مدينة تتعلم من ذاتها وتواجه ظلّها الممتد داخل الحزب الديمقراطي، داخل الإعلام وداخل شبكات الدولة العميقة التي لا تريد لممداني أن يكون أكثر من “ظاهرة إنتخابية مؤقتة”.

لكن الزلزال هذه المرة باعتقادي كان أعمق من أن يُحتوى فما حدث في نيويورك ليس فوزاً انتخابياً فحسب، بل تبدّلٌ في بنية الخيال السياسي الأمريكي، هو في حقيقته انتقالٌ من “مدينة المال” إلى “مدينة المعنى”، من نخبةٍ تُقرِّر إلى قاعدةٍ تُعيد تعريف الممكن. ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: لماذا فاز زهران ممداني؟ ومن خسر فعلياً في هذه المعركة التي تجاوزت حدود المدينة لتطال روح الحزب الديمقراطي نفسه؟

 

أولاً: لحظة تاريخية في السياسة الحضرية حين يُعاد تعريف الممكن

أحياناً لا يُسجَّل التاريخ لأن الحدث ضخم بل لأنَّه دقيقٌ ومنحازٌ لحاجات الناس لأنَّه يغيّر نغمة الخطاب لا صخبه، ففوز زهران ممداني لم يكن مجرّد واقعة انتخابية، بل إعادة تعريف لما يُمكن أن يُسمّى “المدينة السياسية” في القرن الحادي والعشرين، إنه بوضوح الحدث الذي جعل من نيويورك عاصمة المال والعلاقات العامة والنفوذ الحزبي ساحةً تُعيد اكتشاف ذاتها بوصفها كياناً إجتماعياً حياً، لا مجرّد منظومة اقتصادية تُدار من الأعلى. ممداني لم يدخل التاريخ لأنه أول مسلم من أصول جنوب آسيوية يتولى المنصب فحسب، بل لأنه كسر تسلسل الشرعية الذي طالما جعل الوصول إلى الحكم حكراً على من يجيد التدرّج داخل هرم الحزب، والانصياع للوبيات وتوجهات الدولة العميقة، لا على من يجيد الإصغاء للناس.

لقد صعد من قاعدةٍ سياسية محلية قوامها المتطوعون وسكان الأحياء، لا من نوافذ “التمويل الكبير” ولا من موائد التحالفات المبطنة، هكذا واجه “شيفرة الخبرة” و”تراتبية التدرّج” و”تسلط اللوبيات” وهيمنة الراسمالية المتوحشة، التي جعلت السياسة الحضرية في الولايات المتحدة حقلا ًمغلقاً على نخبةٍ تُدير الخطاب أكثر مما تُدير المدينة.

لقد صوّتت نيويورك المدينة التي تُعرّف نفسها منذ عقود بأنها مختبر للأمريكية المدنية لبرنامجٍ يجرؤ على وضع السكن الميسور والنقل العام والسلع الأساسية في قلب العقد الإجتماعي الجديد، بكلماتٍ أخرى صوّتت لفكرة أن العدالة ليست ترفاً في المدن الغنية بل شرطاً لبقائها، وأنّ العمدة لم يعد يُقاس بقدرته على اجتذاب المستثمرين أو موازنة الميزانيات فحسب بل بقدرته على إعادة توزيع المدينة نفسها مساحاتها مواردها واهتمامها العام. لقد كانت الرسالة واضحة وصادمة في آن: المواطن يريد إدارةً للمدينة لا إدارةً للمصالح، إنه يريد من العمدة أن يكون ممثلاً لحياة الناس لا وسيطاً بين الناس والنظام، ومن هنا جاءت لحظة ممداني كلحظةٍ تأسيسية في السياسة الحضرية الأمريكية، لحظةٍ يختبر فيها الخيال السياسي نفسه: هل يمكن لمدينةٍ بحجم نيويورك أن تُدار وفق قيم العدالة لا حسابات النفوذ؟ لقد أجابت صناديق الاقتراع: نعم، ولو لمرةٍ واحدة، فإن الممكن تغيّر فعلاً.

 

 

ثانياً ـــ ثلاث محرّكات اجتماعية ـــ إقتصادية للفوز: حين ينتصر البرنامج على البروباغندا

السياسة تفوز عندما تتحول من خطاب إلى أداة معيشة، وهذا ما فعله زهران ممداني ببراعة نادرة، لقد جعل الناس يرون السياسة لا كمنظومة رمزية معقدة بل كامتدادٍ يوميٍ لطريقة عيشهم فبينما انشغل خصومه بحروب اليافطات والخوف والمال، كانت حملته تشتغل على هندسةٍ دقيقة للعلاقة بين الألم الإجتماعي والحل العملي. هكذا انتصر البرنامج على البروباغندا، والاحتياجات على الشعارات، هذا البرنامج التي ارتكز على أسس يمكن اختصارها بما يلي:

 

  1. إقتصاد المعيشة اليومية

لم يقدّم ممداني برنامجاً مؤدلجاً بقدر ما قدّم خريطةَ حياةٍ واقعية: تجميد الإيجارات، خفض كلفة النقل العام وتوسيع دعم رعاية الأطفال بتمويلٍ قائمٍ على ضرائب تصاعدية تستهدف الريوع الكبيرة لا الدخول المحدودة. لقد فعل ما لم يفعله الساسة من قبله سمّى الألم ثم اقترح علاجاً له، وهو ما جعل حملته تخرج من أروقة الخطاب النظري إلى واقع الأحياء، حيث لم تعد كلمة “العدالة” مصطلحاً أخلاقياً بل سياسةً سكنية، ولم تعد “الكرامة” شعاراً بل حافلةً تعمل في موعدها.

 

  1. ماكينة القواعد بدل ماكينة المانحين

في مواجهة ترسانة المال والإعلانات اختار ممداني طريقاً أبطأ ولكنه أصدق، طريق الحيّ والبناية والباب المفتوح واعتمد على تبرعات صغيرة من الناس الذين يخاطبهم، ومتطوعين كثُر يعملون في الأزقة والشوارع والمحالّ الصغيرة. لقد كان حضور القاعدة الشعبية سلاحه الحقيقي والوجه الإنساني لحملته، وحين واجهت الحملة ضغوط الإعلام والممولين، كان الردّ من الميدان: آلاف الأقدام التي طرقت الأبواب بدل آلاف الدولارات التي تشتري البثّ التلفزيوني.

 

  1. وضوح أيديولوجي لا يراوغ

في زمنٍ باتت فيه السياسة الأمريكية تُدار كحقلٍ للغموض المحسوب، قرر ممداني أن يتحدث بوضوحٍ مبدئي:

عن العدالة الإجتماعية، والعرقية، وحقوق الإنسان، بما فيها الموقف الأخلاقي من فلسطين، لم يُدلّك عباراته ولا لجأ إلى “المكياج السياسي”، بل قدّم صدقاً في زمن التمويه. والمفارقة أن هذا الوضوح الذي حذّرت المؤسسة من أنه “سيقصي الناخب الوسطي”، فعل العكس تماماً إذ طمأن الناس لأنّ ما يُقال هو ما سيُنفّذ، فاستعادوا الثقة بالسياسة كفعلٍ أخلاقي لا كمسرحٍ لغوي. لقد جمع ممداني بين صدقٍ في الموقف ودقّةٍ في التنظيم، وبين لغةٍ إنسانيةٍ وبرنامجٍ تقنيّ واقعي ومن هذا المزيج وُلد التحوّل، تحوّل المدينة من كتلة ناخبين إلى كتلة مواطنين، ومن منافسة انتخابية إلى مشروعٍ حضريّ يعيد تعريف من يملك الحق في الحلم بمدينةٍ عادلة.

 

ثالثاً: “التحالف المضاد”: عندما يجتمع الخوف وتتفكك فعاليته

في كل معركةٍ سياسية حقيقية يتجمّع الخوف قبل أن يتجمّع الأمل، وحين بدأ زهران ممداني يقترب من الفوز، تحرّكت جبهة الخوف بكامل أجنحتها الإعلام المالي واللوبيات المتحالفة مع (إسرائيل)* وشبكات الحزب الديمقراطي التقليدي والحزب الجمهوري الذي رأى في ترشحه خطراً رمزياً على خطاب “المدينة المنضبطة”.

لكن هذه الجبهة رغم اتساعها وقعت في مأزقٍ مزدوج، كثرة الرسائل وغياب الحقيقة وإدارة حملة تخويفٍ متقنة ضد ممداني، وفوق كل ذلك جُرِّب كل ما يُستخدم عادةً لإسقاط المرشحين التقدميين شيطنته بوصفه “راديكالياً”، التشكيك في وطنيته التلميح إلى “علاقاته الخارجية” ثم أخيراً، استخدام ورقة (إسرائيل) وغزة لتقويض صدقيته الأخلاقية.

لكن هذه الأدوات التي كانت تنجح سابقاً في تحريك المخاوف الغريزية لدى الناخبين اصطدمت هذه المرة بضميرٍ مدنيٍّ جديد تشكّل في الشارع الأمريكي الحضري منذ احتجاجات 2020. فالناخب النيويوركي لم يعد يرى في “التقدمي” خطراً، بل فرصة لإصلاح مدينةٍ باتت تدار بعقل الشركات لا بعقل السكان. اللوبيات المؤيدة (لإسرائيل) راهنت على شيطنة ممداني بسبب مواقفه الواضحة من غزة، لكنّ مشاهد المجازر التي تناقلها الإعلام والناشطون جعلت آلة التخويف هذه تصدا أمام موجة التعاطف الإنساني العارم. لقد اكتشف الناخب الأمريكي الحضري أن التضامن مع الضحايا ليس ضد “الأمن” بل هو جوهره الأخلاقي، ومن هنا تحوّل الموقف الأخلاقي إلى سلوكٍ انتخابيٍّ واعٍ، لا مجرد شعورٍ عابر.

أما الحزب الجمهوري والرئيس ترامب فقد حاولوا استثمار فوز تقدمي في نيويورك لتخويف باقي المدن الزرقاء، لكن تهديداتهم بتقليص الدعم الفيدرالي أو تجفيف التمويل لم تُخِف أحداً، بل عززت الشعور بالكرامة الحضرية وجعلت التصويت لممداني فعلَ مقاومةٍ مدنية ضد الشعبوية العقابية.

ثم هناك “الدولة العميقة” داخل الحزب الديمقراطي نفسه، هذه الشبكات التي تعيش في طبقات الإدارة والمؤسسات والمصالح المتشابكة مع رأس المال لم تُرِد لهذا الشاب أن ينجح، إذ خشيت أن يتحول فوزه إلى سابقةٍ تُلهم مدنًا أخرى وأن يثبت أن القاعدة الشعبية قادرة على هزيمة التمويل المؤسسي فمارست تواطؤاً صامتاً، دعمٌ فاتر وتغطية إعلامية مترددة ورسائل مبطّنة عن “عدم جاهزيته”. لكنّ القاعدة الحضرية التي صعدت مع موجات 2018 و2020 و2024 لم تعد قابلة للترويض، لقد عرفت أن قوتها في التنظيم لا في الترخيص وفي الحشد لا في الاستئذان، وهكذا انهزم “التحالف المضاد” أمام تماسك فكرة بسيطة لكنها ثورية، أن الشرعية السياسية لا تُمنح من فوق بل تُصنع من تحت وأن الخوف مهما تعددت مصادره ينهار حين يواجه واقعاً حياً يُصرّ على التغيير. لقد اجتمع الخوف من كل الجهات، لكنه تفكك أمام لحظةٍ حضريةٍ نادرة، لحظةٍ اكتشف فيها المواطن أن ما يخيف النخبة ليس فوضى الشارع بل نظام العدالة حين يتحقق فعلاً.

 

رابعاً: كيف هُزم التحالف؟ القاعدة المدنية تتفوّق على سردية الأمن المصطنع

 التحالف المضاد سقط ليس لأنه ضعف تنظيمياً بل لأنه واجه واقعاً لم يعد يقبل الأكاذيب القديمة، ففي السنوات الأخيرة تغيّر الوعي الحضري في نيويورك جذرياً، لم يعد المواطن يبتلع خطاب “الخطر” كذريعةٍ لإدامة احتكار السلطة ولا يرى في “الأمن” مبرراً لتجويع الخدمات وتهميش الناس. لقد أدرك الناخبون أن الأمن الحقيقي لا يُقاس بعدد الكاميرات في الشوارع، بل بعدد الأسر التي تستطيع أن تسكن بكرامة، وتتحرك بحرية وتتعالج دون خوفٍ من الفواتير. في مواجهة هذا الوعي الجديد جاءت ماكينة التخويف الإعلامية والحزبية والأمنية لتعيد إنتاج سرديةٍ مصطنعة وهي أن فوز ممداني سيجعل المدينة أقل أماناً، وأن “التقدميين” لا يفهمون في إدارة المدن المعقدة لكن الردّ الشعبي كان قاطعاً فمن يعيش في المدينة يعرف ما الذي يجعلها آمنة حقاً، ليس مزيداً من الدوريات بل مزيداً من العدالة ليس تقليص ميزانية النقل والإسكان بل الاستثمار في البشر قبل البنى. وكان هذا الانتصار نتيجة تحوّل الوعي المدني من الانتماءات الأيديولوجية إلى تقييم الواقع اليومي للمواطنين، ما يمهّد لقراءة جديدة لأسباب فوز ممداني وتجلياتها العملية في الهوية والمعيشة، والموقف الأخلاقي ويمكن إيجاز هذه الاسباب بما يلي:

 

  1. هوية مدنية تتقدّم على الأيديولوجيا الوطنية

الناخب النيويوركي لم يصوّت لممداني لأنّه منتمٍ إلى تيارٍ أو حزبٍ بعينه بل لأنه رأى فيه حاكماً مدنياً قادراً على إدارة المدينة بمنطق الناس لا منطق واشنطن، وبدا واضحاً ان التصويت تجاوز الانقسام التقليدي بين “الديمقراطي والجمهوري” إلى وعيٍ مدني جديد يرى في البلدية مختبراً للعدالة اليومية، لا ساحةً لحروب الرموز الوطنية.

 

  1. تفاصيل المعيشة تهزم ثقافة التهويل

حين يكون الإيجار نصف الدخل والمواصلات عبئاً يومياً والرعاية الصحية امتيازاً لا حقاً، فإنّ كلّ دعاية عن “الخطر الأحمر” أو “اليسار الفوضوي” تفقد معناها. ممداني لم يخض معركة هوية (خاض معركة حياة) وبهذا الانحياز إلى التفاصيل اليومية، قلب ميزان الخوف رأساً على عقب جعل الخطاب الإقتصادي أداة نزع سلاحٍ من أيدي خصومه، الذين لم يجدوا إجابة واحدة على سؤالٍ بسيط، كيف يعيش الناس؟

 

  1. التعاطف مع غزة يتحول إلى سلوكٍ انتخابي

للمرة الأولى في تاريخ نيويورك انتقل الموقف الأخلاقي من الشارع إلى الصندوق الانتخابي مئات الآلاف الذين خرجوا في مظاهرات رفض الحرب وجدوا في ممداني ممثلاً لقيمهم الإنسانية، لا مجرّد سياسي متعاطف إذ سقطت محاولة تجريم التضامن، وتحولت “غزة” من تهمةٍ سياسية إلى بوصلةٍ أخلاقية أعادت تعريف معنى الحرية في المدينة. لقد أدرك الناخبون أن من يقف مع المظلومين في العالم لن يصمت عن المظلومين في برونكس وكوينز وبروكلين، وهكذا تهاوت رواية الأمن المصطنع أمام شرعيةٍ جديدة قوامها الثقة والمشاركة وبوضوح شديد لقد انتصرت القاعدة المدنية لأنها بنت أمنها على العدالة لا على الخوف، وانهزمت التحالفات القديمة لأنها اكتشفت متأخرة أن المدن لا تُدار بالخطابات بل بالمعنى الذي تمنحه الحياة اليومية لمواطنيها.

 

بهذا المعنى لم يكن فوز ممداني مجرّد انتصار انتخابي بل لحظة انكشاف كبرى، انكشاف أنّ الخطر الحقيقي لم يكن “اليسار الجديد”، بل الجمود القديم الذي كان يختبئ خلف شعار “الأمن” ليحمي امتيازاته من التغيير.

 

خامساً: ولاية الحكم في نيويورك أجندة صعبة ولكنها قابلة للتحقق

حين صعد زهران ممداني إلى المنصّة بعد إعلان فوزه كان يدرك أنه لا يرث مدينةً بل معادلةً مختلّة بين العدالة والسلطة، ففي نيويورك كما في معظم المدن الكبرى يتجاوز التحدي مجرد إدارة شؤون الناس إلى إعادة هندسة العقد الإجتماعي بين الدولة المحلية وسكانها. إنها ليست معركة قوانين فقط، بل معركة رؤى كيف يمكن لمدينةٍ تُعدّ مركز المال والإعلام والثقافة في العالم أن تعيد تعريف النجاح لا بالثروة، بل بالعدالة؟

يدرك ممداني أن الطريق أمامه ليس معبًّداً فهو يواجه بنية بيروقراطية متكلّسة وإقتصاداً عقارياً متوحشاً ومصالح مالية تتقاطع مع السياسة في كل مفصلٍ من مفاصل المدينة لكنه يدخل اللعبة ومعه ما لم يكن متاحاً لأسلافه، تفويض شعبي نابع من إحساسٍ جماعي بالاختناق ذلك الشعور الذي عبّر عنه أحد الناخبين في حيّ كوينز حين قال لصحيفة محلية، “لسنا نطلب معجزة فقط أن تُدار المدينة كما لو أن أهلها بشر”.

 

وبناء على ما تقدم يمكن اختصار أجندة زهران ممداني بالركائز التالية:

  1. السكن كحقّ لا كسلعة

في قلب أجندة ممداني يقف ملفّ الإسكان الميسور المدينة التي تُنفق مليارات على الأبراج الزجاجية تعاني من أزمة إيواءٍ مزمنة، حيث يتصاعد عدد المشردين بوتيرةٍ غير مسبوقة ممداني يطرح تصوراً جذرياً، وهو  تحويل بعض العقارات غير المأهولة المملوكة للصناديق الاستثمارية إلى إسكانٍ إجتماعي بإدارة مدنية شفافة.

هذه الفكرة، التي تبدو مثالية للبعض تلقى دعماً متزايداً في أوساط الشباب والطبقة الوسطى المتآكلة، الذين باتوا يدركون أن “السوق الحر” تركهم بلا مأوى.

 

  1. النقل العام كأداة عدالة

ليس من قبيل المبالغة القول ان مشروع ممداني لتوسيع شبكة النقل العام ليس مجرد بنية تحتية بل فلسفة مواطنة فالنقل في مدينته ليس وسيلة تنقل فقط بل مؤشر ديمقراطي على من يملك الحق في الحركة، وهو يطمح إلى خفض تكلفة المواصلات وربط الأحياء المهمّشة بخطوط المترو الرئيسية، بما يعيد دمج “الهامش الجغرافي” في قلب المدينة السياسي والاقتصادي.

 

  1. إقتصاد الناس أولاً

ممداني لا يرفع شعار “مكافحة الفقر” بالمعنى الخيري بل يتحدث عن إعادة توزيع فعلي للثروة المحلية عبر ضرائب تصاعدية أكثر عدلاً، واستثمارٍ مباشر في المشاريع الصغيرة والتعاونية، إنها محاولة لتحرير المدينة من إقتصادٍ رأسمالي يقوم على المضاربة، إلى إقتصادٍ مدني يقوم على المشاركة.

 

  1. الموقف الأخلاقي كرافعة سياسية

في ظلّ عالمٍ يزداد فيه الخلط بين الأخلاق والسياسة يصرّ ممداني على أن العدالة لا تتجزأ، فمن يدافع عن حقوق سكان “الهارلم” لا يمكن أن يصمت عن الإبادة في “غزة”، هذه المقاربة الأخلاقية الشجاعة تمنحه رأسمالاً معنوياً نادراً لكنها في الوقت نفسه تجعله في مواجهة مفتوحة مع الإعلام المحافظ واللوبيات الخارجية، ومع ذلك يراهن على أن الصدق في زمن التمثيل قد يكون أكثر تأثيراً من أي حملةٍ ممولة.

إن أجندة ممداني ليست سهلة لكنها ليست مستحيلة أيضاً، فهو يتحرك ضمن فلسفة جديدة للمدينة، وهي أن تكون الإدارة الحضرية أداة تحقيقٍ للعدالة، لا إدارةً للانكماش وأن يُقاس نجاح العمدة لا بحجم الاستثمارات بل بمدى شعور الناس بأنهم مرئيون ومسموعون. ربما لن يحقق كل ما وعد به، لكنّ الأهم أنه أعاد فتح السؤال الذي حاولت النخب طمسه هل يمكن لمدينة رأسمالية كبرى أن تُدار بعدالةٍ إنسانية؟ فوز ممداني لم يُجب عن السؤال بعد، لكنه جعل طرحه ممكناً، وذلك وحده في زمن العجز إنجاز سياسي لا يُستهان به.

 

سادساً: ما بعد ممداني التحوّل من الحدث إلى النموذج

كل انتصارٍ سياسيٍ عابرٍ يحمل في جوفه احتمال أن يتحوّل إلى نموذجٍ تاريخي أو أن يُستهلك في ضجيج اللحظة، ففوز زهران ممداني ليس مجرّد نهاية لمعركة انتخابية، بل بدايةٌ لامتحانٍ فكري وأخلاقي في واحدة من أكثر المدن رمزية في العالم. فمنذ أن صعد إلى المنصّة لم يكن يُحتفى به كفردٍ ينجز حلمه الشخصي بل كرمزٍ لجيلٍ كاملٍ يُعيد تعريف “النجاح السياسي” خارج قوالب المال والإعلام والولاء للمؤسسة فما فعله ممداني هو أنه كسر التعويذة القديمة، القائمة على أن الطريق إلى السلطة يمر عبر الرضا المسبق من المانحين والدوائر الخفية في الحزب. لقد دخل المشهد من الباب الذي لم يكن موجوداً أصلاً باب الناس، ومن هناك أعاد تعريف مفهوم “الشرعية” ليست من فوق بل من تحت، ليست بمدى القبول في الصحافة أو غرف النفوذ، بل بمدى صدق الصلة مع القاعدة المدنية.

غير أن فوزه هذا لم يكن بلا أعداء فالدولة العميقة داخل الحزب الديمقراطي بكل ما تمثله من بيروقراطية وحذرٍ مؤسسي وتوجسٍ من الخطاب التقدمي لم تخف امتعاضها من صعوده، فممداني لا يهدد موقع أحدٍ في السلطة فحسب بل يهدد فلسفة الحكم ذاتها فهو يُعيد مركز الثقل من النخب إلى الناس من الحسابات التكتيكية إلى المواقف الأخلاقية، ولذلك تسعى القوى العميقة الآن إلى “تطويقه” داخل إكراهات الإدارة اليومية وإغراقه بتفاصيل البيروقراطية التي أرهقت قبله رؤساء بلديات آخرين. لكن ما يميّز ممداني أنه لا ينظر إلى الحكم كصفقةٍ لإدارة الممكن بل كمختبرٍ لتوسيع حدود الممكن، هذه التجربة إن استمرّت ونجحت ستكون نقطة تحوّل في الوعي الأمريكي الحضري وستكون أيضاً نموذجاً يثبت أن المدينة يمكن أن تكون اشتراكية في العدالة، رأسمالية في الابتكار إنسانية في المبدأ.

وإذا فشل فإن فشله سيترك بصمته أيضاً، لأن الناس سيتذكرون أن أحدهم جرّب أن يحكم بشجاعةٍ أخلاقية، في زمنٍ صارت فيه الأخلاق تهمة. إن ممداني لم يَعِد الناس بالمدينة الفاضلة، بل بشيءٍ أبسط وأعمق، أن تكون المدينة عادلة بما يكفي ليشعر الناس أنهم جزءٌ من قصتها. وفي عالمٍ تزداد فيه المدن كبراً وتقلّ فيه المعاني، تلك وحدها ثورةٌ مكتملة المعنى. نيويورك التي كانت دائماً مرآةً للويات المتحدة الأمريكية ربما تتحوّل الآن إلى ضميرها وبالتالي فإن نجح ممداني، لن يكون قد فاز بمنصب بل دشّن عصراً جديداً في السياسة الحضرية، عصرٌ يُقاس فيه النجاح بمدى إنسانيّة السلطة، لا بسطوتها. وحينها فقط، سيُقال إن نيويورك المدينة التي اعتادت أن تُصدّر المال، قد بدأت تُصدّر المعنى.

 

*  لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة (إسرائيل)، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى