الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
مضيق تايوان: المخاطر الكامنة بين الحرب المقصودة والأخطاء غير المقصودة

بقلم: جويل ووثنو
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
تزايدت التوترات في مضيق تايوان مما أثار مخاوف جدية من احتمال اندلاع صراع بين بكين وتايبيه، ويرى معظم المراقبين احتمالين رئيسيين لحدوث النزاع، الاحتمال الأول يُعرف بـ”حرب الاختيار” حيث قد تسعى بكين للسيطرة على تايوان بالقوة بعد تقييم دقيق للمخاطر الاقتصادية والعسكرية والسياسية إذ يعكس هذا الخيار – في حال تنفيذه دون استفزاز مباشر – تقدير القادة الصينيين بأن الاستيلاء على الجزيرة ممكن بتكلفة محدودة، أما الاحتمال الثاني فهو “حرب الضرورة” التي قد تُشن إذا شعرت بكين بأن تايوان تجاوزت خطًا سياسيًا أحمر يهدد سيطرة الصين على الجزيرة بشكل دائم، مثل إعلان استقلال رسمي من تايبيه الأمر الذي سيؤدي على الأرجح إلى رد عسكري بغض النظر عن التكاليف.
هناك احتمال ثالث أقل تداولًا لكنه قد يكون الأكثر واقعية وهو اندلاع صراع نتيجة حادث أو سوء تقدير يتصاعد خارج السيطرة ويُعرف بـ”حرب الصدفة”، وتزداد مخاطر هذه الحرب في مضيق تايوان مقارنة بمناطق أخرى من العالم بسبب القرب الجغرافي للقوات العسكرية إضافة إلى تعقيدات الديناميكيات السياسية الداخلية على كلا الجانبين التي تجعل من الصعب التراجع، كما يرفع احتمال تدخل الولايات المتحدة لصالح تايوان من حدة المخاطر إذ يمكن أن تتصاعد مواجهة صغيرة عرضية إلى صراع واسع النطاق.
على عكس حرب الاختيار أو حرب الضرورة السياسية التي يمكن الوقاية منها عبر تعزيز الردع ضد الصين أو منع تايوان من السعي لتحقيق استقلال قانوني لا يمكن للصين أو تايوان أو الولايات المتحدة القضاء تمامًا على خطر حرب الصدفة، ومع ذلك يمكن للقيادة الحكيمة إدارة هذه المخاطر بشكل فعّال، فالصين وتاييوان بحاجة للحفاظ على قنوات اتصال سرية مستمرة لمناقشة سبل الوقاية من الأزمات ووضع خطط للتخفيف من التصعيد، كما يجب على الولايات المتحدة وتاييوان تعزيز الحوار حول اتخاذ القرارات في الأزمات والحفاظ على الغموض الاستراتيجي الأمريكي الذي يتيح مرونة الرد على أي عدوان صيني محتمل. كما ينبغي على الصين ممارسة ضبط النفس العسكري والسيطرة على العناصر المتشددة التي قد تثير النزاع، إن الحروب الناتجة عن الصدفة بطبيعتها مفاجئة وغير متوقعة وغالبًا ما تكون عواقبها مدمرة، ومن ثم يمكن للتنسيق الحذر بين الأطراف المعنية أن يمنع وقوع حرب من هذا النوع في مضيق تايوان.
حوادث التاريخ
من السهل تصور سيناريو يؤدي إلى اندلاع حرب عرضية في مضيق تايوان، تخيل أن طائرة مقاتلة تابعة للجيش الصيني الشعبي (PLA) تقترب كثيرًا من تايوان وتتجاهل التحذيرات المتكررة، فيرد الجيش التايواني بإسقاط الطائرة بصواريخ سطح-جو ما يؤدي إلى مقتل الطيار، غاضبة تصدر بكين أوامر لتدمير بطاريات الدفاع الجوي التايوانية ما يسفر عن مقتل عشرات الجنود التايوانيين. عندها تبدأ الولايات المتحدة في التعبئة العسكرية تحسبًا لتصعيد أكبر في المنطقة، فيستجيب الجيش الصيني بتعزيز قواته، ومع عدم رغبة أي طرف بالتراجع وتفسير كل طرف تحركات الآخر كعدوان، تتسارع الأزمة بسرعة نحو التصعيد.
تاريخيًا هناك العديد من الأمثلة على مثل هذه الحروب العرضية، الحرب العالمية الأولى بدأت باغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند على يد قومي صربي عام 1914 ما أدى إلى سلسلة من التحركات العسكرية بين التحالفات الكبرى وانتهى بإشعال صراع عالمي كامل، كما أن الحروب العرضية لا تتطلب بالضرورة أعمال عنف سياسية كبرى، فقد بدأت الحرب الثورية الأمريكية عندما أطلق جندي بريطاني النار على ميليشيات محلية في كونكورد ماساتشوستس مخالفًا للأوامر فيما عرف بـ”الطلقة التي أُطلقت حول العالم”، والتي مهّدت لاستقلال الولايات المتحدة. ومثال آخر الحرب البيلوبونيسية في القرن الخامس قبل الميلاد بدأت بخلاف محلي في مدينة إبيدامنوس وتصاعدت لتشمل تحالفات كبرى بين أثينا وسبارتا، بينما اندلعت الحرب الأفيونية الثانية عام 1856 بعد اعتقال مسؤولي الصين لطاقم سفينة بريطانية، ما أدى إلى هجمات إنجلترا على الحصون الصينية الساحلية قرب كانتون في حادث أصبح رمزًا لما يسمى بـ”قرن الإذلال” للصين.
من المرجح أن يزيد الضغط الصيني على تايوان في السنوات المقبلة، ومع تعود تايوان على المناورات العدوانية وفقدان هذه الإجراءات تأثيرها المتوقع سيتعين على الجيش الصيني إضافة إجراءات أقوى وزيادة المخاطر تدريجيًا،..
تشير التجارب التاريخية إلى أن ثلاثة عوامل أساسية تزيد من احتمالية نشوب حرب عرضية
أولها: هو التماس المستمر بين القوات المتقابلة، كما كان بين الجنود البريطانيين وميليشيات المستعمرين الأمريكيين قبل الثورة الأمريكية، ما يزيد احتمال وقوع حوادث.
ثانياً: الديناميات السياسية الداخلية، حيث تجعل الضغوط على القادة من الصعب التراجع خاصة عندما يتعلق الأمر بالمكانة والشرف وسمعة الدولة، مثال على ذلك التغطية الصحفية المثيرة في بريطانيا عام 1856، التي أثارت غضب الرأي العام وأسهمت في الرد البريطاني القاسي ضد الصين.
واخيراً: تعبئة الحلفاء، إذ يمكن أن يحوّل تحرك أحد الحلفاء النزاع إلى مواجهة أكبر، كما حدث في الحرب البيلوبونيسية والحرب العالمية الأولى.
العاصفة المثالية في مضيق تايوان
كل هذه العوامل موجودة اليوم في العلاقات عبر المضيق، فالجيش الصيني يقترب تدريجيًا من الجزيرة الرئيسية لتايوان لتقليص الحدود غير الرسمية بين الطرفين، ففي كانون الثاني الماضي عبرت الطائرات الصينية الخط الأوسط للمضيق 248 مرة مقارنة بـ72 مرة في كانون الثاني 2024، وفي نيسان 2024 اقتربت مقاتلة صينية إلى نحو 40 ميلًا من الجزيرة أي خمس دقائق فقط إلى وسط تايبيه. كما دخلت سفن البحرية الصينية منطقة تايوان البحرية المتاخمة (24 ميلًا بحريًا) لأول مرة ضمن تمرين “رعد المضيق” (Strait Thunder) العسكري، كما اقتربت سفن خفر السواحل الصينية من الأراضي التايوانية، واعتقلت طاقم سفينة مرفوعة علم تايوان قرب جزيرة كينمن، وهي حادثة نموذجية قد تشعل حربًا بالخطأ.
من المرجح أن يزيد الضغط الصيني على تايوان في السنوات المقبلة، ومع تعود تايوان على المناورات العدوانية وفقدان هذه الإجراءات تأثيرها المتوقع سيتعين على الجيش الصيني إضافة إجراءات أقوى وزيادة المخاطر تدريجيًا، قد تتجاوز طلعات الطيران الصينية الأجواء الإقليمية لتايوان وتقترب السفن أكثر من المياه الإقليمية للجزيرة، ما يزيد احتمالية وقوع تصادم أو سوء تقدير من قبل الدفاعات التايوانية.
في حال وقوع حادث سيكون من الصعب إيجاد مخرج بسبب الاعتبارات السياسية للقيادات على جانبي المضيق، فلا قائد صيني يريد التراجع أمام ما اعتبرته بكين حركة انفصالية، ولا يريد فقدان هيبته إذا تدخلت الولايات المتحدة أو قوى أخرى لدعم تايوان لأن ذلك قد يثير مشاعر قومية قوية، أما قيادة تايوان فقد ترغب في الحذر من التصعيد نظرًا لضعف القوة العسكرية لكنها ستواجه ضغوطًا سياسية داخلية إذا تراجعت بسهولة لا سيما مع دعم حوالي ربع سكان الجزيرة لاستقلال جزئي أو مستقبلي.
أخيرًا يمكن لتدخل الولايات المتحدة أن يوسع نطاق الأزمة، فقد يصعب على واشنطن التمييز بين حادث عارض واستفزاز متعمد أو تفسير الأحداث كمقدمة لغزو ما قد يدفعها لنشر قواتها في المنطقة، الضغوط الحزبية المتشددة على البيت الأبيض قد تجبر الرئيس على التحرك السريع ما قد يؤدي إلى تصعيد وشن ضربات وقائية إذا شعرت بكين بتهديد وشيك من الولايات المتحدة.
المخاطر المتصاعدة في مضيق تايوان
تشكل الأفعال العسكرية المتهورة للصين خطرًا إضافيًا يزيد من احتمال اندلاع حرب بالخطأ في مضيق تايوان، فقد تكون نوايا بكين من إرسال الطائرات الحربية وعبور السفن هي ممارسة ضغط نفسي على حكومة تايوان بقيادة الرئيس المؤيد للاستقلال ويليام لاي دون الدخول في صراع مسلح لكن تصرفات الطيارين والبحارة الفردية قد تتجاوز الخطوط عن غير قصد، فقد تقترب هذه الوحدات كثيرًا من المناطق التي التزمت تايوان بالدفاع عنها أو تصطدم بطائرات أو سفن مرفوعة علم تايوان عن طريق الخطأ مما قد يوقع بكين في دوامة تصعيدية غير مقصودة يصعب الخروج منها.
حادثة تصادم طائرة (J-8) تابعة للبحرية الصينية مع طائرة استطلاع أمريكية (EP-3) في بحر الصين الجنوبي عام 2001 تعد مثالًا تحذيريًا، فقد قتل الطيار الصيني وهبطت الطائرة الأمريكية اضطراريًا في جزيرة هاينان الصينية، ورغم أن الطيار الصيني كان المسؤول عن الحادث لم تتمكن بكين من التراجع بسهولة بسبب الغضب الشعبي، فاحتجزت طاقم الطائرة الأمريكي لمدة عشرة أيام وأفرجت عنهم بعد صدور بيان رسمي من واشنطن يعبر عن “الأسف”.
ورغم أن هذه الحادثة كان من الممكن أن تشكل عبرة لبكين فإن حوادث مماثلة استمرت في المنطقة غالبًا نتيجة تهور أو غطرسة بعض طياري القوات الجوية والبحرية الصينية، ففي تشرين الاول 2023 اقتربت مقاتلة (J-11) على بعد عشرة أقدام من قاذفة (B-52) أمريكية خلال الليل وفي ظروف رؤية محدودة فوق بحر الصين الجنوبي، وفي حزيران 2024 صعد بحارة صينيون على سفينة تابعة للبحرية الفلبينية كانت تحاول إمداد قواتها في الشعاب المتنازع عليها متسببين في تعطيل معدات الاتصالات والملاحة وإصابة أحد الجنود الفلبينيين، وفي آب اصطدمت سفينة تابعة لخفر السواحل الصيني بسفينة من البحرية الصينية أثناء مطاردتهما سفينة فلبينية. وأكثر هذه الحوادث خطورة في الذاكرة الحديثة كانت المواجهة العنيفة على الحدود الصينية- الهندية في وادي غالوان عام 2020، حيث اتهم الطرفان بعضهما بالتحريض على الاشتباك من خلال أعمال بنية تحتية وتحركات عسكرية استفزازية، وأسفرت عن مقتل عشرين جنديًا هنديًا وأكثر من أربعين جنديًا صينيًا، لحسن الحظ لم تؤد أي من هذه الحوادث إلى حرب لكن طبيعة الجغرافيا والتاريخ والسياسة في مضيق تايوان تجعل احتمال حدوث حادث مماثل بين الصين وتايوان واردًا للغاية.
الوقاية والحوار
لتجنب اندلاع حرب بالخطأ بين الصين وتايوان يجب تقليل الفرص التي قد تُفسر فيها التصرفات على أنها أعمال عدائية، ينبغي على الجيش الشعبي الصيني توخي الحذر في مدى قرب الطائرات والسفن وسفن خفر السواحل من تايوان وجزرها مثل كينمن وماستو، كما يجب اعتبار اختبار الدفاعات التايوانية لعبة خطيرة ذات عواقب محتملة مميتة، بالمقابل ينبغي على الجيش التايواني توخي الحذر في قواعد الاشتباك وعدم افتراض أن كل حادث قرب هو متعمد. يمكن للقادة على جانبي المضيق وخصوصًا الرئيس الصيني شي جينبينغ، المساعدة من خلال إصدار توجيهات واضحة للقوات بعدم التسامح مع أي تصرفات فردية متهورة قد تؤدي إلى تصعيد، كما ينبغي إنشاء آلية مراقبة لمتابعة تصرفات الطيارين والأفراد الخطيرة لضمان أن بكين على دراية بتصرفات الأفراد التي قد تؤدي للصراع. علاوة على ذلك تحتاج الصين وتايوان إلى مستوى من التواصل لمناقشة الوقاية من الأزمات وإيجاد مخارج مقبولة للطرفين دون فقدان ماء الوجه، قد لا تسمح الصين بإجراء مناقشات مباشرة مع الرئيس لاي بسبب موقفه المؤيد للاستقلال لكن يمكن استخدام قنوات غير رسمية بين تايبيه وبكين مثل المعاهد البحثية لتبادل المعلومات والعروض، يجب تأسيس هذه القنوات وحمايتها في أوقات السلم لتفعيلها سريعًا أثناء الأزمات كما حدث خلال الأزمة الكوبية الصاروخية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي.
يجب على واشنطن التعامل بحذر لتجنب تحويل أي حادث إلى صراع أوسع، ينبغي الحفاظ على سياسة (الغموض الاستراتيجي) تجاه دفاع تايوان حيث إن سياسة “الوضوح الاستراتيجي” التي تلزم الولايات المتحدة بتقديم المساعدة العسكرية الفورية قد تزيد من احتمال اندلاع حرب بالخطأ لأنها تقلل من قدرة واشنطن على تقييم ما إذا كان الحادث متعمدًا أم عرضيًا وتجبرها على الرد سريعًا، ومن المشجع أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض تقديم ضمانات محددة لتايوان. بالطبع الوقاية وحدها لا تكفي، يجب على الولايات المتحدة وتايوان أن تكونا مستعدتين بخطط فعالة لمنع التصعيد إذا وقع حادث، وما يثير القلق هو أن معظم محاكاة الحرب العامة تفترض استخدام بكين للقوة عن عمد مع تجاهل كيفية تعامل الولايات المتحدة وتايوان مع أزمة ناجمة عن خطأ، ما قد يؤدي إلى كارثة غير مقصودة على نطاق عالمي.
* Joel Wuthnow, The Greatest Danger in the Taiwan Strait Even If China Avoids a War of Choice, a Miscalculation Could Spark a War of Chance, FOREIGN AFFAIRS, September 12, 2025.




