الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الى أين يتجه الصراع الإيراني- الصهيوأميركي في ظل تعثر مسار التفاوض؟

بقلم: نور نبيه جميل
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
أولاً: توصيف الحالة الاستراتيجية
يمرّ الصراع بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وامريكا و”إسرائيل” في لحظة مفصلية تتسم بقدر عالٍ من التعقيد وعدم الثقة، اذ لم يعد بالإمكان تصنيفه ضمن أنماط الحرب التقليدية أو حتى ضمن أطر الأزمات القابلة للاحتواء السريع فتعثر مسار التفاوض ليلة امس لا يعكس مجرد إخفاق دبلوماسي ظرفي بل يكشف عن أزمة أعمق في بنية التفاعل الاستراتيجي بين الاطراف تتعلق بتضارب التصورات حول ماهية نقطة التوازن المقبولة لكل منهما فضلًا عن انسداده كلياً.
إن هذه الحالة يمكن توصيفها بدقة باعتبارها توازناً هشاً للردع اذ لا يزال كل طرف يمتلك القدرة على إلحاق الضرر بالآخر بما يكفي لمنع الانزلاق إلى حرب شاملة لكنه في الوقت ذاته يسعى إلى اختبار حدود هذا الردع بشكل مستمر عبر أدوات تصعيدية مدروسة قد تصل إلى مستوى الحرب المفتوحة وهذا ما يجعل البيئة الحالية أقرب إلى حالة اللااستقرار التي تتعايش فيها عناصر الردع مع محفزات التصعيد ضمن معادلة غير مستقرة بطبيعتها.
ثانياً: طبيعة التحول في الصراع
ما يميز المرحلة الراهنة ليس فقط ارتفاع مستوى التوتربل التحول في طبيعة الصراع نفسه فبعد أن كان التفاوض يُستخدم كأداة لإدارة الأزمة وتخفيف حدتها أصبح اليوم جزءاً من أدوات الصراع اذ يتم توظيفه لفرض شروط استراتيجية وليس للوصول إلى تسويات وسطية هذا التحول يعكس انتقال الطرفين من منطق إدارة الخلاف إلى منطق إعادة تعريف قواعد الاشتباك وفرض معادلات القوة والردع.
في اعتقادي لم يعد الخلاف يدور حول قضايا محددة كبرنامج نووي أو عقوبات اقتصادية فحسب بل أصبح صراعاً على تحديد من يمتلك القدرة على فرض معايير السلوك الاستراتيجي في المنطقة وهو ما يفسر تصلب المواقف وغياب المرونة التفاوضية إذ أن أي تنازل يُنظر إليه ليس كخطوة تكتيكية بل كإشارة ضعف قد تقوض مصداقية الردع على المدى الطويل.
ثالثاً: إشكالية الردع وتآكله التدريجي
رغم أن الردع لا يزال قائماً بين الطرفين إلا أن فعاليته باتت موضع اختبار مستمر فالردع، في جوهره يقوم على إقناع الطرف الآخر بأن كلفة التصعيد تفوق مكاسبه المحتملة غير أن ما نشهده حالياً هو محاولة متبادلة لإعادة تعريف هذه المعادلة كل طرف يسعى إلى إظهار استعداده لتحمل كلفة أعلى بهدف دفع الطرف الآخر إلى التراجع. هذه الديناميكية تخلق حالة من تآكل الردع اذ لا ينهار بشكل مفاجئ، بل يتآكل تدريجياً عبر سلسلة من الاختبارات المتكررة التي ترفع سقف المخاطرة بمرور الوقت وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، إذ أن الاستمرار في هذا النمط قد يؤدي إلى لحظة تتجاوز فيها الأطراف الحدود غير المعلنة ليس نتيجة قرار استراتيجي بالحرب، بل نتيجة سوء تقدير أو تصعيد غير محسوب.
رابعاً: منطق السلوك الاستراتيجي للطرفين

لا يمكن فهم مسار الصراع دون تحليل الدوافع العميقة التي تحكم سلوك كل طرف بالنسبة لامريكا و”إسرائيل” يتمثل الهدف الأساسي في منع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من التحول إلى قوة نووية قادرة على تغيير ميزان القوى الإقليمي، مع تجنب الانخراط في حرب شاملة قد تكون مكلفة سياسياً وعسكرياً لذلك تعتمد واشنطن على مزيج من الضغط الاقتصادي والتصعيد العسكري ضمن استراتيجية تهدف إلى إجبار إيران على تقديم تنازلات دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة ولكن تبدو هذه المواجهة حتمية للوصول إلى نقطة حل حقيقية.
في المقابل، ترى إيران أن الحفاظ على قدراتها الاستراتيجية، وخاصة في المجال النووي يمثل ضمانة أساسية لأمن النظام وبقائه وحقه الذي لا يمكن التدخل فيه ومن هذا المنطلق تعتمد طهران على استراتيجية التصعيد المحسوب التي تقوم على استخدام أدوات مباشرة و غير مباشرة لرفع كلفة الضغط الأمريكي دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة هذا التباين في الأهداف والاستراتيجيات يخلق فجوة يصعب ردمها عبر التفاوض التقليدي.
خامساً: البيئة الإقليمية كعامل مضاعف للتصعيد
يُدار هذا الصراع ضمن بيئة إقليمية شديدة الهشاشة اذ تتداخل فيه مصالح وقوى متعددة ما يجعله عرضة للتحول من صراع ثنائي إلى مواجهة إقليمية ودولية واسعة فالساحات المحيطة، سواء في العراق أو الخليج أو غيرها، تشكل مسارح مفتوحة للتصعيد غير المباشر، يمكن من خلالها لكل طرف أن يضغط على الآخر، غير أن هذه الميزة تحمل في طياتها خطراً مضاعفاً إذ أن تعدد الفاعلين يزيد من احتمالات الخطأ في الحسابات، ويجعل السيطرة على مسار التصعيد أكثر صعوبة.
سادساً: السيناريوهات المستقبلية
في ضوء المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية لتطور الصراع. السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً، يتمثل في استمرار نمط التصعيد وصولا الى الصدام المباشر اذ يواصل الطرفان تبادل الضغوط عبر تجاوز عتبة الحرب الشاملة، مع إمكانية العودة إلى التفاوض في مراحل لاحقة بشروط معدلة. هذا السيناريو يعكس عدم رغبة عن تخلي كل طرف لشروطه في مما يؤدي إلى ارتفاع كلفة الحرب و قد تتوسع دائرة الصراع لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى، ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل احتواء الأزمة أكثر صعوبة.
أما السيناريو الثاني استمرار نمط (التصعيد المحدود) اذ يواصل الطرفان تبادل الضغوط دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة، مع إمكانية العودة إلى التفاوض في مراحل لاحقة بشروط معدلة. هذا السيناريو ينعكس في حال وجود رغبة مشتركة في تجنب الحرب، مع الإصرار على تحسين المواقع التفاوضية.
في المقابل، يبقى السيناريو الثالث، المتمثل في التوصل إلى تسوية مفاجئة، الأقل احتمالاً، لكنه غير مستبعد. هذا السيناريو يتطلب إدراكاً متبادلاً بارتفاع كلفة التصعيد، واستعداداً لتقديم تنازلات تكتيكية تحفظ مصالح الاطراف.
سابعاً: التقييم النهائي للوضع الحالي
بناءً على ما سبق، اظهر استمرار النظام الإيراني وعدم انهياره الى حقيقة منهجية تتجاوز الاعتبارات الاستراتيجية فيمكن القول إن الصراع الإيراني- الصهيوامريكي يقف حالياً عند نقطة غير مستقرة، تتنازعها قوتان متعارضتان: منطق الردع الذي يسعى إلى ضبط التصعيد، وديناميات التصعيد التي تدفع نحو اختبار هذا الردع بشكل مستمر هذه الحالة لا تعني بالضرورة اقتراب حرب شاملة، لكنها تشير إلى بيئة قابلة للانزلاق، اذ قد يؤدي تراكم الضغوط إلى تجاوز حدود السيطرة. وعليه، فإن الاتجاه العام للصراع لا يميل نحو حسم سريع بل نحو استمرار حالة الإدارة عبر التصعيد التي تبقي الصراع ضمن حدود معينة مع ترك الباب مفتوحاً أمام تحولات مفاجئة في حال اختلال ميزان الردع. ومن هنا، فإن السؤال لا يتمثل فقط في ما إذا كانت الحرب ستقع، بل في مدى قدرة الأطراف على الاستمرار في إدارة هذا التوازن الهش دون الانزلاق إلى ما هو أبعد منه.



