الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
دافوس وخطابان على طرفي نقيض ترامب وصفقة الغد مقابل تحذير كندا من انهيار النظام العالمي

بقلم: رافي أغراوال
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
لِنضع العنوان جانبًا أولًا، فبعد أن ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطابًا مطوّلًا قرأه حرفيًا من جهاز التلقين استعرض فيه جملة من الإنجازات الداخلية دون أن يتطرق ولو عرضًا إلى تهديداته الأخيرة الموجهة للدنمارك، بدا واضحًا- وهو المعروف بنزعته الاستعراضية- أنه أدرك ما الذي حضر من أجله مئات الدبلوماسيين وقادة الدول ورجال الأعمال إلى القاعة، عندها التفت إلى الحضور وسأل “هل ترغبون أن أقول بضع كلمات عن غرينلاند” وكان الجواب بطبيعة الحال بالإيجاب ثم جاء التصريح المنتظر، قال ترامب “أسعى إلى مفاوضات فورية لمناقشة الاستحواذ على غرينلاند” مع إقراره في الوقت نفسه بأنه لا يعتزم اللجوء إلى استخدام القوة، وأضاف “كل ما نطلبه في غرينلاند هو الحق والملكية والسيادة… يمكنكم أن تقولوا نعم وسنكون ممتنّين جدًا، ويمكنكم أن تقولوا لا وسنتذكر ذلك”.
وبعد ساعات قليلة ظهر تراجع جزئي في الموقف- عبر منصة تروث سوشيال كما جرت العادة، إذ أعلن ترامب عن صفقة مستقبلية تتعلق بغرينلاند من دون الخوض في أي تفاصيل باستثناء الإشارة إلى أن الرسوم الجمركية التي كان من المقرر فرضها في الأول من شباط لن تُطبق، واكتفى بالقول “سيتم الإعلان عن مزيد من المعلومات مع تقدم المناقشات” وهو ما يطرح تساؤلًا مشروعًا ما الغاية من كل هذا التصعيد الدرامي خلال يوم واحد؟
لطالما دار جدل واسع حول ما إذا كان الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس قد فقد شيئًا من أهميته وتأثيره، غير أن ترامب في كل مرة ينجح في فرض نفسه على جدول الأعمال، فبرغم الجلسات المصممة بعناية حول قضايا مثل الذكاء الاصطناعي والاقتصاد العالمي والمعادن الحيوية ظل الموضوع الذي هيمن على أذهان المشاركين هو الأزمة الدولية الفعلية التي صنعها الرئيس الأميركي بنفسه.
فخلال عطلة نهاية الأسبوع أعلن فرض رسوم جمركية على الدنمارك وسبع دول أوروبية أخرى بسبب رفضها دعم مسعاه للاستحواذ على غرينلاند، ولم يعد اهتمامه السابق بالإقليم الخاضع للإدارة الدنماركية مجرد فكرة نظرية أو طرح عابر بل تحوّل إلى استخدام مباشر لأدوات الضغط الاقتصادي بهدف إرغام أوروبا على القبول بالأمر الواقع، والسؤال الذي طُرح حينها كان بسيطًا ومفتوحًا هل سترضخ أوروبا؟
لم يكن الجواب واضحًا إذ كان الجميع ينتظر سماع الموقف الرسمي من ترامب نفسه، وزير التجارة الأميركي هوارد لَتنِك الذي شارك في جلسة حوارية يوم الثلاثاء أدارها آدم توز كاتب العمود الاقتصادي في فورين بوليسي، امتنع عن الإجابة المباشرة عما إذا كان الرئيس الأميركي ينوي فعلًا إجبار أوروبا على بيع غرينلاند، وعندما طُرح عليه سؤال من بين الحضور- من كاتب هذه السطور – حول ما إذا كان مبدأ السيادة ينطبق على الولايات المتحدة كما ينطبق على سائر الدول لجأ إلى المراوغة، واستمر هذا النمط مع ظهور عدد من الوزراء والمسؤولين وممثلي إدارة ترامب في وسائل الإعلام وعلى منصات المنتدى قبيل وصول الرئيس يوم الأربعاء، مكتفين بترديد نقاط حديث ملتوية من دون تقديم أي توضيح ملموس بشأن الخطة الفعلية للبيت الأبيض.
وعندما حان الموعد المنتظر يوم الأربعاء عند الساعة الثانية والنصف بعد الظهر بالتوقيت المحلي ألغى آلاف المشاركين في دافوس التزاماتهم الأخرى، وتوجهوا إلى قاعة المؤتمرات الرئيسية إضافة إلى قاعات فرعية مخصصة للبث للاستماع إلى ترامب مباشرة، وكان السؤال المركزي الذي يشغل الجميع ماذا سيقول عن الدنمارك؟ وخلال أكثر من ثلاثين دقيقة من خطاب مُعدّ سلفًا، بدا أن ترامب يتعمد تجاهل القضية الأساسية التي جاء الحضور لسماع موقفه بشأنها، وعندما تطرق إليها أخيرًا جاءت تصريحاته حول أوروبا مثقلة بالمبالغات والمعلومات غير الدقيقة.
قال ترامب إن الولايات المتحدة كانت عمليًا تتحمل ما يقارب 100 في المئة من أعباء حلف شمال الأطلسي وهو ادعاء ينطوي على مبالغة جسيمة حتى مع التسليم بأن بعض الدول الأوروبية كان بإمكانها زيادة مساهماتها الدفاعية، وأضاف “ما حصلنا عليه من الناتو هو لا شيء… سنكون ملتزمين بالناتو بنسبة 100 في المئة، أعلم أننا سنكون هناك من أجلهم لكنني لا أعلم إن كانوا سيكونون هناك من أجلنا”.
غير أن الوقائع الموضوعية تفنّد هذا الادعاء بصورة قاطعة وهو أمر كان يدركه تمامًا عدد كبير من القادة الحاضرين في القاعة، فالمادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي يحق لأي دولة عضو تفعيلها تنص بوضوح على أن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على جميع أعضاء الحلف ويستوجب ردًا جماعيًا ملزمًا بموجب المعاهدة، ومن اللافت أن هذه المادة لم تُفعّل سوى مرة واحدة في تاريخ الحلف الممتد قرابة سبعة وسبعين عامًا وكان ذلك بطلب من الولايات المتحدة نفسها عقب هجمات 11 أيلول 2001.
وتزداد المفارقة وضوحًا إذا ما استُحضر دور الدنمارك في هذا السياق، إذ كانت من بين أبرز المساهمين في الجهد العسكري الأميركي في أفغانستان، وخسرت- قياسًا بعدد السكان- نسبة من جنودها تفوق ما خسرته أي دولة عضو أخرى في الحلف. ومع ذلك لم يُبدِ ترامب اهتمامًا بالتاريخ إلا بالقدر الذي يسمح له بتطويعه لخدمة روايته السياسية، فبدلًا من الإقرار بتعقيد الوقائع التاريخية استحضر نهاية الحرب العالمية الثانية ليعرض سردية تبسيطية مفادها أن الولايات المتحدة «أنقذت» أوروبا- وغرينلاند- من قوى المحور، متجاهلًا إسهامات قوى كبرى أخرى من بينها الاتحاد السوفياتي والصين فضلًا عن أدوار دول عديدة كانت خاضعة آنذاك للاستعمار. وقال ترامب في هذا السياق “لقد أنشأنا حرفيًا قواعد عسكرية في غرينلاند لصالح الدنمارك، كم كنا أغبياء حين أعدنا غرينلاند إليهم، وكم هم جاحدون اليوم!”. وفي ضوء ذلك يبرز التساؤل حول الكيفية التي قد تتخذها مفاوضات ترامب بشأن “صفقة مستقبلية تتعلق بغرينلاند” وما إذا كان سيعود مجددًا إلى تعديل موقفه، فترامب الذي يتصرف منذ البداية بمنطق الضغط والاستقواء يراقب عن كثب القادة الذين واجهوا تهديداته بخطاب حازم.
وفي هذا الإطار وجّه ملاحظة ذات نبرة استنكارية إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قائلًا “إيمانويل، تابعت خطابك” في إشارة إلى تأكيد ماكرون، يوم الثلاثاء، على مركزية مبدأ السيادة. وكانت لهجته أشد صرامة تجاه الطرف الآخر الذي حظي بحضور خطابي بارز خلال أعمال المنتدى، إذ قال خلال الجزء غير المعدّ من كلمته “كندا… تابعت خطاب رئيس وزرائكم”، في إشارة إلى مارك كارني، قبل أن يضيف بلهجة تحذيرية “في المرة المقبلة التي تتحدث فيها يا مارك انتبه لنفسك”. لقد تحوّل الاجتماع السنوي الأخير للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى ما يشبه حكاية خطابين، فمن جهة جاء خطاب ترامب متسمًا بالترهل والاستقواء على أقرب حلفاء بلاده، ومؤذنًا بعصر تسوده شريعة الغاب، حيث تستطيع القوة الأكبر فرض إرادتها على الاقتصادات الأصغر.

وعلى النقيض تمامًا، برز خطاب كارني بوصفه عرضًا بليغًا لمخاطر عالم تُختزل فيه العدالة بالقوة.
لم يصوّر كارني النظام الدولي القائم على القواعد باعتباره مثاليًا أو بلا عيوب بل شدد على أن هذه القواعد تحتاج إلى رعاية وتعزيز لا إلى تقويض وتدمير، وقال “الدول الأخرى… ليست بلا حول ولا قوة، لديها القدرة على بناء نظام جديد يجسد قيمنا مثل احترام حقوق الإنسان والتنمية المستدامة والتضامن والسيادة وسلامة الأراضي”.
وأضاف لاحقًا “الأقوياء يملكون قوتهم، لكننا نملك نحن أيضًا شيئًا آخر: القدرة على التوقف عن التظاهر وتسميـة الواقع باسمه وبناء قوتنا في الداخل والعمل المشترك، هذا هو طريق كندا نختاره علنًا وبثقة وهو طريق مفتوح أمام أي دولة مستعدة للسير فيه معنا”. جاء خطاب كارني بعد زيارة مراقَبة عن كثب إلى الصين وهي العلاقة التي وصفها بأنها تمر بـ”إعادة ضبط” بعد عام واحد فقط من وصفه لبكين بأنها “أكبر تهديد أمني” يواجه أوتاوا، وقد شمل الاتفاق الذي أعلن بين البلدين تخفيف الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية وهو منتج لطالما سعت الولايات المتحدة إلى تقييد مبيعاته الدولية.
اليوم من المؤكد أن هاتف كارني يغمره رسائل عدة، والسؤال الأبرز يبقى هل ستترجم كندا وأعضاء الناتو الأوروبيون كلماتهم إلى أفعال كافية لردع رئيس أميركي يبدو أنه بدأ للتو يدرك مدى القوة الأميركية؟
* By Ravi Agrawal, In Davos, a Tale of Two Speeches Trump follows Greenland threats by announcing a “future deal,” while Canada’s prime minister describes it all as a “rupture in the world order.” Foreign Policy, January 21, 2026.



