الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
العودة إلى نظرية توازن القوى..
لا ينبغي لأحد أن يستغرب ردود الفعل العالمية تجاه تهديدات ترامب

بقلم: ستيفن م. والت
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
هل نشهد أخيرًا تحرك الدول الصديقة سابقًا لموازنة القوة ضد أمريكا المارقة؟ إذا حدث هذا التحول فإنه سيكون بمثابة تغيّر جذري في الشؤون العالمية، وإذا ما وقع، فسيكون السبب بالكامل قصر النظر الاستراتيجي لإدارة ترامب والدوافع الانتهازية لرئيس متقلب بشكل متزايد.
على مدار المئة عام الماضية تقريبًا كان صعود الولايات المتحدة إلى الهيمنة العالمية استثناء جزئيًا لنظرية توازن القوى التقليدية إذ لم تدفع مكانتها المهيمنة معظم الدول الأخرى إلى الاتحاد لموازنة القوة الأمريكية، على الرغم من مواجهة الولايات المتحدة تحالفًا مضادًا بقيادة الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة إلا أن معظم القوى الكبرى أو المتوسطة في العالم اعتبرت الولايات المتحدة حليفًا قيّمًا حتى لو اختلفت أحيانًا مع سياسات معينة، لكن كما صرح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس سويسرا يوم الثلاثاء فإن هذا العالم أصبح من الماضي، اليوم قال “في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى أمام الدول المتوسطة خياران التنافس فيما بينها لكسب النفوذ أو الاتحاد لخلق مسار ثالث مؤثر”.
اسمحوا لي بالإشارة إلى بعض أعمالي السابقة فقد كنت أدرس وأكتب عن أصول التحالفات وأسباب توازن الدول منذ أن أتممت رسالتي الدكتوراه (وكتبي الأولى) قبل أكثر من أربعين عامًا، وقد طرحت أن الدول تُشكّل تحالفات استجابة للتهديدات وليس فقط للقوة بحد ذاتها، القوة تمثل أحد عناصر التهديد (على سبيل المثال كلما كانت الدولة أقوى كانت أخطارها أكبر) لكن الجغرافيا والنوايا المتصورة أيضًا مهمة، فالدول القريبة جغرافيًا تعتبر أكثر إثارة للقلق من البعيدة والدول ذات الطموحات المراجعة للنظام الدولي تشكل تهديدًا أكبر خصوصًا إذا سعت للسيطرة على أراضي الآخرين أو التأثير على حكامهم. بينما تحاول الدول الضعيفة أو المعزولة أحيانًا التكيف مع القوى المهددة عن طريق الالتحاق بها، فإن الاستجابة الأكثر شيوعًا هي الموازنة ضد القوة المهددة، ويفضل أن يتم ذلك بالشراكة مع دول أخرى. وقد أوضحت هذه الصياغة- التي سمتها نظرية توازن التهديد- سبب كون نظام تحالفات الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة أكبر وأقوى بكثير من حلف وارسو وحلفاء الاتحاد السوفيتي غير المنتمين رسميًا، فقد كانت الولايات المتحدة تتمتع بقوة إجمالية أكبر لكن الاتحاد السوفيتي كان جوارًا للعديد من القوى المتوسطة في أوروبا وآسيا ولديه جيش ضخم مهيأ لغزو الأراضي وكان قادته ملتزمين علنًا بنشر الشيوعية، بالمقابل كانت الولايات المتحدة مفصولة عن أوروبا وآسيا بمحيطين هائلين ولم تكن لها أي طموحات إقليمية هناك. وقد تساعدنا هذه النظرية أيضًا على فهم لحظة القطبية الأحادية عندما وقفت الولايات المتحدة بمفردها على قمة القوة، لكن الجهود الصريحة لموازنتها اقتصرت على عدد قليل من الدول المارقة الضعيفة، وقد حافظ حلفاء الولايات المتحدة في الحرب الباردة على دعمهم لأسباب متعددة:
الركود المؤسسي (إذا لم يكن حلف الناتو مكسورًا، لماذا نصلحه؟)
الرغبة في التحوط ضد عدم اليقين.
الاعتراف بأن الاعتماد على الحماية الأمريكية مفيد جدًا.
توجيه أشد دوافع الولايات المتحدة نحو مناطق أخرى.
هذا كان الحال سابقًا أما اليوم فالأمر مختلف، منذ بداية فترته الثانية قام دونالد ترامب بكل ما تحذر منه نظرية توازن التهديد وكانت النتائج سلبية ومتوقعة، فقد أعلن علنًا وبصورة متكررة عن أهداف توسعية تجاه كندا وجرينلاند/ الدنمارك وبنما وقد لا تتوقف طموحاته عند هذا الحد. يبدو هو ومستشاروه المقربون مقتنعين بأن القانون الدولي بما في ذلك مبدأ السيادة لا قيمة له وأن الأقوياء يمكنهم أخذ ما يريدون دون اعتبار للحقوق القانونية، لقد استخدم ترامب التهديد أو فرض الرسوم الجمركية مرارًا لمحاولة إرغام الآخرين على تقديم تنازلات سياسية أو اقتصادية، كما استخدم القوة العسكرية ضد أكثر من نصف دزينة دول غالبًا لأسباب مشكوك فيها وهدد باستخدامها ضد حلفاء موالين مثل الدنمارك، وقد عامل قادة أجانب آخرين بازدراء صريح وفرض عقوبات أدت إلى مقتل أكثر من مئة مدني أجنبي دون أي إجراءات قضائية – وهو انتهاك إضافي للقانون الدولي. وفي الداخل من خلال تفويض عناصر سلطوية خارجة عن القانون (مثل وكالة الهجرة والجمارك) للتدخل في المدن الأمريكية، جعل ترامب من المستحيل على المجتمعات الأخرى رؤية الولايات المتحدة كدولة مستقرة ومنظمة أو اعتبار سياساته الخارجية مجرد شذوذ، باختصار على الصعيدين الداخلي والخارجي تتصرف الحكومة الأمريكية كبلطجي خطير ومفترس قهري.
بالطبع كان حلفاء الولايات المتحدة الأكثر قربًا بطيئين في مواجهة عدوان ترامب لأسباب واضحة، تقليص العلاقات مع الولايات المتحدة والتوجه نحو التحالف ضدها مكلف وتشكيل كتلة قوية لموازنة أمريكا يواجه مشكلات التعاون الجماعي المعتادة، لذلك كان من المفهوم أن يحاول قادة مثل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ورئيس الناتو مارك روتي ورئيس كوريا الجنوبية لي جاي-ميونغ الحفاظ على شراكة وثيقة مع واشنطن عبر التملق والتنازلات الرمزية. لكن هذا الرهان لم ينجح، فقد كشفت كلمات وأفعال ترامب حماقة محاولة التكيف مع مفترس يعتقد أن كل الاتفاقيات السابقة مفتوحة لإعادة التفاوض في أي وقت وأن أي تنازل يُعتبر دعوة لمطالبة بالمزيد. وبناءً على نظرية توازن التهديد نرى الآن الدول السابقة الصديقة تبتعد، وتقلل اعتمادها على أمريكا غير الموثوقة والمحتملة العداء، وتُبرم ترتيبات جديدة مع بعضها البعض وربما مع بعض خصوم الولايات المتحدة.
عندما يطير رئيس وزراء كندا- الدولة التي كانت أفضل جارة يمكن لأي دولة أن تتمنى- إلى بكين ويحدد (أركان شراكة استراتيجية جديدة) فإن الصفائح التكتونية تتحرك، ويبدو أن القادة الأوروبيين يستعيدون بعض الحزم بعد عقود من التردد إذ لم يعد لديهم خيار آخر، كما قال إد لوس من فاينانشال تايمز “مواجهة ترامب لا تضمن النجاح بينما الخضوع مؤكد الفشل”.
هل فات الأوان لمنع المزيد من تآكل شبكة الشراكات العالمية الرائعة التي تمتعت بها أمريكا وبناء ترتيبات جديدة تلائم عالمًا ناشئًا؟ بالتأكيد ولكن فقط إذا تخلى إدارة ترامب عن أسلوبه الانتهازي وأظهر أن الولايات المتحدة مستعدة للعمل مع الآخرين من أجل المصلحة المشتركة، وليس فقط لتحقيق مكاسب أحادية.
* By Stephen M. Walt, The Balance-of-Power Theory Strikes Again Nobody should be surprised at how the world is reacting to Donald Trump’s threats, FOREIGN POLICY, January 23, 2026.



