الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
استراتيجية كوريا الشمالية في الانتشار النووي .. الدروس المستفادة من الضربات (الإسرائيلية) على إيران

بقلم: فيبين نارانغ وبراناي فادّي
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
في الأشهر التي تلت الحرب التي استمرت 12 يوماً بين (إسرائيل)** والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة اخرى في حزيران أثار المحللون ووكالات الاستخبارات جدلاً واسعاً حول حجم الضرر الذي أصاب البرنامج النووي الإيراني والنظام السياسي في طهران، وما زال من غير الواضح مدى ما بقي من البنية التحتية النووية الإيرانية وسرعة إمكانية إعادة تأهيلها إن أمكن ذلك، إلا أن التأثير الاستراتيجي للحرب لا يمكن إنكاره فهو يمثل نهاية استراتيجية نووية اعتمدتها الجمهورية الإسلامية منذ الثمانينيات ونجحت في تطبيقها جزئياً لفترة طويلة.
لطالما كانت إيران نموذجاً للدولة التي تتبنى استراتيجية العتبة النووية أي السعي لاكتساب المعرفة والتقنيات اللازمة لتسليح برنامجها النووي دون تجاوز الخط السياسي للتسليح الكامل، وقد أثبتت هذه الاستراتيجية جدواها لفترة زمنية محددة ورغم محاولات (إسرائيل) والولايات المتحدة المستمرة لتأخير البرنامج عبر التخريب وعمليات الاغتيال المستهدفة لم تشن أي من الدولتين هجوماً مباشراً على المنشآت النووية الإيرانية، وعقب توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) عام 2015 بدا أن إيران قد حققت مكاسب استراتيجية إذ حصلت على تخفيف للعقوبات مقابل الالتزام بقيود على برنامجها النووي.
مع الحرب التي استمرت 12 يوماً تراجعت هذه الاستراتيجية، فقد تسببت الضربات الجوية الأميركية و(الإسرائيلية) في أضرار كبيرة لمرافق ناتانز وفوردو وأصفهان وأعاقت البنية القيادية العسكرية الإيرانية، وأظهرت طهران تقديراً ناقصاً لاستعداد واشنطن لدعم الهجوم (الإسرائيلي) والمشاركة فيه مباشرة، اليوم تواجه إيران تهديداً على أراضيها فضلاً عن محاولات لتغيير نظامها في وقت أصبح فيه الحصول على قنبلة نووية ابعد من السابق وموقفها التفاوضي مع الغرب أضعف .
يؤكد عدم قدرة إيران كدولة عتبة نووية على تنفيذ استراتيجيتها دون كلف عالية على نجاح استراتيجية دولة أخرى هي كوريا الشمالية، على عكس طهران لم تؤجل بيونغيانغ تسليح برنامجها النووي بل حرصت على تحقيق تقدم مستمر مستخدمة الدبلوماسية الجزئية لاختبار جدية الولايات المتحدة وتوظيف التكتلات السياسية والاقتصادية كوسائل ضغط وتحمل الضغوط الدولية والاقتصادية الهائلة، وعندما انهارت الدبلوماسية تمكنت كوريا الشمالية من تعزيز برنامجها بسرعة ما وضع نظام كيم في موقع قوة في أي مفاوضات مستقبلية، وبفضل ترسانتها المتنامية سريعاً وشراكاتها الاستراتيجية مع بكين وموسكو توفر تجربة كوريا الشمالية مثالاً واضحاً للدروس المستفادة من إيران.
بحلول سبعينيات القرن الماضي كانت إيران تمتلك الطموح والخبرة اللازمة لتوسيع برنامجها النووي لأغراض عسكرية محتملة مستفيدة من برنامج بدأ في عهد محمد رضا شاه بهلوي وانضمامها إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية (NPT) عام 1970، وخلال الحرب العراقية-الإيرانية بدأت الجمهورية الإسلامية استكشاف تقنيات أكثر حساسية مثل تخصيب اليورانيوم بمساعدة دول ثالثة، وأعدّت برنامج AMAD عام 1989 كخطة شاملة لتطوير القدرات النووية إذا اكتملت الموارد اللازمة. ومع ذلك لم تتجاوز إيران العتبة النووية لأسباب سياسية مفضلةً تبادل السعي نحو القنبلة مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، واحتفظت إيران بالخبرة الفنية والبنية الصناعية اللازمة للبحث النووي المدني بما في ذلك إنتاج النظائر الطبية وتوليد الكهرباء مع إمكانية التحويل العسكري مستقبلاً، وقد صممت هذه الاستراتيجية لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية وهيه تطوير القنبلة بسرعة في حال ظهور تهديد وجودي، وردع (إسرائيل) والولايات المتحدة من خلال غموض قدرات إيران، واستخدام قيود البرنامج كورقة ضغط في المفاوضات الغربية.
بعد انسحاب الولايات المتحدة من JCPOA عام 2018 في عهد إدارة ترامب بدأت إيران في تخزين كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب بمستويات قريبة من تلك المطلوبة للقنبلة النووية في محاولة لكسب ورقة تفاوضية مستقبلية، وعقب اغتيال الجنرال قاسم سليماني عام 2020 تعززت المخاوف الإيرانية، ومع تصاعد العمليات العسكرية (الإسرائيلية) بعد هجمات حماس في تشرين الاول اقتربت إيران من القدرة على تخصيب اليورانيوم لبناء قنبلة نووية خلال أيام، ومع عودة ترامب إلى البيت الأبيض عام 2025 أصبح احتمال هجوم (إسرائيلي) مدعوم أميركياً على إيران واقعاً وانكشفت أوجه القصور في استراتيجية العتبة الإيرانية إذ دفعت طهران ثمن ترددها بينما نفذت الولايات المتحدة لأول مرة ضربات مباشرة لمرافق دولة أخرى.
توضح تجربة إيران أن استراتيجية العتبة النووية ليست كافية لردع الهجمات المحتملة وقد تزيد احتمال الهجوم الاستباقي إذ يظل العدو في الظلام حول مدى تقدم برنامج الأسلحة،..
النموذج الكوري الشمالي
يقدم المثال الكوري الشمالي دروساً مفيدة للتعامل مع تحديات الانتشار النووي، في الستينيات شرعت بيونغيانغ التي كانت تواجه كوريا الجنوبية الحليف العسكري الأقوى للولايات المتحدة في برنامج نووي يركز على الطاقة رغم حالة الهدنة وليس السلام الدائم على الحدود، وخلال الحرب الباردة سعت كوريا الشمالية للحصول على دعم من الاتحاد السوفيتي والصين لتطوير سلاح نووي.
في أوائل التسعينيات أثارت كوريا الشمالية أزمة دولية بعد رفضها التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمعالجة التصريحات غير المكتملة بشأن برنامجها النووي ما أثار الشكوك الدولية حول أنشطتها النووية غير المشروعة. فكرت الولايات المتحدة بجدية في ضرب مفاعل يونغبيون عام 1993، ووُضعت خطط عسكرية لهجوم باستخدام قنابل خارقة للدروع تُسلم عبر قاذفات متخفية لكن إدارة كلينتون ألغت الفكرة خشية الانتقام من كوريا الجنوبية وتصاعد الحرب، وفضلت البحث عن حل دبلوماسي ما أدى إلى توقيع إطار الاتفاق المتفق عليه 1994 الذي فرض تجميد بناء المفاعلات المشتبه في استخدامها لأغراض عسكرية ووضع قدرات إنتاج البلوتونيوم تحت إشراف الوكالة. لكن بيونغيانغ تعاملت مع الإطار المتفق عليه وكل المبادرات النووية اللاحقة بنية المماطلة بينما أولت الأسرة الحاكمة اهتماماً كبيراً ببرنامج الأسلحة النووية مكرسة الموارد لتطوير القدرة النووية، على عكس إيران لم تظهر كوريا الشمالية اهتماماً بتبادل أجزاء من برنامجها لتخفيف العقوبات قبل الحصول على سلاح نووي خصوصاً بعد انهيار الإطار عام 2003، وعند اكتشاف أي نشاط غير معلن من قبل المراقبين الدوليين كانت كوريا الشمالية تصعّد التوتر عبر اختبارات صواريخ أو استفزاز سيول ثم تعود إلى الدبلوماسية بخطابات ووعود زائفة بتجميد أنشطة الأسلحة، خلال هذه الفترة واصلت كوريا الشمالية تطوير بنيتها التحتية النووية وبرامج الصواريخ بشكل متسارع. اليوم يمتلك كيم جونغ أون واحدة من أسرع الترسانات النووية نموًا في العالم، تشمل خيارات هجومية ضد كوريا الجنوبية واليابان بما في ذلك أسلحة نووية تكتيكية وصواريخ بعيدة المدى تستهدف الولايات المتحدة ما يمنحه قدرة أكبر على ردع أي هجوم أو محاولة لتغيير النظام، على النقيض من ذلك تواجه إيران وضعاً اصعب بعد أن تعرض برنامجها العسكري والنووي لتدمير جزئي فيما أدت استراتيجيتها “العتبية” إلى تعرضها لهجمات مباشرة.
توضح تجربة إيران أن استراتيجية العتبة النووية ليست كافية لردع الهجمات المحتملة وقد تزيد احتمال الهجوم الاستباقي إذ يظل العدو في الظلام حول مدى تقدم برنامج الأسلحة، الاحتفاظ بالقدرة التقنية لتطوير الأسلحة بسرعة – ما يسميه الاستراتيجيون النوويون الكمون النووي – لا يردع الخصوم بقدر امتلاك قدرات فعلية، على العكس فإن الدولة ذات البرنامج النووي الكامن تصبح هدفاً مغرياً للخصوم الراغبين في منع التسلح قبل أن تصبح الدولة قادرة على الرد النووي.
الدروس العملية للمنتشرين المحتملين
استغلت (إسرائيل) هذه الفرصة في حزيران ونفذت الضربة التي حلم بها اليمين (الإسرائيلي) لسنوات، الدرس واضح للمنتشرين المحتملين إعلان وجود برنامج نووي أمام قوى عسكرية أكبر من دون امتلاك سلاح نووي رادع هو مخاطرة كبيرة، لذلك من المرجح أن الدول الطامحة مثل بولندا والسعودية وكوريا الجنوبية أو الإمارات، ستسعى للحفاظ على أعلى درجات السرية وتسريع تطوير السلاح النووي بشكل مخفي وربما إعادة توجيه برامجها المدنية لدعم الأهداف العسكرية مستفيدة من نموذج سوريا الذي نجح في الحفاظ على أمن عملياتي كبير رغم كونه مكشوفاً على السطح لكنه اكتُشف بالصدفة من خلال جهد استخباراتي مكثف.
على سبيل المثال حاولت سوريا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تطوير برنامج نووي سري مستلهِمةً نموذج كوريا الشمالية وكاد مفاعلها النووي الصغير قرب الفرات أن يصبح جاهزاً للتشغيل قبل أن تكتشفه (إسرائيل) بالصدفة وتدمره بضربات جوية، ويشير هذا إلى أن المستقبل القريب للمنتشرين النوويين سيعتمد على برامج سرية عالية الدقة قد تُكشف فقط بعد الإعلان عن السلاح أو اختباره بعيداً عن المراحل التفاوضية المبكرة التي كشفت إيران عنها.
العرض النهائي
إلى جانب إعلان نهاية استراتيجية العتبة النووية لإيران من المرجح أن تترك الحرب التي دامت اثني عشر يوماً آثاراً مهمة أخرى إذ ستجعل الدبلوماسية مع الدول الطامحة لامتلاك الأسلحة النووية أكثر صعوبة في المستقبل، ففي حالة إيران قد يزداد نفوذ المتشددين داخل النظام ويصبح لهم تأثير أكبر على المرشد الأعلى ويمكنهم تصوير الولايات المتحدة و(إسرائيل)، اللتين شنتا الضربات أثناء المفاوضات مع واشنطن على أنهما غير قادرين وغير راغبين في إيجاد مسار دبلوماسي. ويواجه كل من واشنطن وطهران ما وصفه الباحث جيمس فيرون بمشكلة “الالتزام” فكلا الطرفين قد يفضلان حلاً دبلوماسياً، لكن لكل منهما دوافع قوية لتجنب المفاوضات خصوصاً في ظل غياب الثقة المتبادلة واعتقاد كل طرف بأن الآخر سينقض أي اتفاق مستقبلي، وفي الولايات المتحدة سيستمر الاستقطاب الحاد في عرقلة الوصول إلى بديل ثنائي الحزب لاتفاقية JCPOA.
لم يخرج المرشد الأعلى من الحرب بثقة تجاه الولايات المتحدة أو مجموعة P5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن+ألمانيا) المشارِكة في اتفاق 2015، بل قد يعتقد الآن أن الضمان الوحيد الذي ستلتزم به خصوم إيران هو امتلاك سلاح نووي وسيحرص على إدارة أي مفاوضات مستقبلية من موقف قوة، وفي الوقت الذي تسعى فيه فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة لإعادة فرض العقوبات الأممية (“السناب باك”) على خلفية عدم التزام إيران بتعهداتها النووية ينظر المجلس الإيراني (المجلس النيابي) في تشريع يُوصي بالانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، في خطوة تحاكي ما قامت به كوريا الشمالية قبل عقدين في مسارها نحو القنبلة.
لا تزال الولايات المتحدة قادرة على ردع الدول الطامحة عبر سياستها غير الانتشارية، فقد أثبتت أركان السياسة الأمريكية الثابتة فعاليتها على مدار عقود حتى في أصعب فترات الحرب الباردة وما بعدها، الحفاظ على التزام الولايات المتحدة بهيكل الردع الممتد وتعزيزه يطمئن الحلفاء في أوروبا وآسيا ويمنعهم من السعي للحصول على قنبلة نووية خاصة بهم ما قد يعرّضهم لهجمات خطيرة، ويجب على المسؤولين الأمريكيين توضيح تكاليف السعي لامتلاك سلاح نووي لأي دولة محتملة عبر تجميد المساعدات العسكرية ووقف التجارة النووية وفرض العقوبات وتهديد التحرك العسكري.
والأهم من ذلك ينبغي على القادة الأمريكيين الاعتراف بالإنجاز التاريخي لمعاهدة NPT ونظام عدم الانتشار، فوجود تسع دول فقط تمتلك الأسلحة النووية مقابل 25 دولة توقعها الرئيس جون كينيدي لم يكن نتاج حظ، بل نتيجة عقود من الاهتمام الرئاسي والسياسة الاستراتيجية المتسقة والدبلوماسية غير الانتشارية الملتزمة.
مع ذلك فإن أي تهديد أمريكي لسياسة عدم الانتشار الناجحة على مدى 80 عاماً يخلق حوافز لدى الحلفاء والخصوم للبحث عن سياسات نووية بديلة، لن تُغيّر الحرب الإثني عشرية هذا الواقع إذ سيبدو الاعتماد على الولايات المتحدة في تنفيذ اتفاق مشابه لاتفاق 2015 أمراً محفوفاً بالمخاطر لأي دولة طامحة، إذ أدرك كيم جونغ إيل أن التعامل مع الولايات المتحدة ونظامها الفوضوي ليس مجدياً ورأى ابنه أن هذا الرأي صحيح، كما قد يكون المسؤولون الإيرانيون قد توقعوا أن إدارة ترامب ستسعى للدبلوماسية بجدية أكبر خلال ولايته الثانية في 2025، لكن هذه الآمال انهارت فجأة في حزيران بعد مهاجمة المنشآت النووية الأساسية التي قربت إيران من عتبة السلاح النووي.
-
Vipin Narang and Pranay Vaddi, The North Korean Way of Proliferation What Aspiring Nuclear Powers Learned From Israel’s Strikes on Iran, FOREIGN AFFAIRS, September 5, 2025.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة (إسرائيل)، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.




