الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
الصين تفتح جبهة جديدة كيف تنافس بكين واشنطن على النفوذ في الفضاء الخارجي

بقلم: كاثلين كيرلي وسام برسينسكي
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
في صباح التاسع عشر من آب حقق قطاع الفضاء الصيني إنجازاً مفصلياً، فبعد وقت قصير من إطلاق شركة (لاند سبيس) الصينية صاروخاً من شمال غربي البلاد انفصل معزّز الصاروخ المسؤول عن دفعه إلى المدار بنجاح ثم عاد وهبط على الأرض، وكانت هذه المرة الأولى التي تتمكن فيها شركة صينية من استعادة صاروخ على اليابسة وذلك بعد ستة أسابيع من نجاح أول عملية استعادة لصاروخ في تاريخ الصين نفّذتها في بحر الصين الجنوبي المؤسسة الحكومية الرائدة في قطاع الفضاء، وتمثّل هذه الإنجازات بداية مرحلة جديدة في تطوير الصواريخ الصينية القابلة لإعادة الاستخدام بما يتيح إمكانات هائلة لتوسّع قطاع الفضاء الصيني المزدهر.
وجاء رد واشنطن على هذه التطورات محدوداً إذ لا تزال الولايات المتحدة تنفّذ أكثر من ضعف عدد عمليات الإطلاق التي تنفذها الصين وتتفوق على سائر الدول في عدد الأقمار الصناعية الموجودة في المدار غير أن الصين تواصل تقليص هذه الفجوة، فبين عامي 2020 و2025 ارتفع عدد عمليات إطلاق الصواريخ التي تنفذها الشركات الصينية سنوياً من 39 إلى 92 عملية أي أكثر من الضعف كما تقدّمت جهات صينية بطلبات للحصول على تراخيص لإطلاق مئات الآلاف من أقمار الاتصالات الصناعية بالتزامن مع تزايد عدد الشركات العاملة في قطاع الفضاء، وقد أظهرت شركات عديدة من بينها (لاند سبيس) التي تأسست حديثاً نسبياً قدرات ابتكارية لافتة.
ولا تقتصر تداعيات هذا التقدم على الجانب الاقتصادي بل تمتد إلى المجال العسكري أيضاً فقد تصبح الشركات الصينية قريباً قادرة على منافسة نظيراتها الأمريكية في توفير خدمات فضائية لمناطق واسعة من العالم مثل الإنترنت عبر الأقمار الصناعية، وفي المقابل يعمل جيش التحرير الشعبي الصيني الذي يعدّ التفوق في الفضاء شرطاً أساسياً للانتصار في الحروب المستقبلية على تطوير مجموعة متنوعة من القدرات الفضائية إلى جانب أسلحة قادرة على استهداف الأقمار الصناعية، ويشكّل ذلك تهديداً جدياً للجيش الأمريكي الذي يعتمد على الفضاء في الاتصالات والملاحة وتعزيز الوعي بالميدان فضلاً عن تنفيذ الضربات الدقيقة وتلقي الإنذارات المبكرة بشأن الصواريخ.
وينبغي أن يشكّل صعود الصين بوصفها قوة فضائية جرس إنذار للولايات المتحدة فبعد انتهاء الحرب الباردة تعاملت واشنطن مع تفوقها في الفضاء كما لو كان أمراً مضموناً لكن لم يعد بوسعها الاستمرار في هذا النهج، فمع تطور قطاع الفضاء الصيني ستجعل المزايا التي تتمتع بها الشركات الصينية من حيث التكلفة منافستها أكثر صعوبة أمام الشركات الأمريكية في حين ستزيد القدرات العسكرية الصينية من احتمالات تحوّل الفضاء إلى ساحة للصراع في الحروب المستقبلية، وهكذا يقترب عهد التفوق الأمريكي الذي يصعب تحدّيه في الفضاء من نهايته ما يفرض على واشنطن التكيّف مع هذا الواقع الجديد.
الانطلاق إلى الفضاء!
يعود تاريخ برنامج الفضاء الصيني إلى خمسينيات القرن العشرين حين أطلق الزعيم الصيني ماو تسي تونغ جهودًا لتحديث جيش التحرير الشعبي وتعزيز الابتكار التكنولوجي، وفي عام 1970 أطلقت الصين أول أقمارها الصناعية ثم جعلت أبحاث تكنولوجيا الفضاء أولوية وطنية خلال ثمانينيات القرن نفسه، لكن التحول المفصلي في مسيرة برنامجها الفضائي جاء خلال حرب الخليج عامي 1990 و1991 عندما مكّن الاستخدام المتقن للجيش الأمريكي للأصول الفضائية تحالفاً صغيرًا نسبياً لكنه متقدم تكنولوجياً من هزيمة الجيش العراقي في غضون أيام قليلة، فقد أتاحت الأقمار الصناعية للقوات الأمريكية اجتياز التضاريس الصحراوية الوعرة وزوّدت القادة بمعلومات عن ميدان المعركة بسرعة ودقة أكبر ومكّنت الجنود من التنسيق بسلاسة عبر مسافات شاسعة، وأمام هذا التفوق أدركت بكين أنها متأخرة كثيرًا عن الولايات المتحدة فسارعت إلى التحرك لتدارك الفجوة.
وفي السنوات اللاحقة أكدت عقيدة جيش التحرير الشعبي الأهمية المتزايدة للتكنولوجيا المتقدمة ولا سيما الأقمار الصناعية في خوض الحروب، ففي عام 2000 بدأ الجيش الصيني تطوير نظامه الخاص للملاحة عبر الأقمار الصناعية المعروف باسم (بيدو) تجنباً للاعتماد على نظام تحديد المواقع العالمي الأمريكي، وفي عام 2015 أنشأ جيش التحرير الشعبي (قوة الدعم الاستراتيجي) وهي هيئة لم يعد لها وجود حالياً جمعت مهام الصين في مجالات الفضاء والعمليات السيبرانية والحرب الإلكترونية بهدف تسريع تقدم البلاد في المجال الفضائي، وفي العام نفسه أكدت ورقة بيضاء حكومية أن الفضاء الخارجي يمثل مجالاً حيوياً للأمن القومي ومنذ ذلك الحين طوّرت الصين مركبات فضائية للاتصالات والملاحة والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، وهي قدرات لم يكن مسؤولو جيش التحرير الشعبي الذين تابعوا عملية “عاصفة الصحراء” ليتخيلوا بلوغها.
وأصبح تشجيع النشاط التجاري في قطاع الفضاء إحدى الأدوات الرئيسية التي تعتمد عليها الصين لتوسيع برنامجها الفضائي، ففي عام 2014 فتحت بكين أجزاء من القطاع أمام الاستثمارات الخاصة ومنذ ذلك الحين ظهرت أكثر من 400 شركة صينية تجارية متخصصة في الفضاء، وقد وفّرت الحكومة المركزية والحكومات الإقليمية التمويل لهذه الشركات من خلال صناديق استثمار مدعومة من الدولة كما دعمت تحديث المصانع وإطلاق الصواريخ وأتاحت للشركات الخاصة الوصول إلى مرافق الاختبار والتقنيات الحكومية، وفي عام 2025 شكّلت المهمات الفضائية التجارية 54 في المئة من إجمالي المهمات الفضائية الصينية فيما مثّلت الأقمار الصناعية التجارية 84 في المئة من المركبات الفضائية الصينية التي وُضعت في المدار، وقد مكّن هذا النظام الصناعي الفضائي المتكامل الذي يضم شركات تجارية ومؤسسات مملوكة للدولة ومعاهد بحثية وجامعات الصين من إنهاء اعتمادها على نظام تحديد المواقع العالمي الأمريكي ومهّد الطريق أمام ظهور شركات محلية جديدة متخصصة في الاستشعار عن بُعد والاتصالات عبر الأقمار الصناعية.
وفي مجال تكنولوجيا الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام تمتعت شركة (سبيس إكس) الأمريكية بتفوق هائل إذ تنفّذ خمسة من كل ستة عمليات إطلاق صواريخ في الولايات المتحدة، لكن نجاح الصين في استعادة معزّزات الصواريخ والتحكم في هبوطها مرتين في تموز وآب يشير إلى إمكانية تحولها إلى منافس حقيقي للولايات المتحدة خلال عقد من الزمن، فالصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام تخفّض تكاليف الإطلاق الفضائي وتزيد وتيرته وسرعته بدرجة كبيرة، وإذا أتقنت الصين هذه التكنولوجيا فسيصبح بإمكانها إنشاء مجموعات ضخمة من الأقمار الصناعية بسهولة أكبر بكثير. وستتيح عمليات الإطلاق بالصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام للصين أيضاً تطوير قدرات الإنترنت الفضائي بما يمكّنها من منافسة شبكة (ستارلينك) المهيمنة التابعة لشركة (سبيس إكس)، وتُعدّ ستارلينك منظومة واسعة للإنترنت عبر الأقمار الصناعية توفر اتصالاً يضاهي في قدراته كثيراً من الشبكات الأرضية وقد أدت دوراً حاسماً في مساعدة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها في مواجهة روسيا، وعلى الرغم من أن الشركات الصينية لا تزال في المراحل الأولى من تطوير هذه التكنولوجيا فإنها توسّع نطاق عملياتها بسرعة، وتخطط الجهات المشغّلة لمجموعتي الأقمار الصناعية (قوه وانغ و تشيان فانغ) اللتين تستهدفان منافسة (ستارلينك) لإطلاق ما يقارب 30 ألف قمر صناعي للاتصالات خلال العقد المقبل أو نحوه، ولا تزال هاتان المنظومتان أصغر بكثير من ستارلينك التي تضم أكثر من الف قمر صناعي في المدار لكنهما قد تتحولان في نهاية المطاف إلى بديلين فعليين لها، وقد أبرمت (تشيان فانغ) بالفعل اتفاقات تجريبية مع البرازيل وكازاخستان وماليزيا وتركيا لاستخدام شبكتها من الأقمار الصناعية.

علوم الصواريخ
يسير تطور قطاع الفضاء التجاري في الصين جنباً إلى جنب مع تنامي قدرتها على توظيف الفضاء لدعم تحديث قواتها المسلحة، فقد أمضت بكين عقوداً في دراسة كيفية استخدام الجيش الأمريكي للأقمار الصناعية وهي تعمل اليوم على تطوير قدراتها الفضائية المرتبطة بالأمن القومي، ووفقاً لوزارة الدفاع الأمريكية تشغّل الصين أكثر من 500 قمر صناعي قادر على تنفيذ مهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع فضلاً عن امتلاكها نظامًا للملاحة وتحديد المواقع يعتمد على الأقمار الصناعية ما يتيح لجيش التحرير الشعبي تحديد مواقع القوات الأمريكية وقوات حلفائها وتعقّبها في مختلف أنحاء العالم، وقد حدّد الاستراتيجيون العسكريون الصينيون الأصول الفضائية التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية أهدافاً ذات قيمة استراتيجية نظراً إلى اعتماد الجيش الأمريكي عليها في معظم مراحل ما يُعرف بـ”سلسلة الاستهداف” التي تشمل اكتشاف الأهداف وتحديد مواقعها وتوجيه الضربات إليها ثم تقييم نتائجها.
وللاستفادة من اعتماد الولايات المتحدة على الأقمار الصناعية تستثمر بكين في تطوير أسلحة مضادة للأقمار الصناعية فمنذ عام 2007 حين أجرت أول اختبار ناجح لصاروخ مضاد للأقمار الصناعية طوّرت الصين وسائل أخرى تشمل الحرب الإلكترونية وأسلحة الطاقة الموجّهة القادرة على التشويش على إشارات الأقمار الصناعية أو إتلاف مستشعراتها من دون تدميرها مادياً، كما باتت المركبات الفضائية الصينية قادرة على تنفيذ مناورات تزداد تطوراً وتعقيداً ففي عام 2022 التحمت مركبة فضائية صينية تُدعى (شيجيان-21) بقمر صناعي صيني متوقف عن العمل ونقلته إلى مدار آخر، وقد يكون مثل هذا الإجراء سلمياً إذ يمكن استخدامه لإصلاح الأقمار الصناعية وإعادة تزويدها بالوقود أو إزالة الحطام الفضائي لكنه قد يتيح أيضاً للمركبات الصينية التحكم في حركة مركبات فضائية أخرى بما فيها الأقمار الصناعية العسكرية الأمريكية، وقد تشكّل قدرة بكين على إسقاط الأقمار الصناعية الأمريكية تحدياً بالغ الخطورة للجيش الأمريكي في شرق آسيا حيث ستكون الصين في حال اندلاع نزاع أقل اعتماداً بكثير على الأصول الفضائية مقارنة بالولايات المتحدة.
وبدأ صعود الصين في مجال الفضاء يؤثر بالفعل في معادلات الأمن الدولي الأوسع فخلال الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 قدّمت شركات صينية صوراً بالأقمار الصناعية لساحة المعركة ساعدت القوات الروسية على تنفيذ عملياتها العسكرية، وخلال الحرب الدائرة في إيران زوّدت جهات صينية طهران أيضاً بصور ملتقطة بالأقمار الصناعية من بينها صور لقاعدة في الأردن استهدفتها إيران في تموز ما أسفر عن مقتل ثلاثة عسكريين أمريكيين، ومع توسع قطاع الفضاء التجاري الصيني قد تتسع هذه العلاقات أيضاً بما يتيح لمزيد من الدول والجهات من غير الدول التي لا تمتلك برامج فضائية متقدمة الاستفادة من هذه القدرات، وقد يسهم توسيع نطاق الوصول إلى هذه الخدمات في إنقاذ الأرواح خلال الكوارث الطبيعية وحالات الطوارئ الأخرى لكنه قد يمنح الخصوم أيضاً قدرة أكبر على استهداف القوات الأمريكية وقوات حلفائها في مختلف أنحاء العالم بفاعلية أعلى.
مهام حيوية
مع تنامي القدرات الفضائية للصين اتخذت واشنطن خطوات لحماية بعض شبكات أقمارها الصناعية، فقد عملت القوة الفضائية الأمريكية على توزيع بعض أصولها الفضائية الأكثر حساسية على مواقع مختلفة وزيادة مشترياتها من الأقمار الصناعية الجديدة وعلى الرغم من أهمية هذه الاستثمارات فإنها لا تكفي لمعالجة مواطن الضعف الأمريكية، ففي ضوء القدرات التي تمتلكها الصين بالفعل أو يُتوقع أن تطورها قريباً باتت هناك سيناريوهات عديدة قد تضطر فيها القوات المسلحة الأمريكية إلى العمل في ظل انقطاع الاتصالات عبر الأقمار الصناعية أو تراجع كفاءتها والتشويش على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي والحد من قدرتها على الحصول على المعلومات الاستخباراتية المستمدة من الفضاء.
ينبغي للجيش الأمريكي الاستثمار في التقنيات الواعدة مثل أنظمة الملاحة بالقصور الذاتي والمستشعرات الكمومية التي قد تتيح لقواته مستقبلاً تحديد مساراتها والتحرك بدقة من دون الاعتماد على نظام تحديد المواقع العالمي. كما ينبغي له تطوير بدائل للأقمار الصناعية، من بينها منصات الترحيل عالية الارتفاع كالمسيّرات والبالونات التي تعمل بالقرب من الأرض وتربط شبكات الاتصالات بعضها ببعض وتقنيات الاتصال بالليزر التي تنقل المعلومات باستخدام الضوء ويصعب التشويش عليها والشبكات المتداخل التي تعيد توجيه الإشارات تلقائياً عند تدمير إحدى عقدها بما يعزز استمرارية الاتصالات وقدرتها على الصمود، كذلك ستغدو آليات تفويض صلاحيات اتخاذ القرار أكثر أهمية من أي وقت مضى في ظل تزايد احتمالات انقطاع الاتصال.
وعلى واشنطن أيضاً تكثيف جهودها لتعزيز المنافسة في قطاع الإطلاق الفضائي المحلي فالولايات المتحدة تتصدر العالم في عمليات الإطلاق الفضائي بفضل شركة (سبيس إكس) إلى حد كبير، وعلى الرغم من أن الشركة تمثل رصيداً استراتيجياً مهماً فإن اقترابها من احتكار السوق ينطوي على مخاطر، فإذا أدت أعطال تقنية أو أضرار لحقت بمنشآت الإطلاق إلى توقف عملياتها فستتراجع قدرة الولايات المتحدة على إطلاق الأقمار الصناعية تراجعاً حاداً، وقد أعلنت (سبيس إكس) هذا العام خططاً لإخراج صاروخ (فالكون 9) وهو صاروخها الرئيسي القابل لإعادة الاستخدام من الخدمة تدريجياً على أن يحل محله في نهاية المطاف صاروخ (ستارشيب) القادر على نقل أعداد أكبر من الأقمار الصناعية إلى المدار في كل عملية إطلاق، غير أن بدء الاستغناء عن (فالكون 9) أدى بالفعل إلى نقص في قدرات الإطلاق يهدد استمرار نمو الاقتصاد الفضائي الأمريكي وللحد من هذه المخاطر ينبغي لواشنطن مواصلة منح العقود الحكومية لشركات أخرى.
وإلى جانب الاستثمار في قدرات الإطلاق ينبغي للولايات المتحدة دعم الشركات التي تطور تقنيات فضائية ناشئة ذات أهمية للأمن القومي لكنها تجد صعوبة في استقطاب طلب تجاري كافٍ خلال سنواتها الأولى، وهذا نهج سبق أن اتبعته واشنطن مع شركة (سبيس إكس) منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ويمكن للوكالات الفيدرالية أن تؤدي دور العملاء الرئيسيين لهذه التقنيات التي تعدّها واشنطن ضرورية للأمن القومي، بما يضمن للشركات المطوّرة إيرادات مستقرة ويعزز مصداقيتها الأمر الذي يساعدها على النمو.
ويُعد تحديد التقنيات الناشئة ذات الأهمية الاستراتيجية وتمويلها بصورة مستمرة أمراً أساسياً للحفاظ على التفوق في الفضاء، غير أن أولويات الولايات المتحدة في هذا المجال ظلت عرضة للتبدل مع تعاقب الإدارات الرئاسية وتغير توجهات الكونغرس، فمع انهيار الاتحاد السوفيتي تراجعت رغبة واشنطن في مواصلة الاستثمار المكثف في الفضاء. ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تخلت عن هذا المجال تماماً إذ واصلت تنفيذ مشروعات مثل برنامج مكوك الفضاء وبعثات (أرتميس) إلى القمر وتأسيس القوة الفضائية الأمريكية، ومع ذلك ظل اهتمام الحكومة بالفضاء يتصاعد ويتراجع من مرحلة إلى أخرى في المقابل واصلت بكين العمل على تحقيق أهدافها الفضائية بثبات منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي معدّلة برامجها بما يواكب التطور التكنولوجي من دون أن تفقد تركيزها على غاياتها النهائية، وإذا أرادت واشنطن مواصلة منافسة الصين فعليها أن تحافظ بدورها على التزاماتها وتضمن استمراريتها.
وأخيراً ينبغي للولايات المتحدة تعزيز تعاونها مع حلفائها، فحلف شمال الأطلسي يعمل بالفعل على اختبار سبل تبادل الخبرات الفضائية بين أعضائه ودمجها في العمليات المشتركة، وفي تموز أطلق ثمانية من حلفاء الولايات المتحدة مبادرة (هالو) الهادفة إلى ربط الأقمار الصناعية العسكرية الوطنية ضمن شبكة تيسّر الاتصالات وتبادل المعلومات الاستخباراتية وتتبع الصواريخ. كذلك يبحث مشروع (ستارليفت) التابع للحلف الذي أُطلق عام 2024 في سبل الاستفادة من مواقع الإطلاق المنتشرة في أراضي الدول الحليفة لتسريع الوصول إلى المدار عند وقوع الأزمات، وينبغي للولايات المتحدة التي تراجعت أولوية التعاون الأمني الدولي لديها في السنوات الأخيرة أن تجدد التزامها بأمن الفضاء بالتعاون مع حلفائها، وسيكون الوصول إلى الموارد الفضائية للدول الحليفة أمراً ضرورياً في الصراعات المستقبلية التي تمتد عبر مسافات شاسعة ولا سيما إذا تعرضت الأصول الفضائية الأمريكية نفسها للتدمير.
ومهما بلغت فاعلية إجراءات التحديث وتعزيز القدرة على الصمود فلن تكون كافية وحدها لحماية الأصول الأمريكية في الفضاء من خصوم عازمين على استهدافها، فعلى مدى عقود اعتمدت الولايات المتحدة على تفوقها الفضائي في خوض الحروب لكن اعتمادها المفرط اليوم على الأقمار الصناعية وشركة (سبيس إكس) أصبح مصدراً رئيسياً للضعف، ويتعين على واشنطن أن تهيئ نفسها لعالم لم تعد فيه القوة المهيمنة الوحيدة في الفضاء، فالحفاظ على موقع متقدم في سباق الفضاء الجديد يتطلب الاستثمار في البنية التحتية الفضائية بالتوازي مع وضع خطط بديلة تحدّ من المخاطر التي تفرضها المرحلة الناشئة من التعددية القطبية في الفضاء.



