الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

الجبهة الإيرانية الثانية.. كيف أعاد التقدم الجريء للحوثـ ـيين تشكيل حروب “الشرق الأوسط”

بقلم: أبريل لونغلي

وأليسون ماينور

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

في خضم الحرب الدائرة مع إيران اغتنم انصار الله الحوثـ ـيون الفرصة لشنّ تحرك عسكري واسع النطاق بهدف تعزيز هيمنتهم العسكرية في اليمن ومحيطه، ففي يوم الثلاثاء أطلقت الجماعة المتحالفة مع إيران موجة من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية استهدفت بها المملكة العربية السعودية ما أدى إلى اندلاع حرائق في منشآت نفطية جنوبي البلاد وإصابة أكثر من 70 شخصاً، ثم في يوم الخميس وبعد أيام من القتال العنيف على امتداد خطوط المواجهة الرئيسية داخل اليمن ألحق انصار الله الحوثـ ـيون هزيمة بالقوات الحكومية المدعومة من السعودية على ساحل البحر الأحمر وتمكنوا من السيطرة على ميناء المخا الاستراتيجي، وفي يوم الجمعة أفادت الحكومة اليمنية بأن الحوثـ ـيين استولوا على جزيرة بريم عند مدخل مضيق باب المندب وهو الممر المائي الضيق الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي ويمثل هذا الاستيلاء تحولاً عميقاً في ميزان القوى داخل اليمن مع ما قد يترتب عليه من تداعيات على المنطقة بأسرها.

وحتى هذا الأسبوع كان ميناء المخا يشكل موقعاً حيوياً لجزء من التحالف المناهض للحوثـ ـيين كما مثّل خط دفاع متقدماً في مواجهة توسع المتمردين، ومن خلال هذا الهجوم أطاح الحوثـ ـيون بالوضع القائم على طول الساحل وقوّضوا هدنةً صمدت إلى حد كبير منذ عام 2022 ومهّدوا الطريق أمام مزيد من ترسيخ سيطرتهم على شمال اليمن، غير أن هذا الانتصار يُعد كذلك مكسباً لإيران إذ إن سيطرة انصار الله الحوثـ ـيين على كل من جزيرة بريم وميناء المخا الذي يقع على مسافة تقل عن 50 ميلاً من باب المندب ستتيح لهم تكريس موقعهم بوصفهم الطرف صاحب النفوذ الحاسم في المضيق فضلاً عن قدرتهم على مضايقة حركة الملاحة بصورة أكثر سهولة.

ويكتسب توقيت تصعيد الحوثيـ ـين الذي بدأ بهجمات استهدفت المصالح السعودية في تموز أهمية خاصة نظراً إلى أن البحر الأحمر أصبح خلال الحرب مع إيران بديلًا حيويًا لمضيق هرمز أمام صادرات النفط السعودية، وعلى الرغم من أن قادة الحوثيين يقدّمون تحركاتهم في إطار محلي فإن اصطفافهم مع طهران يبدو أنه أصبح أكثر إحكامًا، فمن خلال استهداف الملاحة السعودية والمملكة العربية السعودية نفسها فتح انصار الله الحوثـ ـيون فعلياً جبهة ثانية في الحرب مع إيران موسّعين نطاق الصراع وفارضين مزيداً من الضغوط على أسواق الطاقة والأسواق المالية العالمية. وقد صرّح مسؤولون إيرانيون بأن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة سيتطلب إنهاء الحصار المفروض على اليمن في إشارة إلى رفع المملكة العربية السعودية جميع القيود المفروضة على حركة العبور من وإلى المناطق الخاضعة لسيطرة أنصار الله الحوثـ ـيين، بما فيها العاصمة صنعاء وإنهاء دعمها للحكومة اليمنية، وفي ظل هذا النظام الإقليمي المتغير تسعى إيران وشركاؤها إلى إرساء وضع قائم جديد من خلال بسط السيطرة على أهم نقاط الاختناق البحرية في “الشرق الأوسط”.

وتتراجع الخيارات المتاحة للتعامل مع التحدي الحوثي من السيئ إلى الأسوأ، وعلى الرغم من أن خطوط المواجهة ستواصل على الأرجح تغيرها فقد تكشفت بوضوح مجموعة من الحقائق الصعبة، إذ لا يبدو أن الحل العسكري الحاسم للتهديد الحوثي خيار واقعي. فبالرغم من استعراض القوات الحكومية اليمنية لقوتها علناً فإنها لا تزال تعاني انقسامات داخلية عميقة، وخلال هجوم هذا الأسبوع أخفقت السعودية بوصفها الداعم الرئيسي لها في توفير الإسناد الجوي القريب وغيره من أشكال الدعم الضرورية بما يكشف استمرار ضعف التنسيق بين التحالف المناهض لانصار الله الحوثـ ـيين والرياض، وعلاوة على ذلك فإن المكاسب التي حققها الحوثـ ـيون تقوّض فرص التوصل إلى تسوية تفاوضية، ومن المرجح أن تصبح الجماعة المسلحة بعد هذه المكاسب أكثر تشدداً في مطالبها وطموحاتها الرامية إلى فرض نفوذها على امتداد البحر الأحمر.

ولا توجد حلول سهلة لهذا الوضع وفي الوقت الراهن ينبغي أن تتمثل الأولوية بالنسبة إلى السعودية والولايات المتحدة وحلفائهما اليمنيين في حماية خطوط المواجهة الرئيسية الأخرى من تقدم الحوثيين وإعاقة جهودهم الرامية إلى ترسيخ سيطرتهم على شمال اليمن وباب المندب، لكن إلى جانب ذلك يتعين على التحالف المناهض للحوثـ ـيين أن يعالج أخيراً الانقسامات التي لا تزال تمزقه وأن يتوصل إلى رؤية سياسية قابلة للتطبيق لحل النزاع اليمني، وإذا لم يفعل ذلك فإن هناك خطراً حقيقياً يتمثل في تفاقم الاضطرابات داخل معسكر الحكومة واتساع نطاق التهديد الحوثي ليشمل المنطقة بأسرها.

 

 

من المضيق إلى البحر

على مدى نحو خمسة أشهر منذ اندلاع الحرب مع إيران في أواخر شباط التزم الحوثـ ـيون إلى حد كبير موقف المتفرج لكن هذا الهدوء النسبي تبدد في منتصف تموز عندما نقل الإيرانيون وفداً حوثياً جواً من طهران إلى صنعاء في تحدٍّ لسيطرة الحكومة اليمنية والتحالف الذي تقوده السعودية على المجال الجوي اليمني، ولمنع الطائرة من الهبوط قصفت السعودية والحكومة اليمنية المدرج الوحيد في مطار صنعاء، وعلى الرغم من أن الطائرة هبطت في نهاية المطاف في ميناء الحديدة الخاضع لسيطرة الحوثيين فإن التحرك السعودي وفّر للحوثـ ـيين ذريعة للتخلي عن هدنة عام 2022 وعندها تحديداً بدأت الجماعة تصعيدها الجريء ضد المصالح السعودية وشنّت هجومها الجديد على قوات التحالف في اليمن.

ويبدو جلياً أن الحملة الحوثـ ـية مصممة لاستغلال مواطن الضعف الجديدة لدى السعودية، فمع تشديد إيران قبضتها على مضيق هرمز أصبح البحر الأحمر شريان حياة لصناعة النفط السعودية، لكن منذ استئناف الحوثـ ـيين هجماتهم في تموز تراجعت صادرات النفط السعودية عبر باب المندب بنسبة 95 %، والآن من خلال استهداف البنية التحتية والسفن بالقرب من مجمع الموانئ في البحر الأحمر بمدينة ينبع يهدد الحوثـ ـيون أيضاً حركة نقل صادرات النفط شمالاً عبر مصر.

وفي الوقت نفسه منحت الحرب الأمريكية مع إيران زخماً جديداً لأهداف أنصار الله الحوثـ ـيين القصوى داخل اليمن نفسه، فقد أصاب الجماعةَ الإحباطُ من حالة “لا حرب ولا سلام” التي سادت بعد الهدنة وهي تلقي باللوم على الرياض في إبطاء التوصل إلى تسوية سياسية رسمية للحرب الأهلية المستمرة منذ 12 عاماً، لكن الواقع أن الحوثـ ـيين أنفسهم عرقلوا التوصل إلى مثل هذا الاتفاق. ففي عام 2023 ساعدت الأمم المتحدة في التفاوض على خارطة طريق كانت ستتيح لانصار الله الحوثـ ـيين دفع جميع رواتب موظفي القطاع العام والحصول على حصة من موارد النفط والغاز مقابل وقف دائم لإطلاق النار وبدء عملية سياسية، وكان من شأن ذلك أن يمثل نتيجة جيدة للحوثـ ـيين الذين لا يسيطرون على أي من موارد البلاد الهيدروكربونية فضلاً عن استبعادهم من الاقتصاد الدولي، لكنهم بدلاً من قبول العرض بدأوا مهاجمة الملاحة في البحر الأحمر لإظهار دعمهم لحركة حماس في حرب غزة بينما افترضوا طوال الوقت أنهم سيتمكنون من العودة إلى طاولة المفاوضات عندما يصبحون مستعدين لذلك.

وخلال المرحلة الأخيرة من الحرب في غزة ألحقت “إسرائيل” ** والولايات المتحدة أضراراً عسكرية واقتصادية كبيرة بمعاقل انصار الله الحوثـ ـيين في اليمن، ففي ربيع عام 2025 شنّت إدارة ترامب أكثر من ألف غارة جوية خلال عملية “راكب خشن” وبعد بضعة أشهر استهدفت “إسرائيل” البنية التحتية لانصار الله الحوثـ ـيين واغتالت رئيس وزراء الجماعة الفعلي ورئيس أركانها العسكري، غير أن هذه الحملات يبدو أنها عززت جرأة الجماعة بدلاً من ردعها، فمن خلال مهاجمة الملاحة العالمية عزز الحوثـ ـيون أهميتهم داخل محور المقاومة الإيراني ومن خلال خوض مواجهة مع هذه القوى العسكرية الكبرى عززت الجماعة صورتها عن نفسها بوصفها لاعباً إقليمياً رئيسياً يمتلك قدرة فريدة على تحرير العالم الإسلامي من النفوذ الأمريكي و”الإسرائيلي” المفسد.

ومنذ ذلك الحين كثّفت الجماعة جهودها للحصول على قدرات عسكرية جديدة وأكثر تطوراً، وخلال حرب غزة زوّدت روسيا الحوثـ ـيين بمعلومات استخبارية للمساعدة في استهداف السفن، كما درست إمكانية تزويدهم بأسلحة متقدمة قبل أن تثنيها الرياض في نهاية المطاف عن ذلك. واليوم وكما ورد في تحليل حديث نشرته مجلة “فورين أفيرز” يستفيد الحوثـ ـيون من سلاسل إمداد متنوعة وشبكات مالية غامضة، بالتزامن مع تطوير قدراتهم المحلية على الإنتاج، ونتيجة لذلك تمكنوا من تعزيز ترسانتهم حتى من دون عمليات نقل أسلحة مباشرة من إيران.

ويعتقد الحوثـ ـيون الآن أنهم قادرون على دفع السعوديين إلى تقديم شروط أفضل لهم حتى من تلك التي نصت عليها خارطة الطريق المدعومة من الأمم المتحدة عام 2023 بما في ذلك الحصول على تعويضات عن أضرار الحرب، ومع استمرار هجومهم العسكري من المرجح أن تواصل هذه المطالب الارتفاع، وفي الوقت نفسه يواجه الحوثيون ضغوطاً كبيرة في الداخل للوفاء بوعودهم القديمة بدفع رواتب موظفي القطاع العام ومعالجة الظروف المعيشية التي تزداد سوءاً، ويعاني أكثر من نصف سكان اليمن من انعدام حاد في الأمن الغذائي فيما يواجه ستة ملايين شخص مستويات من الحرمان توصف بأنها “طارئة” وتقترب من حد المجاعة.

 

الخط الأحمر للرياض

نظراً إلى اعتماد السعودية المتزايد على البحر الأحمر ربما قدّر أنصار الله الحوثـ ـيون أن المملكة ستسارع إلى الاستجابة لمطالبهم، لكن تحركات أنصار الله الحوثـ ـيين يبدو أنها عززت تصميم الرياض على مواجهتهم، وفي حين أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ربما كان يفضّل خفض التصعيد أو على الأقل تأجيل المواجهة إلى حين التوصل إلى اتفاق أمريكي-إيراني يخفف من اعتماد المملكة على البحر الأحمر، فإن أنصار الله الحوثـ ـيين لم يتركوا للسعوديين مجالاً للانتظار.

وفي ظل إدارة أمريكية يصعب التنبؤ بسياساتها تستعد السعودية للمواجهة من خلال تنويع شراكاتها الأمنية، ففي 30 تموز أعلنت الرياض تشكيل تحالف بحري دفاعي يضم 14 دولة لحماية البحر الأحمر من بينها تركيا وباكستان ومصر والسودان وجيبوتي، وبعد أسبوع وقّع ولي العهد اتفاقاً للدفاع المتبادل مع تركيا وباكستان خلال مراسم أُقيمت في مكة بحضور قائدي البلدين، ولا تزال القيمة العسكرية لهذه الاتفاقات غير واضحة بل إن الهجمات الحوثـ ـية على السعودية تمثل الاختبار الأول للاتفاق الأخير. وحتى الآن جاءت النتائج محدودة ووفقاً لرويترز حذرت باكستان الإيرانيين من ضرورة كبح حلفائهم الحوثـ ـيين وذلك قبيل استيلاء الحوثـ ـيين المفاجئ على المخا، ولم تنخرط تركيا أو باكستان بصورة مباشرة في القتال الدائر في اليمن كما أكدت إسلام آباد أن اتفاق مكة لم يُفعّل استجابةً للحرب في اليمن، ومع ذلك يظل الدعم الدبلوماسي مهماً بالنسبة إلى السعودية في ظل الانتقادات التي واجهتها الرياض بسبب تدخلها العسكري في اليمن عام 2015.

كما واصلت السعودية السعي للحصول على دعم الولايات المتحدة، وأفادت أكسيوس بأن واشنطن أعطت الرياض الضوء الأخضر لقصف مطار صنعاء فيما طلبت المملكة مزيداً من الدعم الأمريكي، وفي 28 تموز تعاونت الرياض مع واشنطن في توجيه ضربات إلى الفصائل العراقية في إشارة إلى احتمال انضمام واشنطن إلى الرياض في جهدها العسكري ضد الحوثـ ـيين إذا استمر الصراع في الاتساع، إلا أن انخراط الولايات المتحدة لا يزال بعيداً عن أن يكون أمراً محسوماً. ففي ظل أعباء الحرب مع إيران تحرص الإدارة الأمريكية على الإبقاء على الهدنة الثنائية مع أنصار الله الحوثـ ـيين، السارية منذ ايار 2025 كما أن العديد من أصولها العسكرية في “الشرق الأوسط” عالقة في مضيق هرمز، فضلًا عن أن توسيع نطاق الحرب سيكون غير مستساغ داخلياً.

 

 

وفي حين أن استيلاء الحوثـ ـيين على المخا وجزيرة بريم يفرض ضغوطاً أكبر على واشنطن للتحرك فقد تكون إدارة ترامب أكثر اهتمامًا بتجنب الانخراط في مواجهات عسكرية جديدة قبيل انتخابات التجديد النصفي، فقد أفادت أكسيوس بأن ترامب رفض طلبات سعودية لشن غارات جوية على الحوثيين عقب تقدمهم يوم الخميس، أما جهود الرياض لتعزيز الحكومة اليمنية فقد أفضت إلى نتائج متباينة بوضوح. ففي كانون الثاني دفعت السعودية بحليفتها القديمة في اليمن الإمارات العربية المتحدة جانبًا بعدما حاولت قوات انفصالية متحالفة مع أبوظبي بقيادة المجلس الانتقالي الجنوبي فرض سيطرتها على جنوب اليمن بأكمله، ومنذ ذلك الحين انسحبت الإمارات من اليمن بالكامل، ما أتاح للرياض توحيد القوات العسكرية الحكومية ووضعها تحت قيادتها المباشرة.

لكن الاستيلاء السريع انصار الله الحوثـ ـيين على المخا يثير تساؤلات كبيرة بشأن قوة هذه القوات وتماسكها، فعلى أرض المعركة لم يؤد توحيد القيادة إلى تعاون فعال بين مختلف الجماعات المرتبطة بالحكومة، ومع انسحاب القوات الحكومية من المخا أفادت تقارير حتى بوقوع اشتباكات بينها وبين القوات الجنوبية التي رفضت السماح لحلفائها الشماليين بدخول الجنوب بأسلحتهم، وعلى وجه الخصوص أدى غياب الإمارات وحلّ المجلس الانتقالي الجنوبي إلى إبعاد مكوّن جنوبي مهم داخل التحالف المناهض للحوثيين كما حرم التحالف من داعم خارجي يتمتع بقدرات عسكرية فاعلة، وإذا تمكن الحوثيون من ترسيخ مكاسبهم في المخا ومحيطها فإن خسارة الأراضي قد توجه ضربة قوية إلى معنويات القوات الموالية للحكومة وتؤجج مزيداً من الانقسامات في صفوفها.

 

مضيقان استراتيجيان

تمثلت أهم أوراق الضغط التي تمتلكها إيران في مواجهة الولايات المتحدة في قدرتها على إغلاق مضيق هرمز، وخلال جزء كبير من الحرب كانت السعودية تصدّر ما بين ثلاثة وخمسة ملايين برميل من النفط يومياً عبر موانئها على البحر الأحمر الذي أصبح شرياناً حيوياً بديلاً للرياض ولأسواق النفط العالمية، ومن خلال انصار الله الحوثـ ـيين باتت إيران قادرة الآن على تقييد هذه الصادرات أيضاً، ويتمثل الهدف الإيراني على المدى الطويل في ترسيخ وضع إقليمي بالغ الخطورة يقوم على سيطرة انصار الله الحوثـ ـيين على باب المندب بالتوازي مع سيطرة إيران على مضيق هرمز، وإذا أمكن الحفاظ على هذا الوضع فإن هذه الاستراتيجية ستجعل إيران وشريكها الإقليمي بحكم الأمر الواقع حارسين لبوابات تجارة تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات سنوياً.

وعلى الرغم من أن طهران لا تفرض قيادة وسيطرة مباشرة على انصار الله الحوثـ ـيين فإنها تمارس نفوذاً هائلاً على الجماعة، ويشير قرار إيران إرسال الطائرة إلى صنعاء في تموز والذي أشعل موجة التصعيد الحوثي الحالية إلى السبل المتعددة التي تستطيع طهران من خلالها تأجيج الصراع اليمني بما يخدم أهدافها، وفي المقابل أدى قرار انصار الله الحوثـ ـيين الاستعانة بالفصائل العراقية في هجماتهم على السعودية إلى زيادة تشابك الصراع اليمني مع الحرب مع إيران، كما أن تنامي تحالفات الحوثيين مع جماعات مسلحة في الصومال والسودان ومناطق أخرى من القرن الأفريقي يعكس مدى إمكانية امتداد التصعيد الحالي سريعًا إلى نطاق إقليمي أوسع.

وخلال العقد الذي أعقب اندلاع الحرب الأهلية اليمنية عام 2014 امتدت تداعياتها إلى السعودية والإمارات ثم وصلت في نهاية المطاف إلى البحر الأحمر، ومع اندلاع الحرب مع إيران وتوسع الطموحات والشراكات الإقليمية لأنصار الله الحوثـ ـيين وقدرتهم بالتعاون مع إيران على التأثير في تجارة الطاقة العالمية، باتت الظروف مهيأة لاندلاع صراع أكثر خطورة واتساعاً، وهذه المرة قد يصبح من الأصعب بكثير على أنصار الله الحوثـ ـيين الحفاظ على استقلاليتهم السابقة عن طهران. لطالما كانت الحرب في اليمن ساحةً لتنافس القوى الإقليمية، لكن المرحلة الراهنة قد تشهد انخراطاً متزايداً من جانب “إسرائيل” وروسيا وتركيا والولايات المتحدة، وبدلاً من أن يكون اليمن ساحة للتنافس على النفوذ الإقليمي قد يتحول إلى منصة للتنافس بين القوى الكبرى، يتمحور حول نقطة اختناق بحرية بالغة الأهمية.

 

صدام أم قصف؟

بعد أن بدأت دورة خطيرة من التصعيد سيتوقف الكثير على ما سيحدث في المرحلة المقبلة، فقد تستغل السعودية المكاسب الأخيرة التي حققها الحوثيون لحشد الدعم الدولي لشن حملة واسعة ضدهم قد تشمل الولايات المتحدة وشركاءها الجدد في اتفاق مكة، غير أن مثل هذا الرد قد يؤدي إلى توسيع نطاق الصراع من دون معالجة نقاط الضعف الأساسية التي يعاني منها التحالف المناهض للحوثيين على الأرض. ومن المرجح أن يصب هذا التصعيد المفتوح في مصلحة أنصار الله الحوثـ ـيين وأن يخدم استراتيجية إيران الرامية إلى السيطرة على نقاط الاختناق البحرية في “الشرق الأوسط”، كما أن استمرار الحرب في اليمن قد يعقّد جهود الولايات المتحدة للتوصل إلى تسوية مع إيران، وفي المقابل إذا رضخت السعودية لأنصار الله الحوثـ ـيين عقب مكاسبهم الميدانية فقد يوجه ذلك ضربة قاصمة إلى التحالف المناهض للحوثـ ـيين ويؤدي إلى مزيد من تأجيج الطموحات الإقليمية لأنصار الله الحوثـ ـيين.

ومع ذلك لا تزال هناك نافذة ضيقة من الفرص للحيلولة دون خروج التصعيد عن السيطرة والعودة إلى طاولة المفاوضات، ولتحقيق ذلك سيتعين على السعودية والحكومة اليمنية إلى جانب الشركاء الإقليميين والدوليين الآخرين الاتفاق على خطة موثوقة تفضي إلى تسوية سياسية للنزاع اليمني، وينبغي أن تعالج هذه الخطة الانقسامات داخل التحالف المناهض لأنصار الله الحوثـ ـيين وأن تحسم القضايا السياسية التي لا تزال تمزق صفوفه مع تجنب تبني أهداف عسكرية قصوى.

ويتطلب التوصل إلى مثل هذه التسوية في الوقت الراهن أن تمارس السعودية والقوات الحكومية اليمنية بدعم من الشركاء الإقليميين والدوليين ضغطاً عسكرياً فعالاً لوقف تقدم انصار الله الحوثـ ـيين وإقناعهم بقبول اتفاق، وفي الواقع يواجه انصار الله الحوثـ ـيون أنفسهم ضغوطاً اقتصادية كبيرة في الداخل ويمكن أن يستفيدوا من هذه المفاوضات إذا أمكن إقناعهم بأن فرض إرادتهم بالقوة العسكرية أمر غير ممكن، ولكي تحقق التسوية السياسية الاستقرار في اليمن سيتعين على انصار الله الحوثـ ـيين أيضاً الموافقة على شروط تعالج المخاوف الأساسية للأطراف الإقليمية والحكومة اليمنية، وتضع إطاراً قابلاً للتطبيق لنظام الحكم.

وفي هذا الصدد يمكن الاستفادة من نهج سابق اتبعه التحالف الذي قادته السعودية في اليمن، ففي عام 2021 انسحب الحوثـ ـيون من المفاوضات وشنّوا هجوماً برياً واسعاً جديداً، وردّ السعوديون والإماراتيون بتنفيذ عملية منسقة ركزت على إعادة الحوثيين إلى طاولة المفاوضات بدلاً من السعي إلى تحقيق نصر عسكري شامل. وفي نهاية المطاف أسهمت هذه الحملة في التوصل إلى هدنة بعد بضعة أشهر، وينبغي لأي حملة جديدة يشنها التحالف الذي تقوده السعودية اليوم أن تركز بالقدر نفسه على دفع الحوثـ ـيين إلى الانخراط في المفاوضات، غير أن تحقيق ذلك سيتطلب أولاً منع المزيد من الخسائر الميدانية، وبذل جهد فوري لتقريب وجهات النظر داخل التحالف المناهض للحوثـ ـيين.

لقد آن الأوان لإنهاء الاستراتيجية الفاشلة التي تعاملت مع مشكلات اليمن من خلال التصعيد العسكري قصير الأمد وحملات الضغط، ولن يكون إحياء التسوية السياسية أمراً سهلاً ولن يتحقق على الفور، لكن البديل أسوأ بكثير: الانزلاق إلى حرب متجددة وطويلة الأمد ومتزايدة الطابع الإقليمي وقد يكون من السهل كما هي الحال في الحرب الأمريكية و”الإسرائيلية” مع إيران، إشعالها أكثر بكثير من إنهائها.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى