الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

الثقة ركيزة بقاء التحالف عبر الأطلسي

استخفاف واشنطن بالقيمة الاستراتيجية لحلف الناتو يهدد مستقبل التحالف الغربي

بقلم: فولفغانغ إيشنغر

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

على مدى أكثر من عقد دأب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على اتهام الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة بالاتكال على المظلة الأمنية الأمريكية دون تحمل نصيبهم العادل من أعباء الدفاع الجماعي، فمنذ إطلاق حملته الرئاسية الأولى عام 2015 واصل انتقاد الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي لا تنفق وفقًا لتقديره حصتها العادلة على الدفاع، وبعد وصوله إلى البيت الأبيض لوّح بالانسحاب من الحلف ثم أعاد التلويح بهذا الخيار مجددًا خلال حملته الرئاسية لعام 2024.

وقبل أسابيع قليلة أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث خلال اجتماع لوزراء دفاع الناتو عن مراجعة تمتد ستة أشهر للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، مؤكدًا أن مساهمة واشنطن السنوية في ميزانية الحلف ستصبح “مشروطةً بالتزام الدول الأعضاء الأخرى بتحقيق مستهدفات الإنفاق الدفاعي”، ومن المرجح أن تهيمن تهديدات إدارة ترامب بتقليص التزاماتها الأمنية تجاه أوروبا على مداولات قمة الناتو المنعقدة هذا الشهر في تركيا.

ومنذ انتهاء الحرب الباردة ألمحت الولايات المتحدة في مناسبات عديدة إلى احتمال تقليص مساهمتها في أمن القارة الأوروبية إلا أنها كانت كلما اقتضت الضرورة تتدخل للدفاع عن حلفائها الأوروبيين، فعندما عجزت الدول الأوروبية عن احتواء الحرب التي اندلعت في البوسنة والهرسك عام 1992 تدخلت واشنطن ومهّدت الطريق أمام المفاوضات التي أفضت إلى إنهاء النزاع، وبالمثل ورغم أن الإدارة الأمريكية أبدت حذرًا في تنسيق الرد الدولي على ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 مفسحة المجال لفرنسا وألمانيا لتولي زمام المبادرة الدبلوماسية فإنها عادت لتضطلع بدور القيادة الاستراتيجية عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، حيث وفرت الجزء الأكبر من الدعم العسكري الذي قدمته دول حلف الناتو إلى كييف وقادت جهود الحلف في مواجهة التداعيات الأمنية للحرب. وخلال هذه المرحلة واصلت الولايات المتحدة مطالبة شركائها الأوروبيين بتحمل قسط أكبر من أعباء الدفاع الجماعي داخل الحلف، غير أن الأوروبيين وقد اعتادوا الاعتماد على الضمانات الأمنية الأمريكية، وافترضوا أن واشنطن ستظل تقف إلى جانبهم في اللحظات الحاسمة، لم يتعاملوا مع تلك التحذيرات بالجدية التي كانت تستوجبها.

غير أن إدارة ترامب أعادت اليوم صياغة معادلة الأمن الأوروبي بصورة غير مسبوقة إذ قللت من أهمية المصالح الأمريكية في أوكرانيا، واستبعدت الدول الأوروبية من المحادثات الرامية إلى إنهاء الحرب هناك كما همّشتها من المشاورات الأمريكية المتعلقة بإمكانية شن حرب على إيران، فضلًا عن تجنبها اتباع الآليات المؤسسية المتعارف عليها للتنسيق بشأن أي إعادة انتشار أو سحب للقوات الأمريكية التقليدية من أوروبا.

 

 

وأمام تزايد الشكوك بشأن موثوقية الالتزامات الأمنية الأمريكية وتصاعد المخاوف من احتمال مواجهة أي عدوان روسي دون دعم أمريكي مباشر شرعت الدول الأوروبية في حشد الموارد اللازمة لبناء قدرة عسكرية أكثر استقلالية وكفاءة، والمفارقة أن أوروبا في الوقت الذي بدأت تتحول فيه إلى الشريك الاستراتيجي الذي يفترض أن تسعى الولايات المتحدة إلى تعزيزه والاعتماد عليه، أسهمت سياسات واشنطن في تقويض الثقة داخل التحالف عبر الأطلسي وإحداث شرخ غير مسبوق في تماسكه. ومن ثم إذا أخفقت الولايات المتحدة في استعادة الثقة التي تضررت بفعل سياساتها الأخيرة، فإنها تخاطر بخسارة حليف يزداد وزنه الاستراتيجي وأهميته الجيوسياسية في بيئة دولية تتسم بتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى.

 

شركاء يتباعدون

على الورق يبدو التحالف عبر الأطلسي اليوم أكثر قوةً وتوازنًا من أي وقت مضى، فبحلول عام 2025 أصبحت غالبية الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) تحقق أو تتجاوز هدف الحلف المتمثل في تخصيص 2% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي فيما ارتفع إجمالي الإنفاق الدفاعي بنسبة 20% بين عامي 2024 و2025، كما بات الحلفاء الأوروبيون وكندا يسهمون بما يقارب 40% من إجمالي الإنفاق الدفاعي للناتو مقارنةً بنحو 30% في عام 2020. وإذا أوفت الدول الأوروبية بأهداف الإنفاق الدفاعي المقررة لعام 2035 فإن حجم إنفاقها سيتجاوز 800 مليار دولار، وهو ارتفاع كبير مقارنةً بإجمالي إنفاقها المقدر بنحو 574 مليار دولار في عام 2025 ليصبح بذلك قريبًا من مستوى الإنفاق الدفاعي الأمريكي في العام نفسه، وبذلك بدأت أوروبا عمليًا في تنفيذ ما طالبت به الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مدى عقود والمتمثل في تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها والدفاع عن نفسها، بما يتيح لواشنطن إعادة توجيه مواردها العسكرية والاستراتيجية إلى مسارح أخرى أكثر أولوية.

ومع ذلك فإن استمرار أزمة الثقة داخل التحالف قد يقوض المكاسب التي يمكن أن تحققها هذه الالتزامات الدفاعية الأوروبية، فالقادة الأوروبيون يبدون تذمرًا متزايدًا إزاء تراجع واشنطن عن نهج التشاور مع حلفائها في القضايا الأمنية الكبرى، فعلى سبيل المثال لم تُجرِ الولايات المتحدة أي مشاورات مع القادة الأوروبيين قبل توجيه ضرباتها العسكرية إلى إيران، وهو ما دفع العديد من الحكومات الأوروبية إلى النأي بنفسها عن الحرب التي أعقبت تلك الضربات.

وعلى النقيض من ذلك ورغم معارضة عدد من الحكومات الأوروبية الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 فإنها قدمت آنذاك دعمًا محدودًا انطلاقًا من روح التضامن بين الحلفاء وشاركت في مشاورات الناتو وتبادلت المعلومات الاستخباراتية مع الولايات المتحدة، أما اليوم فقد أصبحت الحكومات الأوروبية أكثر تحفظًا تجاه الانخراط في مثل هذه التحركات، بل إن بعضها فرض قيودًا على استخدام الولايات المتحدة لأجوائه أو قواعده العسكرية في العمليات المرتبطة بإيران. ولم تتشكل هذه الريبة الأوروبية تجاه الولايات المتحدة بين عشية وضحاها بل تراكمت تدريجيًا خلال الأشهر الماضية، ففي الملف الأوكراني لم تقدم واشنطن نفسها بوصفها ممثلًا للمصالح الجماعية للحلفاء في العملية الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب بل سعت إلى الظهور في موقع الوسيط بين روسيا وحلف الناتو، وقد تجلى ذلك بوضوح في خطة السلام المؤلفة من 28 بندًا والمنسوبة للرئيس ترامب، والتي سُرّبت في تشرين الثاني 2025 إذ منحت امتيازات واسعة للمصالح الروسية الأمر الذي أثار قلقًا بالغًا في العواصم الأوروبية. وفي الوقت نفسه قوبلت تهديدات ترامب العلنية بالاستحواذ على غرينلاند برفض أوروبي واسع، ففي كانون الثاني وعندما هددت واشنطن بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية التي تعارض طموح ترامب في ضم الجزيرة بدأ الاتحاد الأوروبي بدراسة إجراءات اقتصادية مضادة وهي خطوة كان من غير المتصور سابقًا توجيهها ضد حليف استراتيجي، ولم تقتصر تداعيات أزمة غرينلاند على الحكومات بل امتدت إلى الرأي العام الأوروبي إذ أظهر استطلاع للرأي أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في أيار 2026 وشمل خمس عشرة دولة أوروبية، أن نحو ربع الأوروبيين باتوا ينظرون إلى الولايات المتحدة باعتبارها منافسًا أو حتى خصمًا مع استمرار هذا الاتجاه في التصاعد.

وينبغي أن تثير التداعيات المترتبة على هذا التآكل في الثقة قلقًا بالغًا لدى صناع القرار في واشنطن، فمن بين السيناريوهات المحتملة أن تبدأ بعض الدول الأوروبية في البحث عن بدائل للشراكة عبر الأطلسي، فقد تميل بعض الحكومات إلى انتهاج سياسة توازن بين الولايات المتحدة والصين على غرار ما تقوم به دول في أمريكا اللاتينية ومناطق أخرى وذلك من خلال تعميق علاقاتها الاقتصادية مع بكين، وقد يذهب بعضها إلى أبعد من ذلك باختيار الاصطفاف إلى جانب الصين، وفي المقابل إذا وصلت أحزاب اليمين المتطرف إلى السلطة في بعض الدول الأوروبية فإن قادتها ألمحوا إلى إمكانية إعادة بناء العلاقات السياسية والاقتصادية وقطاع الطاقة مع موسكو بدلًا من واشنطن. والأهم من ذلك أن استمرار أزمة الثقة قد يحرم الولايات المتحدة من المزايا الاستراتيجية التي يوفرها التحالف مع شريك أوروبي أصبح أكثر قدرة واعتمادًا على الذات، فأوروبا لم تعد ذلك “الراكب المجاني” الذي يعتمد على المظلة الأمنية الأمريكية، بل باتت تتحول سريعًا إلى أصل استراتيجي ذي قيمة متزايدة. ويتجلى ذلك بوضوح في أوكرانيا حيث سارعت الدول الأوروبية إلى سد الفراغ الذي خلفه تراجع المساعدات الأمريكية، ففي عام 2025 وحده رفعت أوروبا حجم مساعداتها المالية والإنسانية إلى أوكرانيا بنحو 60% وزادت مساعداتها العسكرية بنسبة 67% ليصل إجمالي إنفاقها إلى أكثر من 80 مليار دولار، وفقًا لتقديرات معهد كيل للاقتصاد العالمي في ألمانيا. كما موّلت الدول الأوروبية استمرار تزويد أوكرانيا بالأسلحة الأمريكية من خلال آلية مشتريات خاصة بحلف الناتو في حين حال الاتحاد الأوروبي دون انهيار الاقتصاد الأوكراني عبر تقديم حزمة قروض تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، وبذلك مكّن الحلفاء الأوروبيون الولايات المتحدة من تقليص مستوى انخراطها المباشر في الحرب دون تقويض فرص أوكرانيا في الصمود، وهو الهدف الذي طالما سعت إليه الإدارات الأمريكية. وإذا أوفت أوروبا بتعهداتها الخاصة بالإنفاق الدفاعي وأصبحت قوة عسكرية متكاملة وقادرة على العمل بصورة مستقلة فإن الولايات المتحدة ستكون المستفيد الأكبر من استمرار هذا التحالف، فامتلاك أوروبا قوات أكبر عددًا وأفضل تجهيزًا وأكثر جاهزية للانتشار سيمنحها القدرة على تنفيذ عمليات عسكرية عالية الكثافة والحفاظ على انتشار عسكري مستدام لفترات طويلة، كما أن تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية سيوفر طاقات إنتاجية إضافية ويعزز مرونة قاعدة الصناعات الدفاعية الأمريكية التي تواجه بالفعل صعوبات في إعادة تكوين مخزوناتها العسكرية بعد أسابيع قليلة فقط من الحرب مع إيران.

 

 

ترميم الصدع

غير أن امتلاك الولايات المتحدة حليفًا أوروبيًا أكثر قوة من الناحية المادية لن يحقق لها مكاسب تُذكر إذا لم يعد القادة الأوروبيون مستعدين للعمل معها عن كثب، فالتعاون في تحقيق الاستقرار في “الشرق الأوسط” وبناء منظومة أمنية أوروبية مستدامة يعتمد في المقام الأول على الثقة المتبادلة، ويتطلب أن تتعامل واشنطن مع أوروبا بوصفها شريكًا استراتيجيًا لا تابعًا يعتمد عليها. ولحسن الحظ بالنسبة لصناع القرار الأمريكيين لا تزال أمام واشنطن فرصة لاستعادة ثقة أوروبا وتتمثل هذه الفرصة في المفاوضات الخاصة بالحرب في أوكرانيا، فخلال حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي نسّقت الولايات المتحدة جهودها الدبلوماسية عبر مجموعة الاتصال التي ضمت فرنسا وألمانيا وإيطاليا وروسيا والمملكة المتحدة وعقدت اجتماعات دورية لتنسيق المواقف، ويمكن اليوم استحداث آلية مماثلة تدمج الحلفاء الأوروبيين الرئيسيين في المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا. فالطرف الأوروبي سيظل عنصرًا لا غنى عنه في تثبيت أي وقف لإطلاق النار واحتواء روسيا وضمان الاستقرار طويل الأمد في مرحلة ما بعد الحرب، كما أن وحدة المواقف التي تجلت خلال قمة مجموعة السبع التي عقدت في فرنسا في حزيران حيث أكد القادة “دعمهم الراسخ لأوكرانيا في الدفاع عن حريتها وسيادتها ووحدة أراضيها”، وتعهدوا بتقديم مزيد من المساعدات وبزيادة الضغوط الاقتصادية على روسيا تشير إلى وجود نافذة حقيقية يمكن البناء عليها للتوصل إلى تسوية سلمية، غير أن تحقيق ذلك يقتضي أن تحرص واشنطن على منح أوروبا دورًا فعليًا ومصلحة مباشرة في أي اتفاق قد يتم التوصل إليه. وبالمثل يتعين على الولايات المتحدة معالجة حالة التصدع التي أحدثتها عندما شنت الحرب على إيران وذلك من خلال إشراك أوروبا في الجهود الرامية إلى تثبيت السلام، فالدول الأوروبية مستعدة للمساهمة في ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز والحفاظ عليها وقد دعت كل من فرنسا والمملكة المتحدة إلى إنشاء مهمة متعددة الجنسيات لتحقيق هذا الهدف، كما تمتلك أوروبا خبرة تفاوضية واسعة اكتسبتها من مشاركتها في المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015 وهي قادرة على مساعدة واشنطن في تأمين دعم القوى الإقليمية الرئيسة ولا سيما دول الخليج لأي تسوية نهائية مع طهران بما يقلل من احتمالات العودة إلى المواجهة العسكرية.

وقد تواصل الولايات المتحدة تقليص وجودها العسكري في أوروبا إلا أن أي خفض للقوات أو إعادة انتشارها ينبغي أن يتم في إطار من التنسيق الوثيق والتخطيط المشترك مع الحلفاء الأوروبيين، فعندما تعلن واشنطن عن سحب قواتها بصورة مفاجئة أو تستخدم هذا الإجراء وسيلةً للضغط السياسي كما حدث عندما أعلن الرئيس ترامب في مطلع أيار سحب آلاف الجنود الأمريكيين من ألمانيا عقب انتقاد المستشار الألماني فريدريش ميرتس للحرب على إيران، فإنها تعزز الانطباع بأن العلاقة عبر الأطلسي باتت غير متوازنة وتفاقم أزمة الثقة بين جانبي التحالف. كما أن التشاور المسبق يتيح للدول الأوروبية تعويض القدرات العسكرية الأساسية التي قد تنسحب بها الولايات المتحدة بما يضمن عدم حدوث فجوات في منظومة الردع والدفاع، أما إذا تصرفت واشنطن بصورة أحادية فإن روسيا ستسعى إلى استغلال أي ثغرات تنشأ في البنية الدفاعية لحلف الناتو، الأمر الذي سيعرض أمن المجتمعات الأوروبية وجيوشها وكذلك القوات الأمريكية المتمركزة في القارة لمخاطر متزايدة.

وأخيرًا ينبغي للولايات المتحدة أن تقرّ بأن أوروبا تحتاج إلى تقليص اعتمادها على الصناعات الدفاعية الأمريكية، ويبدو أن واشنطن لا تزال متحفظة إزاء هذا التوجه إذ أفادت تقارير بأنه خلال اجتماع وزراء خارجية حلف الناتو في كانون الأول، حذر نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لانداو الحلفاء الأوروبيين من أن السياسات التي اعتبرها حمائية وإقصائية، والتي تحد من وصول الشركات الأمريكية إلى السوق الأوروبية، من شأنها أن تُضعف منظومة الدفاع الجماعي. ومع ذلك فإن عملية إعادة تسليح أوروبا لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على المشتريات من الشركات الأمريكية، إذ استوردت الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو نحو 51% من معداتها العسكرية من الولايات المتحدة خلال الفترة 2022- 2024 لكن إذا كانت أوروبا تعتزم تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها فإنها تحتاج إلى الحفاظ على التأييد الشعبي لزيادة الإنفاق الدفاعي، وهو ما يتطلب توجيه نسبة أكبر من هذه الاستثمارات إلى الصناعات الوطنية بما يسهم في خلق فرص عمل وتحقيق عوائد اقتصادية داخلية أوسع. وعلاوة على ذلك فإن تحويل الإنفاق الدفاعي الأوروبي إلى قوة عسكرية أكثر كفاءة يقتضي إنشاء سوق أوروبية موحدة للصناعات الدفاعية، وتعزيز التعاون بين الدول الأوروبية في مجالات تطوير الأسلحة وشرائها وإنتاجها، فوجود قاعدة صناعية دفاعية أوروبية قوية وقادرة على المنافسة لا يمثل تهديدًا للولايات المتحدة بل على العكس من شأنه أن يعزز القدرات الصناعية لحلف شمال الأطلسي، ويزيد من متانة التحالف وفاعليته في مواجهة التحديات الأمنية المستقبلية.

قد لا تزال أوروبا في نظر بعض دوائر صنع القرار في واشنطن تبدو وكأنها شريك يعتمد بصورة مفرطة على المظلة الأمنية الأمريكية، كما أن تحركاتها غالبًا ما توصف بالبطء في حين اتسمت جهودها الدفاعية خلال السنوات الماضية بالتفاوت وعدم الانتظام، ومع ذلك بات من الواضح أن الدول الأوروبية أصبحت أكثر استعدادًا من أي وقت مضى للاستثمار في أمن القارة والدفاع عنها. وخلال السنوات المقبلة ستسعى أوروبا إلى الحفاظ على انخراط الولايات المتحدة في أمن القارة من خلال استمرار دورها داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والإبقاء على المظلة النووية الأمريكية باعتبارها ركيزة أساسية للردع الاستراتيجي، وفي الوقت ذاته تتطلع الدول الأوروبية إلى امتلاك القدرة على ردع روسيا تقليديًا بصورة مستقلة، دون الاعتماد الكامل على الدعم الأمريكي.

ولا تنطوي هذه التطلعات على أي مطلب استثنائي إذ لطالما اعتبرت الولايات المتحدة أن امتلاكها هامشًا واسعًا من حرية الحركة واتخاذ القرار يشكل عنصرًا أساسيًا من عناصر أمنها القومي، غير أن الحفاظ على علاقة عبر أطلسية تتيح للطرفين حرية التصرف بصورة مستقلة عند الضرورة والعمل بصورة جماعية عندما تقتضي المصالح المشتركة ذلك، يظل رهينًا بوجود مستوى راسخ من الثقة المتبادلة بين الحلفاء. وتوفر قمة حلف الناتو المنعقدة هذا الشهر فرصة مهمة للشروع في إعادة بناء هذا النوع من العلاقات، فمن جانبها ينبغي للدول الأوروبية أن تعرض خطة واضحة ومستدامة للوفاء بتعهداتها المتعلقة بالإنفاق الدفاعي وأن تؤكد استعدادها وقدرتها على تحمل نصيب أكبر من مسؤوليات الردع والدفاع التقليدي في القارة الأوروبية، ومن جانبها يتعين على الولايات المتحدة أن تجدد التزامها الواضح تجاه الحلف ومقتضيات الدفاع الجماعي.

وعلى المستوى العملي يتطلب ذلك الدخول في حوار جاد مع الحلفاء الأوروبيين بشأن آليات إعادة توزيع الأعباء الدفاعية داخل الحلف ووضع خطة انتقالية متفق عليها تتضمن جداول زمنية واضحة لأي خفض محتمل للقوات أو القدرات العسكرية الأمريكية في أوروبا، فضلًا عن إشراك الأوروبيين بصورة فاعلة في المفاوضات الرامية إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا، كما ينبغي لواشنطن أن تتعامل مع مؤسسات حلف الناتو وآلياته السياسية باعتبارها الإطار الرئيس للتنسيق والتشاور بشأن القضايا الأمنية المشتركة بين الدول الأعضاء. ولعقود طويلة ظلت الولايات المتحدة تنتقد أوروبا بدعوى أنها لا تبذل ما يكفي في مجال الدفاع والأمن، أما اليوم وبعد أن بدأت الدول الأوروبية بالفعل في زيادة مساهماتها وتحمل قدر أكبر من المسؤولية، فإن السؤال المطروح يتمثل فيما إذا كانت القيادة الأمريكية قادرة على إدراك الفرصة الاستراتيجية التي يتيحها هذا التحول.

 

فإذا كانت الولايات المتحدة مستعدة للتعامل مع أوروبا بوصفها شريكًا حقيقيًا ومتساويًا، فإنها لن تكسب حليفًا أكثر قوة فحسب بل ستؤسس أيضًا لقاعدة أكثر استدامة لقيادتها الدولية، ولتحالف عبر أطلسي أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة تحديات النظام الدولي في العقود المقبلة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى