الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
هل يشكل الابتكار اللامركزي الأوكراني في الطائرات المسيّرة ثورةً في الشؤون العسكرية أم مجرد ظاهرة مؤقتة؟
التطوير الميداني للأسلحة على خطوط القتال يقود المكاسب العملياتية الأخيرة لأوكرانيا

بقلم: تشارلز داينوف، جيفري فاين ويليامز، روبرت فارلي.
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
خلال العام الماضي، تناولت تقارير عديدة صادرة من أوكرانيا نشوء منظومة جديدة للابتكار في مجال الطائرات المسيّرة، فبدلًا من الاعتماد على منظومة التمويل والمشتريات المركزية التي ميّزت القاعدة الصناعية الدفاعية الحديثة لعقود تبنت أوكرانيا نموذجًا قائمًا على (التطوير الميداني في خطوط المواجهة)، وهو نموذج يقوم على تزويد وحدات المشاة بمنظومات قتالية تُنتج عبر شبكة لامركزية ويجري تصميمها وتطويرها بالتعاون الوثيق مع الجنود المنتشرين في ساحات القتال.
وقد أسهمت هذه الطائرات المسيّرة في إحداث حالة من الجمود العملياتي على امتداد خطوط المواجهة كما أتاحت للقوات الأوكرانية تنفيذ حملة فعّالة لاستهداف منظومات الإمداد واللوجستيات الروسية، ولا تقتصر أهمية هذا النموذج على آثاره الميدانية المباشرة بل قد يمثل أيضًا تحولًا بنيويًا في تطور القاعدة الصناعية الدفاعية، ومع ذلك قد تجد القوى العسكرية الكبرى صعوبة في استنساخ هذا النموذج إذ تكمن المفارقة في أن نشأته ربما تعود بدرجة كبيرة إلى محدودية القدرات المركزية للدولة الأوكرانية أكثر مما تعود إلى قوة مؤسساتها.
وفي السنة الخامسة من الحرب أصبحت ورش صناعية صغيرة تتولى تصميم وإنتاج نماذج أولية للطائرات المسيّرة قبل إرسالها إلى خطوط المواجهة حيث يُجري الفنيون المحليون تعديلات واسعة عليها لتتلاءم مع المتطلبات العملياتية والظروف التكتيكية السائدة ثم تُدفع إلى ساحات القتال، وبعد استخدامها تُعاد الخبرات والدروس المستخلصة إلى المصانع وفرق التطوير لتوظيفها في تصميم الجيل التالي من هذه المنظومات، ورغم أن هذه الدورة تتطلب وقتًا وجهدًا كبيرين وتؤدي إلى تكرار بعض عمليات التطوير فإنها أفرزت وتيرة متسارعة وغير مسبوقة من الابتكار في ميدان المعركة. ويُعد هذا النموذج من التطوير الميداني في خطوط المواجهة نتاجًا مباشرًا لضرورات الحرب إذ تعتمد أوكرانيا على إعادة تطوير الطائرات المسيّرة بصورة مستمرة في الميدان للحفاظ على أي تفوق تكتيكي يمكن تحقيقه، وبينما تنشأ بعض الابتكارات داخل مختبرات بعيدة عن الجبهات فإن معظمها يتطور في بيئة ملاصقة لخطوط القتال، كما أن التحسينات التراكمية التي تُجريها القوات الأوكرانية إلى جانب دورة التفاعل المستمرة بين الابتكار الروسي وإجراءات المواجهة الأوكرانية، أدت إلى تقليص دورة تحديث المنظومات إلى ما لا يتجاوز ثلاثة أسابيع الأمر الذي يجعل النماذج الأقدم تفقد فعاليتها بوتيرة متسارعة.

ويثير هذا الواقع جملةً من التساؤلات الجوهرية: هل يُمثل هذا النمط من التكيف المحلي السريع مستقبل حرب المشاة؟ أم أن خصوصية الحالة الأوكرانية ستحد من إمكانية انتشاره في صراعات أخرى؟ وإذا كان يعكس اتجاهًا مستقبليًا فهل سيُحدث تحولًا جذريًا في أنظمة المشتريات العسكرية وأساليب إدارة العمليات القتالية؟ وهل سينتشر هذا النموذج بصورة تلقائية أو يمكن نقله إلى جيوش أخرى أم أنه يمثل مجرد مرحلة انتقالية ستفضي في نهاية المطاف إلى عودة الاتجاهات التاريخية التقليدية في تطور المؤسسات العسكرية؟
ويُظهر الصراع الروسي-الأوكراني صورة مكثفة لما يمكن وصفه بـ (البيئة المصغرة لسباق التسلح) إلا أن ملامح هذا النمط بدأت تظهر أيضًا في ساحات صراع أخرى حول العالم، ففي السودان يستخدم كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع طائرات مسيّرة تتزايد تطورًا في مواجهة بعضهما بعضًا، كما تكشف الحرب في ميانمار عن سباق متواصل بين طرفي النزاع لتطوير التقنيات العسكرية وتكييفها بما يحافظ على التفوق العملياتي، أما في جنوب آسيا فعلى الرغم من محدودية الاشتباكات بين الهند وباكستان فإن البلدين يعملان بوتيرة متسارعة على تطوير قدراتهما الابتكارية في مجال الأنظمة غير المأهولة.
ومن أبرز الابتكارات التي أفرزتها الحرب استخدام كوابل الألياف الضوئية لتوجيه الطائرات المسيّرة بهدف تجاوز إجراءات الحرب الإلكترونية والتشويش وهي تقنية دخلت الخدمة في أوكرانيا منذ آذار 2024، ولم يقتصر استخدامها على القوات النظامية بل تبنتها أيضًا جهات فاعلة من غير الدول، مثل حzب الله في عملياته ضد القوات “الإسرائيلية”** في لبنان الأمر الذي دفع “إسرائيل” إلى تسريع جهودها في الابتكار اللامركزي لمواجهة هذا التهديد، كما اعتمدتها جبهة تحرير أزواد (FLA) في عملياتها ضد القوات الحكومية في مالي. ورغم أن التأثير التكنولوجي لهذه الابتكارات لا يزال محدودًا نسبيًا في المرحلة الراهنة، فإن مجمل هذه التجارب يشير إلى اتجاه واضح نحو لامركزية تطوير وإنتاج التقنيات العسكرية، بما يمثل قطيعة نوعية مع قرون من هيمنة النماذج المركزية على عمليات تصنيع السلاح وإدارته. فحتى قبل أن يحقق الإنتاج الصناعي واسع النطاق للأسلحة والمعدات العسكرية مزاياه الاقتصادية كانت الدول تسعى إلى مركزة عمليات الإنتاج وتوحيد معاييرها ليس فقط لتحقيق الكفاءة وإنما أيضًا لتبسيط الجوانب الإدارية والمالية، وقد أسهم تطور نظم الضرائب الحديثة وآليات الإنتاج الصناعي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر إلى جانب إنشاء مؤسسات مالية مركزية مثل البنك المركزي السويدي عام 1656 في ترسيخ هذا النموذج، ومن أبرز تجلياته اعتماد بندقية لاند باترن موسكيت (Land Pattern Musket)المعروفة بأسم (براون بيس) (Brown Bess) التي دخلت الخدمة عام 1722 وظلت السلاح القياسي للقوات البريطانية لأكثر من قرن، لتصبح رمزًا لنموذج الإنتاج العسكري المركزي والموحد الذي هيمن على تطور الجيوش الحديثة لعدة قرون.

بحلول منتصف القرن التاسع عشر كانت معظم الدول الصناعية قد طورت عمليات إنتاج بلغت من النضج ما مكّنها من تصنيع أسلحة ذات أجزاء معيارية قابلة للتبادل وهو ما مثّل نقلة نوعية في تاريخ الصناعات العسكرية، وكانت هذه الأسلحة تُنتج بكميات كبيرة في عدد محدود من المصانع ثم تُعبأ وتُنقل مباشرة إلى معسكرات تدريب الجنود أو إلى خطوط المواجهة، ولا يعني ذلك أن عملية الإنتاج العسكري كانت خالية من التعثر فقد واجهت الولايات المتحدة شأنها شأن دول أخرى صعوبات في ترسيخ هذا النموذج خلال القرن التاسع عشر واضطرت في أكثر من مناسبة خلال القرن العشرين إلى اللجوء إلى حلول ارتجالية، ومع ذلك غدا الإنتاج المركزي واسع النطاق أحد المرتكزات الأساسية للمؤسسة العسكرية الحديثة إلى درجة أن افتراض حصول كل جندي على معدات موحدة أفرز مصطلح Government Issue (GI) أي “المعدات الحكومية القياسية” وهو المصطلح الذي تحول لاحقًا إلى لقب شائع يُطلق على الجنود الأمريكيين أنفسهم.
وفي المقابل تبدو الممارسة الأوكرانية المعاصرة مختلفة بصورة لافتة، فالشركات الأوكرانية المنتجة للطائرات المسيّرة تعتمد في تمويلها على مزيج من الإنفاق الحكومي والمساعدات الخارجية المباشرة والاستثمارات الأجنبية والعقود المباشرة مع الوحدات القتالية المنتشرة على خطوط المواجهة، كما أنها لا تعمل ضمن منظومة إنتاج مركزية وإن كانت الحكومة الأوكرانية قد أسهمت في تهيئة البيئة الداعمة للابتكار بل تقوم على تواصل مباشر ومستمر مع المقاتلين في الميدان، ويبدو أن هذه اللامركزية لا تمثل نقطة ضعف في منظومة عملها بل تشكل أحد أهم عوامل نجاحها وقدرتها على الابتكار السريع.
ومع ذلك لا يزال الوقت مبكرًا للحكم على استدامة هذا النموذج، فمن المحتمل أن تمثل هذه الأنماط من التطوير مجرد ظاهرة مؤقتة فرضتها ظروف الحرب الراهنة، فباستثناء الولايات المتحدة والهند فإن معظم الأطراف المنخرطة حاليًا في حروب تعتمد بصورة مكثفة على الطائرات المسيّرة هي إما دول ذات قدرات مؤسسية محدودة مثل باكستان وميانمار أو جهات فاعلة من غير الدول مثل حzب الله وجبهة تحرير أزواد (FLA) ، ومن ثم قد يكون غياب السيطرة المركزية الصارمة قد أتاح مساحة واسعة للابتكار المحلي وهي ظاهرة قد تكون حقيقية بالفعل، لكنها قد تظل عصية على الاستنساخ داخل الدول التي تمتلك مؤسسات مركزية قوية وقدرات بيروقراطية مرتفعة.
ومن ناحية أخرى قد تمثل منظومة الطائرات المسيّرة بديلًا منخفض التكلفة عن امتلاك قدرات عسكرية تقليدية متكاملة، فكل من أوكرانيا وغيرها من الجهات التي تعتمد بصورة مكثفة على الطائرات المسيّرة مضطرة إلى الاستثمار في هذه المنظومات إما بسبب محدودية الموارد البشرية العسكرية أو نتيجة ضعف قاعدتها الصناعية التقليدية، ويبدو هذا التفسير منطقيًا بل إنه ينسجم مع الرؤية التقليدية السائدة داخل كثير من المؤسسات العسكرية، ومع ذلك فإن اللافت للنظر هو أن دولًا تمتلك قواعد صناعية وعسكرية متقدمة مثل روسيا و”إسرائيل”، فضلًا عن الولايات المتحدة وجدت نفسها أيضًا غير مستعدة بالقدر الكافي لمواكبة التسارع الكبير الذي تشهده حرب الطائرات المسيّرة.
وثمة احتمال آخر يتمثل في أن ما يبدو ابتكارًا محليًا ليس سوى انتقال سريع للخبرات التقنية عبر الأسواق العالمية، من خلال قيام الشركات الصينية والتركية المصنعة للطائرات المسيّرة بتسويق الابتكارات الأوكرانية لعملائها في مناطق أخرى، وقد يفسر ذلك على سبيل المثال انتقال تقنية استخدام كوابل الألياف الضوئية في توجيه الطائرات المسيّرة إلى حzب الله في لبنان.
وفي المقابل قد لا يكون هذا النموذج سوى مرحلة انتقالية في التطور التكنولوجي للطائرات المسيّرة، فمن المرجح أن تنجح إحدى الدول أو الشركات في المستقبل القريب في بلورة نموذج إنتاج وابتكار أكثر استقرارًا وقابلية للتعميم لتدخل هذه التكنولوجيا مرحلة جديدة من التوحيد القياسي، ويشبه هذا المسار ما شهدته الحواسيب الشخصية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حين قاد الهواة والمبتكرون المستقلون موجة الابتكار الأولى وكذلك ما حدث مع شبكة الإنترنت في تسعينيات القرن العشرين عندما ازدهرت آلاف المبادرات التجارية الناشئة قبل أن تتركز السوق تدريجيًا في أيدي عدد محدود من المنصات الكبرى.
ويبدو هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا إلا أن العامل الحاسم يتمثل في الإطار الزمني اللازم للوصول إليه، فإذا جرى التوصل إلى نموذج قياسي مستقر لتطوير وإنتاج الطائرات المسيّرة خلال العامين المقبلين فإن ما يوصف اليوم بالثورة لن يتجاوز كونه محطة عابرة في تاريخ التطور العسكري، أما إذا استغرق هذا التحول عقدًا أو عقدين من الزمن فإن تداعياته ستكون أعمق بكثير وقد يعيد تشكيل مفاهيم الابتكار العسكري وأنماط المشتريات الدفاعية وطبيعة الحروب البرية خلال العقود المقبلة.



