الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

معركة القرم الأبعاد الاستراتيجية للهجوم الأوكراني الجديد

لا يمثل الهجوم الأوكراني الجديد على القرم مجرد رد انتقامي بل يعكس رهانات عسكرية واستراتيجية بعيدة المدى

بقلم: بول هوكينوس

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

 

تصطف مئات الهياكل المتفحمة للشاحنات الثقيلة وصهاريج الوقود ووسائط النقل العسكرية على جانبي طريق الإمداد الروسي الرئيس الذي يربط الأراضي الروسية بشبه جزيرة القرم وجنوب أوكرانيا المحتل، وتمتد على طول الطريق لأميال متواصلة بقايا مركبات مدمرة انقلبت في الخنادق المحاذية له بعد أن أخفقت في الوصول إلى وجهتها، وقد أُطلق على هذا الطريق البالغ طوله نحو 627 كيلومترًا وهو أقصر مسار يربط مركز الإمداد الروسي في روستوف على الدون بمنطقة البحر الأسود لقب “طريق الموت”، وهو الاسم الذي يتداوله الجنود الأوكرانيون والروس على حد سواء.

ومنذ مطلع نيسان شنت أوكرانيا موجات متعاقبة من هجمات الطائرات المسيّرة نجحت في شل الطريق الساحلي الحيوي الممتد بمحاذاة بحر آزوف كما استهدفت الجسور الشمالية لشبه جزيرة القرم فوق مضيق تشونهار، كذلك عطّلت الضربات الأوكرانية خطوط الإمداد البحرية وأربكت حركة السكك الحديدية بحيث لم يتبقَّ عمليًا سوى جسر كيرتش الواقع في أقصى شرق القرم بوصفه شريان الإمداد الرئيس المتبقي، إلا أن الجسر نفسه بات هدفًا للهجمات الأوكرانية ولم يعد يستوعب سوى جزء يسير من حركة المرور التي كان يشهدها سابقًا بينما أصبحت غالبية المركبات العابرة تتجه إلى خارج القرم لا إليها، وخلال الأيام الأخيرة من حزيران امتدت طوابير السيارات يوميًا لأميال فوق الجسر في مشهد يعكس تزايد محاولات مغادرة شبه الجزيرة. ولا تقتصر تداعيات هذا الحصار الخانق على تعطيل العطلات الصيفية للسياح الروس المتجهين إلى القرم بل امتدت لتحدث نقصًا حادًا في الوقود والذخائر داخل المناطق التي تسيطر عليها روسيا في جنوب أوكرانيا ولا سيما في محوري زابوريجيا وخيرسون، ففي 11 حزيران نفذ الفوج الهجومي المستقل الأول الأوكراني ضربة واحدة دمّر خلالها شحنة كبيرة من الذخائر والوقود كانت في طريقها إلى القوات الروسية في زابوريجيا إضافة إلى ما يصل إلى50  مركبة عسكرية كانت محملة وجاهزة للتحرك، وبهذا أصبحت حملة القرم تُقوّض بصورة مباشرة قدرة روسيا على الحفاظ على زخم عملياتها العسكرية في الجبهة الجنوبية. وزادت الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط الروسية في مختلف أنحاء البلاد من حدة الأزمة بعدما أدت إلى خفض طاقة التكرير الروسية بنحو 25% الأمر الذي أفضى إلى اختناقات في إمدادات الوقود على مستوى البلاد، وفي الوقت نفسه شهدت سيفاستوبول كبرى مدن القرم انقطاعات واسعة للتيار الكهربائي استمرت أيامًا، وفي 21 حزيران أعلن الحاكم الروسي لشبه الجزيرة سيرغي أكسيونوف تعليق بيع البنزين للمدنيين مؤكدًا أن الوقود سيُخصص حصريًا لمؤسسات الدولة والأجهزة الحكومية. وفي هذا السياق أوضح سيرهي كوزان رئيس مركز الأمن والتعاون الأوكراني وهو مركز أبحاث أوكراني أن “وقف أوكرانيا إمدادات الوقود إلى الجبهة الجنوبية يشل المنظومة اللوجستية العسكرية الروسية ويعزل قواتها المنتشرة هناك، فالنقص في الوقود بات ملموسًا بالفعل في الأراضي المحتلة مؤقتًا وهو ما يحد من استخدام المعدات العسكرية، ويؤثر سلبًا في كفاءة الإمداد ويعقّد عمليات تناوب القوات وإجلاء الجرحى ونقل الأسلحة والذخائر”.

وفي أيار أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية أن استراتيجية “الإغلاق اللوجستي” تستهدف تحويل القرم من شبه جزيرة إلى جزيرة معزولة عن البر الروسي، وتقوم هذه الحملة المنهجية متعددة المحاور على خنق جميع خطوط الإمداد التي تغذي القوات الروسية المنتشرة في جنوب أوكرانيا المحتل، فالقرم تمثل مركزًا لوجستيًا محوريًا وقاعدة خلفية رئيسة لعمليات الجيش الروسي على امتداد الجبهة الجنوبية، إذ تعتمد القوات الروسية في منطقتي خيرسون وزابوريجيا على خطوط الإمداد البرية أو تلك المارة عبر شبه الجزيرة. وفي هذا الإطار أكد وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف أن كييف تسعى إلى فصل القرم عن شبكة الإمداد الروسية، بالتوازي مع تدمير البنية التحتية الحيوية بما يؤدي إلى استنزاف الاحتلال الروسي تدريجيًا وحرمانه من مقومات الاستمرار، بحيث “يذبل تدريجيًا حتى ينهار من تلقاء نفسه”.

 

وترى أوكرانيا أن نجاح هذه الاستراتيجية سيمهد الطريق لشن هجوم مضاد واسع واستعادة الأراضي المحتلة، إلا أن هذا الهدف لم يتحقق حتى الآن رغم أن الهجوم الصيفي الروسي الذي رافقته حملة دعائية واسعة، لم يحقق هو الآخر أي اختراق يُذكر.

 

وفي هذا السياق قال جورج باروس الباحث في معهد دراسة الحرب بالولايات المتحدة “إن أوكرانيا تعمل على تهيئة ساحة المعركة، فهي تجعل خطوط الدفاع الروسية أكثر هشاشة وقابلية للانهيار، وقد تبقي القوات الروسية في هذا الوضع الضعيف لأشهر عدة قبل أن تشن هجومًا مضادًا عندما تتهيأ الظروف المناسبة”. وتُعد الطائرات المسيّرة متوسطة المدى الأداة الرئيسة التي مكّنت أوكرانيا من إلحاق هذا القدر من الخسائر بالبنية اللوجستية الروسية، فهذه المسيّرات التي تتميز بانخفاض كلفتها وإنتاجها المحلي قادرة على إصابة أهداف تبعد نحو 320 كيلومترًا عن خطوط المواجهة، ومن بين أحدث النماذج التي طورتها كييف طائرتا FP-2  و(بيهيموث (Behemoth إذ تبلغ سرعة الأخيرة نحو 177 كيلومترًا في الساعة ويمكنها حمل رأس حربي يزن نحو 70 كيلوجرامًا وفقًا لشبكةCNN ، قد أجبرت هذه القدرات روسيا على إعادة تشكيل منظومتها اللوجستية بعدما أصبحت أقصر طرق الإمداد وأكثرها كفاءة تقع ضمن مدى الضربات الأوكرانية ما اضطرها إلى سلوك طرق بديلة أطول وأكثر تعقيدًا معظمها عبر المحاور الشمالية.

 

 

وفي هذا السياق قال ماكسيم بيزنوسيوك الباحث المشارك في مركز غلوب (GLOBSEC) للدراسات الاستراتيجية والمقيم في بولندا “لم تنشأ حملة الطائرات المسيّرة هذه بصورة مفاجئة، بل جاءت ثمرة استراتيجية أوكرانية متدرجة بدأت في وقت سابق من هذا العام باستهداف منظومات الدفاع الجوي الروسية في القرم، بما في ذلك أنظمة الرادار وبطاريات الصواريخ أرض-جو، وقد أتاح هذا النهج تنفيذ ضربات أعمق داخل المناطق التي تسيطر عليها روسيا كما أضعف قدرة موسكو على حماية منشآتها العسكرية في أنحاء شبه الجزيرة وفتح المجال أمام موجات متلاحقة من الهجمات التي استهدفت مراكز الإمداد والبنية اللوجستية”. ومن زاوية أخرى يرى سيرهي كوزان أن استراتيجية “استنزاف القرم” لا تستهدف البعد العسكري فحسب بل تسهم أيضًا في تعميق حالة السخط الشعبي المتفاقمة داخل شبه الجزيرة الخاضعة للاحتلال الروسي، ففي 24 حزيران أدت الضربات التي استهدفت محطة توليد الكهرباء في سيمفيروبول ومحطة الكهرباء الفرعية في سيفاستوبول إلى انقطاع التيار الكهربائي عن مساحات واسعة من القرم، وعلى إثر ذلك أعلنت سلطات شبه الجزيرة حالة الطوارئ في ظل استمرار انقطاع الكهرباء وتقنين توزيع الوقود وفرض قيود على حركة النقل، كما تسببت هذه الانقطاعات في انخفاض ضغط المياه في أجزاء من سيفاستوبول ومناطق أخرى من القرم.

وأرغمت هذه الضغوط روسيا على تخصيص موارد أمنية وعسكرية إضافية للدفاع عن شبه الجزيرة، ويقول كوزان إن “أوكرانيا تعمل على استنزاف القدرات الروسية وتشتيت تركيزها الاستراتيجي” موضحًا “لدينا مؤشرات على نشر أعداد أكبر من عناصر جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) في القرم على الأرجح لاحتواء مظاهر التذمر الشعبي، كما دفعت موسكو بمزيد من القوات لتشغيل منظومات الدفاع الجوي قصيرة المدى المخصصة لحماية طرق الإمداد بعد سحبها من العمق الروسي ومن بعض قطاعات الجبهة، وفي الوقت نفسه تواصل روسيا اختبار وسائل بديلة لإمداد القرم من بينها إنشاء جسور عائمة مؤقتة”.

ورغم ذلك يرى جورج باروس الباحث في معهد دراسة الحرب (ISW) أن الحصار اللوجستي الذي تفرضه أوكرانيا لا يستهدف عزل القرم عزلةً كاملة بل صُمم عمدًا ليترك منفذًا محدودًا للحركة، ويوضح ذلك بقوله “لا تزال هناك طرق للدخول إلى القرم والخروج منها وربما يكون ذلك مقصودًا، فإذا أغلقت جميع منافذ الانسحاب أمام خصمك فإنك تدفعه إلى إعادة حساباته والتمسك بمواقعه حتى النهاية، أما الإبقاء على منفذ للخروج فإنه يمنحه حافزًا للانسحاب بدلًا من خوض معركة استنزاف حتى آخر لحظة”.

وتحتل شبه جزيرة القرم مكانة محورية في العقيدة العسكرية والجيوسياسية الروسية لاعتبارات تتجاوز قيمتها الرمزية، فموسكو تصفها بأنها “حاملة طائرات غير قابلة للإغراق” لكونها تمثل منصة متقدمة لإسقاط القوة الجوية والبحرية الروسية على امتداد حوض البحر الأسود بما في ذلك مضيق كيرتش الذي يربط البحر الأسود ببحر آزوف، كما تحتضن مدينة سيفاستوبول القاعدة الرئيسة لأسطول البحر الأسود الروسي الذي استخدمته موسكو لفرض ضغوط على صادرات أوكرانيا من الحبوب والتجارة البحرية، وإضافة إلى ذلك تُستخدم شبه الجزيرة بانتظام قاعدةً لإطلاق الهجمات الصاروخية على مدينتي ميكولايف وأوديسا التي لا تبعد سوى نحو 320 كيلومترًا عن القرم. ومن خلال تهديد هذه القاعدة الاستراتيجية لا تسعى أوكرانيا إلى تقويض القدرات العسكرية الروسية فحسب بل إلى توجيه رسالة سياسية ونفسية إلى الداخل الروسي، مفادها أن استيلاء الرئيس فلاديمير بوتين على القرم عام 2014 لم يحقق الأمن الذي وعد به، وأن شبه الجزيرة التي قُدمت باعتبارها أحد أعظم الإنجازات الجيوسياسية للكرملين أصبحت اليوم إحدى أكثر الجبهات تعرضًا للضغط والهشاشة.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى