الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

التعاون الدفاعي الياباني – الفلبيني كأداة لموازنة القوة الصينية في شرق آسيا

بقلم: الباحثة زينة مالك عريبي

 

ادى الصعود الصيني باعتبارها قوة عالمية عسكرية واقتصادية الى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية في منطقة شرق آسيا والمحيطين الهندي والهادي تزامن ذلك مع تزايد النزاعات البحرية والإقليمية خاصة في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي، وهو أمر اثار مخاوف العديد من الدول الاقليمية بشأن مستقبل التوازن الإقليمي في المنطقة، وبناءً على ذلك ظهرت فكرة التعاون الدفاعي بين كل من اليابان والفلبين باعتباره واحداً من أهم التحولات الأمنية في شرق آسيا، من خلال سعي كل دولة الى تعزيز قدراتها الدفاعية وتنسيق جهودها الأمنية لمواجهة التحديات المشتركة الناجمة عن تنامي النفوذ الصيني.

لكون الدولتين من الدول الصناعية المتقدمة فقد اكتسبت الشراكة بينهما أهمية خاصة، وهذا لأنها جمعت بين دولة صناعية متقدمة تمتلك قدرات تكنولوجية  كبيرة مثل اليابان ودولة تقع في قلب النزاعات البحرية مع الصين مثل الفلبين، لذلك ان هذا التعاون يعد مدخلا أساسياً لفهم ديناميات التوازن الإقليمي وآليات الموازنة التي تتبناها الدول المتوسطة و الصغرى في مواجهة القوى الصاعدة.

 

أولاً: الإطار النظري – توازن القوى والموازنة الخارجية

تُعد نظرية توازن القوى من أكثر النظريات تأثيراً في حقل العلاقات الدولية، وذلك لان هذه النظرية تفترض بأن كل دولة تسعى لمنع اي دولة من تحقيق هيمنة مطلقة على النظام الدولي، وذلك يتم من خلال تعزيز قدراتها الذاتية او العمل على بناء تحالفات  وشراكات استراتيجية.([1])

اما ستيفن والت فيشير الى ان الدول لا توازن بالقوة فحسب بل توازن التهديدات ايضاً، وذلك لأنها تعتمد بسياساتها الأمنية على مدى ادراكها لمستوى الخطر الذي يمكن أن تمثله القوى الدولية الاخرى، ومثال على ذلك هي حالة اليابان والفلبين وذلك لان تصاعد القدرات العسكرية للصين الى جانب سلوك الصين في المناطق البحرية المتنازع عليها هذا الامر دفع كل من اليابان والفلبين الى تعزيز التعاون الدفاعي بينهما بوصفه شكلاً من أشكال الموازنة الخارجية.([2])

بما معناه ان الدول تعتمد على التحالفات  والشراكات الأمنية من اجل تعويض الفجوات في قدراتها العسكرية وذلك لمواجهة التحديات الأمنية والعسكرية المشتركة دون اللجوء للمواجهة المباشرة مع القوى الدولية المنافسة.

 

 

ثانياً: دوافع التقارب الدفاعي الياباني-الفلبيني

تعود جذور التقارب الدفاعي ما بين كل من اليابان والفلبين الى مجموعة من العوامل الاستراتيجية المشتركة بين البلدين، يتمثل الأول بالقلق المتزايد تجاه السياسات والإجراءات الصينية المتبعة في البحار الاقليمية، لذلك فأن الفلبين تخوض نزاعات بحرية مع الصين في بحر الصين الجنوبي منذ سنوات عديدة خاصة في الشعاب والجزر والمناطق الاقتصادية.

اما فيما يخص اليابان فهي الاخرى واجهت تحديات متزايدة في بحر الصين الشرقي خاصة في جزر سينكاكو التي تخضع للسيادة اليابانية في الوقت تطالب الصين بالسيادة عليها، يمكن القول ان هذا التشابه في التحديات الأمنية ادى الى تقارب الرؤى الاستراتيجية بين الدولتين.

اما العامل الثاني يتمثل في التحول التدريجي في السياسة الأمنية اليابانية، فقد اتجهت اليابان منذ عهد رئيس وزراءها الراحل شينزو آبي نحو لعب دور أمني اكثر فاعلية في منطقة المحيطين الهندي والهادي  ضمن اطار رؤية ” الاندو باسيفيك الحرة المفتوحة” والتي تعمل على حماية حرية الملاحة واحترام القانون الدولي وتعزيز التعاون الأمني مع الشركاء الاقليميين.([3])

وأخيرا العامل الثالث الذي يتمثل في سعي الفلبين من اجل تنويع شراكاتها الأمنية وعدم الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة الأمريكية ويتم ذلك من خلال بناء علاقات دفاعية متقدمة مع قوى دولية اقليمية مثل اليابان و أستراليا.

 

ثالثاً: مظاهر التعاون الدفاعي بين اليابان والفلبين

تطورت العلاقات الدفاعية ما بين اليابان و الفلبين تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، وذلك لان اليابان قدمت دعماً واسعاً للفلبين في مجالات الأمن البحري تشمل تزويد خفر السواحل الفلبيني بسفن دورية متطورة ومعدات مراقبة بحرية.

ثم توسعت مجالات التعاون لتشمل التدريبات العسكرية وتبادل المعلومات والخبرات الفنية والتكنولوجية وقد تم توقيع اتفاقية الوصول المتبادل باعتبارها خطوة مهمة في هذا الاتجاه لأنها تسمح تسهيل نشر القوات العسكرية والعمل على إجراء تدريبات مشتركة بين البلدين، وأن هذا التدريب يأتي في إطار تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، الا أن المناورات التي انطلقت في عام 2015 بالتعاون مع الولايات المتحدة شهدت أول مشاركة لقوات الدفاع الذاتي البرية اليابانية([4]).

وأن أكثر من 200  جندي فلبيني من وحدات المدرعات شاركوا في التدريبات باستخدام دبابات خفيفة من طراز “سابرا”، فيما نشرت اليابان نحو 40 عنصراً من اللواء الثاني عشر إلى جانب آليات قتالية للمناورة.
وبين أن التدريبات بالذخيرة الحية نفذت وفق سيناريوهات تكتيكية شملت تحديد مواقع الأهداف والتعامل معها، إلى جانب تطبيق بروتوكولات السلامة، بما في ذلك إجراءات التعامل مع الأعطال الفنية وضمان استمرارية العمليات.
أما اول مناورات  بالذخيرة الحية بين الفلبين واليابان  نتيجة لتوقيع اتفاقية التعاون الدفاعي بين البلدين في تموز 2024 اي بعد  دخولها حيز التنفيذ في ايلول 2025([5]).

بالإضافة الى ذلك فقد اتجه هذا التعاون ليشمل مجالات اكثر حساسية مثل تبادل المعلومات الاستخبارية ونقل التقنيات التكنولوجية الدفاعية الحديثة لتعزيز الأمن البحري ومراقبة الأنشطة في المناطق المتنازع عليها ، وهذا الأمر يعكس مستوى عالي جدا من الثقة الاستراتيجية المتبادلة بين الطرفين مع وجود حالة من الإدراك المشترك بين الجانبين للتحديات الأمنية المتصاعدة في المنطقة.

 

رابعاً: التعاون الياباني–الفلبيني وتأثيره على التوازن الإقليمي

 ان الشراكة الدفاعية المتنامية بين الفلبين واليابان أسهمت في تعزيز القدرات الدفاعية للفلبين وعملت على رفع مستوى الردع في مواجهة التحديات والتهديدات البحرية ، فمن خلال الدعم الياباني، تمكنت مانيلا من تحسين قدرتها على مراقبة مياهها الإقليمية والاستجابة للتحركات البحرية المختلفة([6]).

يمكن القول ان هذا التعاون ما بين الدولتين يشكل جزءاً من شبكة اقليمية أوسع تضم الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا ودولا أخرى تسعى للحفاظ على التوازن الاستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهذا الأمر يتجه نحو بناء ترتيبات امنية متعددة الاطراف لمواجهة التحديات المشتركة بين الدول.

اما الصين من جانبها فهي تنظر إلى هذه التحركات على أنها محاولة لتقييد نفوذها الاستراتيجي في المنطقة، خاصة ان كلتا الدولتين تعدان حليفتين أمنيين للولايات المتحدة الأمريكية و تشعران  بالقلق ازاء تنامي القوة العسكرية الصينية مما يجعلهما شريكين دفاعيين وثيقيين مع واشنطن على الصعيد الثنائي والثلاثي، لذلك غالباً ما تنتقد بكين الاتفاقيات الدفاعية الجديدة بين الدول الإقليمية، معتبرة أنها تسهم في عسكرة المنطقة وزيادة التوترات الأمنية.

اما اليابان والفلبين فتؤكدان على أن الهدف من هذا التعاون يتمثل في تعزيز الاستقرار الإقليمي ودعم النظام الدولي القائم على القواعد والقانون الدولي، وليس استهداف أي دولة بعينها.

 

 

خامساً: التحديات التي تواجه التعاون الدفاعي الياباني-الفلبيني

رغم التطور الملحوظ في العلاقات الدفاعية بين اليابان والفلبين، فإن هذه الشراكة تواجه مجموعة من التحديات الاستراتيجية والسياسية التي قد تحد من فاعليتها أو تؤثر في مسارها المستقبلي اهمها:

  1. ردود الفعل الصينية واحتمالات التصعيد الإقليمي

يُعد الموقف الصيني من أبرز التحديات التي تواجه الشراكة الدفاعية اليابانية-الفلبينية، وذلك لان بكين تنظر إلى تنامي التعاون العسكري بين البلدين باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى احتواء نفوذها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، كما أدى تصاعد التوترات في بحر الصين الجنوبي إلى تكرار المواجهات البحرية بين الصين والفلبين، الأمر الذي يزيد من احتمالات الاحتكاك العسكري ويضع الشركاء الإقليميين أمام تحديات أمنية متزايدة.

كما تشير الدراسات إلى أن الصين تتبع سياسة فرض الأمر الواقع في بحر الصين الجنوبي، وهو ما يدفع الدول المتضررة، ومنها الفلبين، إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة لموازنة التهديدات المتصاعدة، كما ان استمرار التوتر مع الصين قد يؤدي الى زيادة تفاقم حدة الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية على البلدين([7]).

 

  1. اختلال موازين القوى العسكرية

توجد فجوة كبيرة واضحة بين القدرات العسكرية الصينية ونظيرتها الفلبينية  بالرغم من الدعم الياباني المتزايد لها، فالصين تمتلك قوات بحرية وجوية متقدمة وموارد دفاعية ضخمة مقارنة بالفلبين، الأمر الذي يجعل التعاون الدفاعي الثنائي غير كافٍ بمفرده لإحداث توازن عسكري كامل. ولذلك تعتمد مانيلا على شبكة أوسع من الشراكات الأمنية تشمل الولايات المتحدة واليابان ودولاً أخرى لتعزيز قدرتها على الردع([8]).

  1. القيود الدستورية والسياسية في اليابان

ما تزال اليابان تواجه قيودًا قانونية وسياسية تتعلق بطبيعة دورها العسكري الخارجي، فعلى الرغم من التعديلات التي شهدتها السياسة الأمنية اليابانية خلال العقد الأخير، فإن بعض القوى السياسية والرأي العام الياباني ما يزالان يتحفظان على الانخراط العسكري الواسع خارج الحدود الوطنية. وقد يؤثر ذلك في حجم ونوعية الدعم العسكري الذي تستطيع طوكيو تقديمه للفلبين مستقبلاً.

وعليه، فإن نجاح التعاون الدفاعي الياباني-الفلبيني لا يعتمد فقط على حجم الاتفاقيات العسكرية أو نقل التكنولوجيا الدفاعية، بل يرتبط أيضًا بقدرة الطرفين على إدارة التحديات السياسية والاقتصادية والإقليمية المحيطة بالشراكة، ورغم هذه العقبات، فإن استمرار الضغوط الصينية في بحر الصين الجنوبي يجعل من المرجح أن تواصل طوكيو ومانيلا تعميق تعاونهما الأمني خلال السنوات المقبلة بوصفه أحد أدوات الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في شرق آسيا.([9])

على الرغم من الاتجاه المتزايد نحو توسيع نطاق مسؤوليات قوات الدفاع الذاتي، الا ان  المؤشرات الحالية تشير إلى استمرار تعميق التعاون الدفاعي بين البلدين، خاصة في مجالات الأمن البحري والذكاء الاصطناعي العسكري وأنظمة المراقبة والاستخبارات وتطوير الصناعات الدفاعية.

 

 

خاتمة

يمثل التعاون الدفاعي الياباني-الفلبيني نموذجاً واضحاً للموازنة الاستراتيجية في شرق آسيا، حيث تسعى الدولتان إلى مواجهة التحديات الأمنية الناجمة عن صعود الصين من خلال تعزيز الشراكات الدفاعية وتطوير القدرات العسكرية والأمنية المشتركة.

ويعكس هذا التعاون تحولات أوسع في البيئة الاستراتيجية لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث باتت الشراكات الأمنية المتعددة الأطراف تشكل أداة رئيسية للحفاظ على التوازن الإقليمي. ومن المرجح أن تستمر أهمية هذه الشراكة في التزايد خلال السنوات المقبلة، في ظل استمرار المنافسة الجيوسياسية بين القوى الكبرى وتنامي أهمية الأمن البحري في شرق آسيا.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى