الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

التحول في فلسفة الاستخبارات

إعادة هيكلة أجهزة الاستخبارات الأمريكية في عصر الخوارزميات

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

يقوم العمل الاستخباري تقليديًا على دورة استخبارية تشمل جمع المعلومات، ومعالجتها، وتحليلها، ثم إنتاج التقديرات الاستخبارية وتوزيعها على صانع القرار، مع وجود التغذية الراجعة. وفي عصر التكنولوجيا والتطور المتسارع لتقنيات الاتصال ووفرة البيانات بات من الصعب والمتعسر جمعها وتحليلها بالطرق التقليدية، ما يتطلب دمج التقنيات الحديثة لاسيما الذكاء الاصطناعي في عملية الجمع والتحليل، وهو ما تطلب من وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية اعادة هيكلة شاملة اعلن عنها مدير الوكالة (جون راتكليف) تحاول هذه المقالة تحليل التحول في فلسفة العمل الاستخباري داخل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، من النموذج التقليدي القائم على مركزية المحلل البشري، إلى نموذج الاستخبارات الهجينة الذي تدمج فيه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي ضمن دورة الاستخبارات.

 

أولاً: مركزية الفرد في التحليل الاستخباري (نموذج شيرمان كينت)

تأسست وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية CIA بقانون الامن القومي لعام 1947 الذي وقعه الرئيس الامريكي هاري ترومان لتحل محل مكتب الخدمات الاستراتيجية الذي اسسه فرانكلين روزفلت خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية، ومن هذا المكتب اكتسب شيرمان كينت الاستاذ في جامعة ييل خبرته في العمل الاستخباري وكتابة التقديرات الاستراتيجية وذلك خلال عمله في مكتب الخدمات الاستراتيجية.

يمثل شيرمان كينت الأب الروحي لدراسات الاستخبارات فهو الذي قام بعملية التأصيل النظري والمنهجي  للعمل الاستخباري وحوله لعمل قائم على اساس فكري وعلمي، فمن خلاله لم يقتصر عمل الاستخبارات على العمليات السرية والتجسس، فقد تمكن من ادراج التفكير والمنهج العلمي في عمل الاستخبارات مما جعل عملية التحليل الاستخباري جزءً اساسياً من عمل وكالة الاستخبارات المركزية في تقدير المخاطر والاوضاع الاستراتيجية المرتبطة بالأمن القومي الامريكي، فقد نظم كينت فكرة العمل الاستخباري ليربطها بوظيفة جمع وتحليل البيانات، لكنه

ركز على التحليل الاستخباري بوصفه عملية إنتاج للمعرفة المفيدة لصانع القرار، حيث يعرف العمل الاستخباري بانه السعي وراء نوع معين من المعرفة، وهو بذات الوقت ايضاً المعرفة الناتجة عن هذا السعي.

لقد شرح شيرمان كينت وظيفة الاستخبارات الاستراتيجية والتي قام بفصلها عن الاستخبارات الشرطية الداخلية او تلك التكتيكية المستخدمة في ساحة المعركة ووضح انها تهتم بإنتاج المعرفة اللازمة لصناعة القرارات الاستراتيجية الكبرى التي تخدم صانع القرار والسياسة الخارجية على المدى البعيد، وذلك في كتابه الابرز (الاستخبارات الاستراتيجية للسياسة الامريكية العالمية) الصادر عام 1949 والذي بات المرجع الابرز لعمل الاستخبارات المركزية الامريكية.

لقد عمل كينت خلال رئاسته لمكتب التقديرات الوطنية  في خمسينات وستينات القرن الماضي على ترسيخ أسس التحليل الاستخباري كما وصفه ونظر له، مما طور من عمل وكالة الاستخبارات المركزية وساهم في نجاح العديد من عملياتها وتقديراتها.

لقد ركز كينت على ضرورة اختيار الأشخاص الاكفاء ليس في مجال التحليل فحسب بل في مجال المراقبة والرصد، ودعا الى وضع الاطر التنظيمية المناسبة لعمل المحللين من اصحاب الشهادات العليا ضمن CIA  بشكل يصون كرامتهم ويمكنهم من التفكير النقدي والمنطقي اللازم لإنتاج المعرفة المناسبة لصانع القرار، ما جعله يؤسس لمنهج عمل الوكالة التي تعمل عليها حتى الآن، لكن في زمن كينت كان الافراد وتقسيمهم وتنظيمهم هو الشغل الشاغل حيث كان الفرد هو الوسيلة الأساس لجمع ومعالجة وتحليل وإنتاج المعرفة، ما جعل دوره مركزياً بحكم التكنولوجيا السائدة في حينها.

وقد تطور عمل وكالة  الاستخبارات المركزية الامريكية خلال السنوات منذ عام 1947 وهو تاريخ أنشاء الوكالة وحتى عام 1991 مع انتهاء الحرب الباردة حيث هيمن النموذج الكينتي للتحليل وبات التركيز منصبا على التحليل الموضوعي للمعلومات بهدف إنتاج التقديرات التي ترفع لصانع القرار حيث ظل الإنسان الفاعل الرئيس على جميع مراحل دورة الاستخبارات، فيما بقيت التكنولوجيا مجرد أداة مساعدة في عمليات الجمع والمعالجة والتحليل، الا ان نهاية الحرب الباردة وتسارع التطور التكنولوجي مع بداية ظهور شبكة الانترنت  وانتشارها عالمياً ساعد في تطوير دورة الاستخبارات بتزايد أهمية التكنولوجيا في عملية جمع البيانات.

 

مبنى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA

 

ثانياً: تحول الاستخبارات في  ظل عصر الإنترنت  والبيانات الكبرى

مع تطور التكنولوجيا وظهور الانترنت وتطوره تطور العمل الاستخباري وازدادت أهمية الرصد والمراقبة للمعلومات والبيانات العلنية التي ازدادت تدفقاً، ففي القرن الماضي كانت المعلومات العلنية تجمع من خلال متابعة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، او من خلال تتبع التقارير والبرقيات الدبلوماسية التي ترد الى العاصمة من البعثات حول العالم، اما بعد ظهور الانترنت فأن مجالاً رابعاً للمصادر العلنية برز وبات اكثر أهمية من خلال انتشار مواقع الويب  والانترنيت.

حيث ادى زيادة الاهتمام بالمصادر العلنية حتى اصطلح على تسميتها بـ(استخبارات المصادر المفتوحة) (OSINT) الى بروز التأصيل النظري في الدراسات الاستخبارية لهذا النوع من الاستخبارات بواسطة مقالة في مجلة الدراسات الاستخبارية الصادرة عن وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية، والتي صنفت المعلومات من المصادر المفتوحة كنوع جديد من الاستخبارات تعرف بـ(استخبارات المصادر المفتوحة)، حيث لم تعد المصادر المفتوحة تمثل مجرد مصدر إضافي للمعلومات، بل أصبحت في كثير من القضايا المصدر الأول الذي يبدأ منه التحليل الاستخباري، قبل اللجوء إلى الوسائل السرية لتأكيد الفرضيات أو سد الفجوات المعلوماتية.

لكن ظهور الانترنت لم يؤدي الى تعزيز أهمية المصادر المفتوحة فحسب بل أدى أيضا الى بروز تحديات وانماط مستحدثة من التهديدات تتعلق بالتهديدات السيبرانية كمهددات جديدة للأمن القومي، حيث باتت شبكات المخترقين المستقلين او التابعين لجهات استخبارات اجنبية يشكلون تحديا وتهديدا جديداً للأمن القومي ما تطلب من الوكالات الاستخبارية تخصيص مديريات واقسام خاصة لرصد وتحليل ومكافحة التهديدات السيبرانية.

وقد فاقم ظهور وسائل التواصل الاجتماعي من تدفق البيانات العلنية حيث باتت تكتسب أهمية اكبر من المعلومات التي يتم الحصول عليها بطريقة سرية كما انها باتت تغني المحلل الاستخباري عن الكثير من المعلومات التي يمكن أن ترد اليه من البرقيات الدبلوماسية والرصد والمتابعة لبعض وسائل الإعلام المقروءة والمرئية.

لقد ادى تطور وسائل التواصل وزيادة انتشارها الى تعزيز قدرة أجهزة الاستخبارات على الرصد والتحليل بكافة أنواعه ما تطلب من هذه الأجهزة تخصيص اقسام خاصة للاستخبارات الرقمية، تعمل على رصد الافراد حول العالم ممن يمكن ان يكون لهم دور مؤثر في الاحداث او كان لهم دور مؤثر، كما أتاحت الأطر القانونية وأوامر القضاء وآليات التعاون الأمني في بعض الدول وصول أجهزة الاستخبارات، بدرجات متفاوتة، إلى بيانات تحتفظ بها شركات التكنولوجيا، بما أتاح  للمحللين الاستخباريين الوصول الى قاعدة واسعة من البيانات المتعلقة بالافراد وانماط سلوكهم وطريقة تفاعلهم مع الأحداث واهتماماتهم وأفكارهم، فضلاً عن توفير مؤشرات مهمة حول أتجاهات الرأي العام لكل مجتمع وكيفية تفاعله مع الأحداث مما مهد الطريق لنوع جديد من النشاط الاستخباري الهجومي الموجه للمجتمعات المعروف بالحرب الإدراكية.

مع انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي منذ عام 2023 وتوسع انتشاره بات يفرض تهديدات جديدة على الامن القومي بالتزامن مع التدفق الهائل للبيانات العلنية التي بات من الصعب معالجتها من خلال الموظفين البشر لوحدهم، وهو ما تطلب من أجهزة الاستخبارات الحديثة العمل على تعزيز دور الذكاء الاصطناعي في عملية الرصد والمعالجة وفرز الكم الهائل من البيانات الواردة للوكالة الاستخبارية، مما زاد من قدرة الاستخبارات على تحليل التهديدات بصورة انية.

وبذلك لم يعد التحدي الرئيس أمام أجهزة الاستخبارات هو الحصول على المعلومات، وإنما إدارة الحجم الهائل من البيانات وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام في الوقت المناسب.

 

 

ثالثاً: من مركزية الفرد الى الاستخبارات الهجينة: إدماج الخوارزمية ضمن دورة الاستخبارات

ان التطورات الهائلة وعمليات دمج الذكاء الاصطناعي في العمل الاستخباري دفعت وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية CIA الى إجراء تحديثات جديدة في عملها وهو ما أعلن عنه جون راتكليف مدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية، الذي كشف عن خطة واسعة لإعادة بناء الوكالة تقنياً وتنظيمياً وثقافياً، حيث تتضمن الخطة إعادة هيكلة جذرية لأقسام الوكالة الرقمية والسيبرانية، لتسريع دمج تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية في العمل الاستخباراتي الميداني.

 

تشمل أبرز محاور هذه الإصلاحات الهيكلية ما يلي:

  1. إعادة تسمية وتوجيه المديريات الرقمية (السيف والدرع)

أ. مديرية نظم المهام (Directorate of Mission Systems): تم تحويل “مديرية الابتكار الرقمي” السابقة إلى هذا الاسم الجديد. أصبحت تمثل “الدرع” للوكالة، حيث تفرغت بالكامل لمهام الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الرقمية، وإدارة البيانات المتقدمة، مع تجريدها من مهام شن عمليات الاختراق الهجومية.

ب. مركز استخبارات الفضاء السيبراني (CCI): تم رفع مستواه التنظيمي ليصبح “مركز مهمة مستقلاً وكاملاً”. يمثل هذا المركز “السيف” الاستخباراتي المعني بالعمليات السيبرانية الهجومية، التحليل الرقمي المتطور، والقدرات الفنية والتقنية.

ان هذا التحديث والتوسع في عمل المديريات الرقمية يشير الى انتقال التكنولوجيا من كونها وظيفة مساندة الى كونها جزءً من البنية التنظيمية المركزية في العمل الاستخباري.

 

  1. تطوير في نظام المشتريات والتعاقد التقني

تطوير آليات الفحص المركزي المستحدثة  لتقليص فترة شراء واختبار ونشر التكنولوجيات التجارية والذكاء الاصطناعي من 3 سنوات إلى 6 أشهر فقط لحمايتها من التقادم قبل الاستخدام، كما تم إنشاء مكتب موحد وجديد ليكون بمثابة البوابة الرئيسية المباشرة لتسهيل التعاون الاستراتيجي والتعاقد بين الـ CIA وشركات قطاع التكنولوجيا الخاص، مغلباً مرونة القطاع التجاري على القيود الأمنية البيروقراطية السابقة، وهذا التحول يعكس إدراك الوكالة أن سرعة إدخال التكنولوجيا أصبحت عاملاً من عوامل التفوق الاستخباري.

 

  1. حملة البيانات السريعة والذكاء الاصطناعي

تتضمن الإصلاحات الأخيرة  إطلاق مبادرة مكثفة لتطهير وتوحيد قواعد البيانات في كامل الوكالة لضمان قدرة الضباط على توظيف أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي والذكاء الاصطناعي العميل (Agentic AI) في الميدان بسرعة قصوى.

بالإضافة الى ذلك  فرض عقيدة عمل جديدة  تدمج البرمجة بالعمل الميداني من خلال الزام  ضباط الاستخبارات مستقبلاً بأن يكونوا متمكنين من التعامل مع الأسطر البرمجية (lines of code) بقدر كفاءتهم في تجنيد المصادر البشرية وإدارة العملاء، فضلا عن ذلك تتضمن الإجراءات الجديدة القيام بتحديث السحابة الاستخباراتية  عبر استثمار بقيمة مليار دولار لنقل الأنظمة والبيانات الاستخباراتية القديمة إلى بيئات سحابية فائقة السرعة والأمان، كما يكشف ذلك أن البيانات أصبحت أصلًا استخباريًا لا يقل أهمية عن المصادر البشرية أو الوسائل التقنية التقليدية.

ان هذه الإصلاحات تعكس تحولا كبيرا في فلسفة العمل الاستخباري والذي تحول من عملية السيطرة على تدفق البيانات ومحاولة تحليلها بواسطة العناصر البشرية الى عملية ادماج الذكاء الاصطناعي ضمن دورة الاستخبارات في الجمع والمعالجة والمراقبة وصولاً الى التحليل حيث بات الذكاء الاصطناعي شريكاً للإنسان في عملية التحليل الاستخباري، ولا يعني هذا التحول إحلال الخوارزمية محل المحلل البشري، وإنما إعادة توزيع الوظائف داخل دورة الاستخبارات، إذ تتولى الخوارزميات مهام فرز البيانات الضخمة، واكتشاف الأنماط، وربط المؤشرات، في حين يبقى الإنسان مسؤولًا عن التفسير، وتقدير السياق، وإصدار الأحكام المهنية، وصياغة التقديرات الاستراتيجية. وبذلك تنتقل وكالة الاستخبارات المركزية من نموذج يقوم على مركزية الفرد إلى نموذج يقوم على التكامل بين الإنسان والآلة.

 

الاستنتاجات

بناء على ما تقدم يمكن التوصل الى الاستنتاجات الآتية:

  1. لا تمثل الإصلاحات الأخيرة تحديثًا إداريًا فحسب، وإنما تعكس تحولًا في فلسفة العمل الاستخباري.

  2. انتقلت وكالة الاستخبارات المركزية من نموذج يقوم على مركزية المحلل البشري إلى نموذج للاستخبارات الهجينة تتكامل فيه قدرات الإنسان والخوارزميات.

  3. أصبحت البيانات والبنية الرقمية عنصرًا استراتيجيًا في بناء القوة الاستخبارية، وليس مجرد مورد معلومات.

  4. تعكس هذه الإصلاحات انتقال المنافسة بين القوى الكبرى إلى مجال الذكاء الاصطناعي والخوارزميات، بما يجعل التفوق التقني جزءًا من التفوق الاستخباري والاستراتيجي.

  5. ان إعادة الهيكلة هذه تشير الى ان معيار قوة جهاز الاستخبارات بات يقاس بقدرته على إدارة البيانات، وتطوير الخوارزميات ودمج الذكاء الاصطناعي في دورة انتاج المعرفة الاستخبارية، مما يؤدي للوصول الى افضل النتائج.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى