الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
إيران وفيتنام وأوكرانيا وكوريا.. حين تتشابه الحروب تتقارب نهاياتها

بقلم: جدعون روز
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لم تستغرق إدارة ترامب سوى شهرين لتجتاز بوتيرة متسارعة المراحل ذاتها التي استغرقتها إدارة ليندون جونسون خلال خمس سنوات من حرب فيتنام: التدخل ثم التصعيد فالوقوع في مأزق الاستنزاف وصولاً إلى الانخراط في مسار تفاوضي، واليوم تبدو الإدارة الأميركية وكأنها دخلت المرحلة التي ارتبطت بعهد ريتشارد نيكسون حيث تبدأ الأزمة بسيل من التهديدات والاستعراضات السياسية قبل أن تنتهي تدريجياً إلى إدراك ضرورة الخروج من الحرب عبر تسوية غير مُرضية، وإذا استمر هذا الإيقاع فمن المرجح أن تنتهي الحرب على إيران خلال بضعة أشهر في وقت ستكون فيه حملات تبادل الاتهامات السياسية قد بدأت بالفعل.
وبطبيعة الحال لا توجد مقارنات تاريخية تتطابق بصورة كاملة فثمة اختلافات واضحة بين الحربين في إيران وفيتنام سواء من حيث البيئة الجغرافية أو السياقات الأيديولوجية أو قِصر المدة الزمنية للصراع الحالي فضلاً عن غياب القوات البرية الأميركية ونظام التجنيد الإجباري وعدم حدوث انتقال سياسي داخل الإدارة الأميركية إلى جانب التطور الكبير في التكنولوجيا العسكرية الحديثة، ومع ذلك فإن ثمة تشابهات بنيوية لافتة بين الصراعين، وينطبق الأمر ذاته على الحرب في أوكرانيا التي تبدو أقرب من حيث بنيتها الاستراتيجية إلى الحرب الكورية، وبما أن البُنى الاستراتيجية للصراعات تفرض حدوداً على خيارات صناع القرار فإن فهم هذه الأنماط يتيح استشراف الكيفية المحتملة لانتهاء الحروب الراهنة. ومن المرجح أن تنتهي الحرب الأميركية “الإسرائيلية”** على إيران بطريقة تُشبه نهاية حرب فيتنام عام 1973، أي عبر تسوية هشة وغير مستقرة تعالج بعض القضايا وتترك ملفات أخرى جوهرية من دون حسم، وكما أُرجئ البت النهائي بمصير فيتنام الجنوبية آنذاك فمن المتوقع أن يُرحَّل الحسم المتعلق بمستقبل الجمهورية الإسلامية وبرنامجها النووي إلى مرحلة لاحقة. أما الحرب في أوكرانيا فمن المرجح على غرار الحرب الكورية أن تنتهي بتسوية تُكرّس خطوط التماس الحالية بصورة شبه دائمة، من خلال حدود مجمّدة تخضع لرقابة طويلة الأمد ضمن اتفاق هدنة قد يثبت، بمرور الوقت أنه أكثر استقراراً واستدامة مما يتوقعه كثير من المراقبين.
نصف الطريق مع جونسون

في تشرين الثاني 1963 شهدت كلٌّ من الولايات المتحدة وفيتنام الجنوبية اغتيال قيادتيهما السياسيتين الأمر الذي وضع الرئيس ليندون جونسون فجأة أمام مسؤولية إدارة أزمتين متزامنتين، ففي فيتنام كانت القوات الشمالية المدفوعة بعقيدة قتالية صارمة وقيادة فعّالة إلى جانب حلفائها من المقاتلين في الجنوب تحقق تقدماً متواصلاً على حساب نظام سايغون الضعيف والمترهل، وبدا واضحاً آنذاك أن عدم تدخل واشنطن لتغيير مسار الأحداث سيقود في نهاية المطاف إلى سقوط سايغون وإعادة توحيد البلاد تحت الحكم الشيوعي.
ورغم أن جونسون وفريقه لم يكونوا يملكون ثقة حقيقية بإمكانية تحقيق نصر حاسم فإنهم كانوا يخشون التداعيات السياسية والاستراتيجية المترتبة على الهزيمة داخلياً وخارجياً، ولذلك اتخذوا قراراً بتوسيع الدعم المقدم لسايغون على أمل أن يؤدي استعراض القوة إلى دفع هانوي نحو التراجع. في البداية اقتصر التدخل الأميركي على تقديم المساعدات الاقتصادية وإرسال المستشارين العسكريين، ثم تطور إلى حملات قصف جوي قبل أن ينتقل لاحقاً إلى نشر قوات برية ومن ثم إلى تصعيد شامل ومتدرج على مختلف المستويات العسكرية والسياسية، ومع ذلك تمسكت هانوي بأهدافها الأساسية ورفضت تقديم تنازلات جوهرية.
وبحلول عام 1968 كانت الحرب قد تحولت إلى عبء ثقيل يستنزف الأرواح والموارد الأميركية ويعمّق الانقسام الداخلي داخل الولايات المتحدة، الأمر الذي دفع واشنطن إلى البحث عن مخرج سياسي، ورغم أن جونسون لم يعترف بالهزيمة بصورة مباشرة فإنه أوقف مسار التصعيد وأعلن وقفاً أحادياً للقصف، ثم انسحب من الحياة السياسية تاركاً الأزمة لخلفه في البيت الأبيض. وكان ذلك الخليفة هو ريتشارد نيكسون الذي ورث مع مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر ضرورة إنهاء الحرب من دون امتلاك هامش سياسي يسمح بمغامرات عسكرية جديدة، ولم يفكر أيٌّ منهما في التخلي الكامل عن سايغون غير أنهما كانا منشغلين بإعادة تشكيل توازنات القوى الكبرى، وأدركا أن الولايات المتحدة بحاجة إلى تجاوز الحرب سريعاً ولا سيما قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة. وفي المرحلة الأولى حاول نيكسون وكيسنجر تحقيق الأهداف القديمة عبر مزيج جديد من القوة والضغط النفسي والخداع السياسي، فقد راهنا على أن القصف المكثف والتهديدات المتطرفة قد يدفعان الفيتناميين الشماليين إلى التراجع وأن الاتحاد السوفيتي والصين قد يُقنعان بممارسة ضغوط على هانوي في حين يمكن تهدئة الرأي العام الأميركي عبر تخفيضات محدودة في أعداد القوات، وكان الهدف النهائي من هذه المقاربة التوصل إلى اتفاق يسمح بانسحاب أميركي منظم مع الحفاظ على بقاء فيتنام الجنوبية وإبعاد القوات الشمالية عن ساحة المواجهة. وقد خلد رئيس موظفي البيت الأبيض هاري روبنز هالدمان هذه المرحلة في مذكراته موضحاً أن نيكسون كان مقتنعاً بإمكانية إرغام الفيتناميين الشماليين على الدخول في مفاوضات سلام حقيقية عبر التهديدات القصوى.
وأطلق نيكسون على هذه المقاربة اسم “نظرية الرجل المجنون” إذ قال لهالدمان “أريد للفيتناميين الشماليين أن يعتقدوا أنني وصلت إلى مرحلة قد أفعل فيها أي شيء لإنهاء الحرب، سنوصل إليهم رسالة مفادها إن نيكسون مهووس بالشيوعية ولا يمكن السيطرة عليه عندما يغضب وهو يضع يده على الزر النووي، وعندها سيأتي هو تشي منه بنفسه إلى باريس خلال يومين طالباً السلام”.
لكن هذه الاستراتيجية لم تنجح، فالاتحاد السوفيتي إما لم يتمكن أو لم يرغب في ممارسة ضغط كافٍ على الفيتناميين الشماليين لإجبارهم على قبول تسوية، كما أن الشيوعيين لم ينهاروا ولم يتراجعوا، بل استمرت الحرب في التمدد والاستنزاف. وبحلول خريف عام 1969 وجدت الإدارة الأميركية نفسها عائدة إلى النقطة التي بدأت منها مع فارق أن انسحاب القوات الأميركية كان قد بدأ بالفعل ما عزّز رغبة الرأي العام الأميركي في تسريع الخروج ومنح هانوي حافزاً إضافياً للانتظار حتى تتراجع واشنطن، وتزايد الإحباط داخل البيت الأبيض فأمر كيسنجر طاقمه بإعداد خطط لـ”ضربة عقابية قاسية ومدمرة” ضد العدو قائلاً “لا أستطيع أن أصدق أن قوة من الدرجة الرابعة مثل فيتنام الشمالية لا تمتلك نقطة انهيار”، وقبل تنفيذ أي هجوم وجّهت الإدارة الأميركية إنذاراً إلى الاتحاد السوفيتي وفيتنام الشمالية لتقديم تنازلات وإلا، لكن حين تجاهل الطرفان هذا الإنذار لم تمضِ واشنطن في تنفيذ تهديداتها.
وفي نهاية المطاف اتجه نيكسون وكيسنجر إلى استراتيجية ثانية للخروج من الحرب تقوم على مزيج من الانسحاب الأميركي التدريجي وزيادة الدعم لنظام ثيو في سايغون والسعي المكثف إلى تسوية تفاوضية، وفي عام 1973 أسفرت هذه المقاربة عن اتفاق سمح للولايات المتحدة بوقف القتال وإعادة أسراها من دون أن يبدو الأمر كخيانة رسمية لحليفها، غير أن البنود التفصيلية للاتفاق سمحت للقوات الشيوعية بالبقاء في المناطق التي كانت تسيطر عليها في جنوب فيتنام ما أتاح لها استئناف العمليات لاحقاً بعد الانسحاب الأميركي، وقد أدّى ذلك إلى جانب القيود التي فرضها الكونغرس على أي تدخل أميركي جديد إلى سقوط فيتنام الجنوبية بعد عامين فقط. وكما فعل جونسون في فيتنام دخل الرئيس دونالد ترامب في الأزمة الإيرانية في محاولة لوقف اتجاهات مقلقة، فقد تسببت الغارات الجوية “الإسرائيلية” والأميركية في حزيران 2025 في إلحاق أضرار كبيرة بالبرنامج النووي الإيراني إلا أن الجمهورية الإسلامية بدأت لاحقاً بإعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية، ما أثار مخاوف “إسرائيل” والولايات المتحدة من أن يؤدي ذلك إلى توفير مظلة قوة تسمح لطهران بمواصلة طموحاتها النووية.
وبحسب هذا التصور تلقى ترامب تطمينات “إسرائيلية” مفادها أن ضربة قوية تستهدف القيادة الإيرانية قد تؤدي إلى انهيار النظام وحلّ المشكلة بشكل نهائي فوافق على هجوم مشترك نفذته القوات الأميركية و”الإسرائيلية” في أواخر شباط، وأسفرت الغارات عن تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية الإيرانية ومقتل عدد من كبار المسؤولين بمن فيهم المرشد الأعلى السيد علي خامنئي، غير أن النظام الإيراني بانتقال القيادة إلى نجله السيد مجتبى خامنئي استمر في العمل دون انهيار، بل إن طهران ردّت بهجمات على دول الخليج وتسببت في أزمة طاقة عالمية عبر فرض قيود على الملاحة في مضيق هرمز.
وفي نيسان انتقل ترامب وقد تزايد إحباطه من دور جونسون إلى دور نيكسون متبنّياً استراتيجية جديدة تقوم على الضغط المتصاعد والإنذارات والتهديدات إلى جانب فتح باب التفاوض، وأفضت عودة هذا النهج القائم على “نظرية الرجل المجنون” إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في 8 نيسان وإلى محادثات مباشرة بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين بوساطة باكستان لكنها لم تؤدِّ إلى تقديم تنازلات حقيقية، وظل مضيق هرمز مغلقاً وبقيت مواقف الطرفين متباعدة بشدة. ومع عدم وجود خطة مسبقة لحرب طويلة وتزايد التكاليف وتراجع الدعم الداخلي بات ترامب يبحث عن مخرج يحفظ له ماء الوجه على غرار ما فعله نيكسون وكيسنجر في أوائل سبعينيات القرن الماضي، لكن الإيرانيين مثل الفيتناميين الشماليين يواصلون التشدد مراهنين على قدرتهم على كسب حرب استنزاف طويلة، ومن المرجح أن ينتهي الوضع إلى اتفاق يوقف القتال ويعيد فتح الملاحة لكنه يؤجل حسم القضايا الجوهرية أو يلتف عليها، وكما حدث مع مصير فيتنام الجنوبية فإن مستقبل البرنامج النووي الإيراني بل ومصير النظام الإيراني نفسه سيبقى مؤجلاً إلى مرحلة لاحقة.

السحب في لعبة البوكر
في أوكرانيا قد يشعر الجنود الكوريون الشماليون الذين يقاتلون إلى جانب روسيا بنوع من “الديجا فو” وهم يعيدون إنتاج كابوس أجدادهم بوصفهم وقوداً بشرياً في حرب استنزاف دامية وصلت إلى حالة من الجمود، ففي أواخر حزيران 1950 عبرت القوات الكورية الشمالية خط العرض 38 في هجوم مباغت هدفه السيطرة على شبه الجزيرة الكورية كاملة وإخضاعها للحكم الشيوعي، واعتبرت إدارة ترومان هذا الهجوم تصعيداً خطيراً في سياق الحرب الباردة، فقررت التدخل دفاعاً عن كوريا الجنوبية مع السعي إلى تأمين غطاء أممي عبر الأمم المتحدة. تقدمت القوات الكورية الشمالية خلال صيف ذلك العام ودَفعت قوات الأمم المتحدة إلى نطاق ضيق حول ميناء بوسان جنوب شرق البلاد، غير أن إنزال إنتشون في أيلول الذي نفذه الجنرال الأميركي دوغلاس ماك آرثر خلف خطوط العدو، قلب موازين الحرب لتبدأ قوات الأمم المتحدة بالتقدم ودفع الشماليين إلى التراجع.
وفي تشرين الأول ومع نشوة النصر وإدراك فرصة غير متوقعة لتوحيد شبه الجزيرة بشروط كوريا الجنوبية، منحت القيادة الأميركية ماك آرثر صلاحية التوغل داخل كوريا الشمالية وهو ما استغله على نطاق واسع، لكن مع التوغل شمالاً انقلب مسار الحرب مجدداً بعد دخول القوات الصينية إلى جانب كوريا الشمالية، ما أجبر قوات الأمم المتحدة على الانسحاب السريع جنوباً. ودعت الهند والمملكة المتحدة الولايات المتحدة إلى بدء مفاوضات تستند إلى تسوية تشمل التخلي عن تايوان وضم الصين إلى الأمم المتحدة غير أن إدارة ترومان رفضت ذلك مفضّلة المراهنة على الحسم العسكري، وبالفعل تمكنت القوات بقيادة القائد الجديد ماثيو ريدغواي من قلب الموازين مجدداً، ودفع القوات الصينية والكورية الشمالية إلى التراجع في أوائل عام 1951.
عند هذه المرحلة أدرك الطرفان أن تجاوز حالة الجمود سيكون مكلفاً للغاية فبدأ التفكير في تسوية تفاوضية تُبقي الوضع القائم إلى حد كبير، غير أن ماك آرثر رفض هذا التوجه وسعى إلى تقويضه عبر تصريحات علنية وتصعيد سياسي وانتقادات لإدارة واشنطن داخل الكونغرس، ورداً على ذلك أقاله الرئيس هاري ترومان في نيسان، وعيّن ريدغواي بديلاً له. وفي حزيران وبعد أن أحبطت قوات الأمم المتحدة هجوماً صينياً واسعاً، اقترح السفير السوفيتي لدى الأمم المتحدة في خطاب إذاعي وقفاً لإطلاق النار عند خط العرض 38، وبالفعل بدأت مفاوضات الهدنة في تموز وسط توقعات بالتوصل إلى اتفاق سريع خلال أسابيع، لكن المفاوضات تعثرت واستمرت المعارك العنيفة لعامين إضافيين قبل أن يُوقَّع اتفاق الهدنة في تموز 1953 وفق خطوط قريبة من مواقع التماس عند بدء المفاوضات.
وتبدو أوجه الشبه بين الحربين في كوريا وأوكرانيا لافتة، فقد بدأت الحرب في أوكرانيا بهجوم روسي مباغت في شباط 2022 بهدف استعادة أراضٍ تعتبرها موسكو جزءاً من مجالها الوطني، وكما في الحالة الكورية التزمت الولايات المتحدة وأوروبا بدعم الدولة المستهدفة بالهجوم. وشهدت السنة الأولى من الحرب في أوكرانيا تحولات ميدانية كبرى قبل أن تستقر لاحقاً في حالة من الجمود على خطوط تماس شبه ثابتة، وعندما تولى ترامب منصبه عام 2025 حاول دفع الأطراف إلى تسوية عبر إغراء روسيا بالاحتفاظ ببعض مكاسبها والضغط على أوكرانيا من خلال تقليص الدعم، غير أن أياً من الطرفين لم يكن مستعداً لتقديم تنازلات حاسمة واستمر القتال. ومع تزايد الإرهاق لدى أطراف الحرب ترتفع احتمالات التوصل إلى تسوية تُكرّس الواقع القائم، وكما في الحرب الكورية خلفت الحرب في أوكرانيا خسائر بشرية هائلة قُدرت بمئات الآلاف من القتلى وملايين المصابين، فضلاً عن خسائر مدنية واسعة في الحالة الكورية. إن مثل هذا الجهد العسكري الهائل مقابل مكاسب محدودة يترك أثراً طويل المدى، وفي الحالتين من المرجح أنه بمجرد توقف القتال لن يُستأنف سريعاً، خاصة مع ترسخ خط التماس وتحوله إلى واقع مراقَب ومحصّن.
هذه المرة ليست مختلفة
شهدت الحروب الأربع جميعها شكلاً من أشكال “التصعيد النووي على حافة الهاوية”، وقد تبلور هذا النمط لأول مرة في الحرب الكورية باعتبارها أول صراع في التاريخ يصبح فيه احتمال اندلاع حرب نووية شاملة بين الكتل المتحاربة أمراً قائماً، كانت القوى النووية تلجأ إلى التهديد باستخدام السلاح النووي بهدف إرهاب الخصوم ودفعهم إلى تقديم تنازلات، لكنها لم تصل قط إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. فلم تستخدم الولايات المتحدة السلاح النووي في كوريا أو فيتنام ولم تلجأ روسيا إليه في أوكرانيا كما لن تستخدمه الولايات المتحدة أو “إسرائيل” في إيران مهما بلغت حدة الخطاب المهدد بنهاية الحضارة، غير أن هذه الحروب ستؤدي على الأرجح إلى تعزيز ضغوط الانتشار النووي إذ لن يغيب عن أحد أن أوكرانيا تعرضت للهجوم بعد تخليها عن قدراتها النووية، وأن كوريا الشمالية النووية باتت في مأمن، بينما تُركت إيران غير النووية عرضة للحصار والتدمير.
كما اتسمت الحروب الأربع بنزاعات داخل معسكرات الحلفاء أنفسهم وليس فقط بين الخصوم وهو أمر متوقع نظراً لتباين مصالح ومسؤوليات القوى الكبرى والدول الأصغر، وقد ظهر هذا النمط أيضاً لأول مرة في الحرب الكورية حين قررت القوى الكبرى إنهاء القتال فدفعت شركاءها الأصغر إلى القبول، فبعد وفاة ستالين قررت القيادة السوفيتية الجديدة تقليص خسائرها والسماح بتمرير اتفاق الهدنة فيما مارست واشنطن ضغوطاً على سيول لقبول اتفاق كانت ترفضه. وبعد عقدين تكرر السيناريو ذاته حين أجبرت واشنطن سايغون على قبول تسوية مشابهة، أما في أوكرانيا فقد قاومت كييف حتى الآن هذا النوع من الضغوط غير أنه في حال توصلت روسيا يوماً إلى اتفاق تسوية مقبول فإن الولايات المتحدة وحلفاءها الأوروبيين سيجدون الوسائل الكفيلة بدفع أوكرانيا إلى قبوله، وينطبق المنطق ذاته على إيران أيضاً فبمجرد أن تتوصل إدارة ترامب إلى أرضية تفاهم مع الجمهورية الإسلامية ستعمل الولايات المتحدة على ضبط مواقف “إسرائيل” ودول الخليج لمنعها من تبني نهج أكثر تشدداً.
وتتسع اليوم في الأوساط السياسية الغربية أحاديث فضفاضة عن أن إخفاق واشنطن في تحقيق أهدافها في إيران يمثل دليلاً على تراجع لا رجعة فيه في مكانة الولايات المتحدة، فقد عنونت صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً “الصين ترى أميركا ترامب بشكل متزايد كإمبراطورية آخذة في التراجع” وهو تقييم يلقى صدى لدى كثيرين داخل الولايات المتحدة وخارجها، غير أن هذا الخطاب لم يكن جديداً فقد تكرر بالصيغة ذاتها بعد هزيمة فيتنام قبل أن تتمكن الولايات المتحدة من استعادة عافيتها خلال سنوات قليلة، وتدخل مرحلة من الهيمنة العالمية امتدت لعقود. ولا توجد ضمانات بتكرار هذا المسار، لكن الحيوية الديناميكية للرأسمالية الأميركية والقدرة التجديدية للديمقراطية الأميركية لطالما مكّنت البلاد من تجاوز أزمات كبرى عبر التاريخ، ومن غير المرجح أن تتوقف هذه القدرة في المستقبل القريب.
ولعل أكثر ما يلفت في هذا التشابه التاريخي المتكرر هو النزعة الساذجة لدى صناع القرار في أوقات الحرب، حين يفترضون ببساطة أن القوة العسكرية كافية لتحقيق مكاسب سياسية وأن الخصوم لن يردوا بالمثل وأن التخطيط الاستراتيجي المعقد غير ضروري، وفي الحرب كما في الاقتصاد قد تكون أخطر العبارات على الإطلاق هي (هذه المرة مختلفة).
* Gideon Rose, Iran as Vietnam, Ukraine as Korea Similar Wars End in Similar Ways, FOREIGN AFFAIRS, May 20, 2026.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل رأي وأفكار المؤلف.



