الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

خريف الأطلسي.. هل يعيد ترامب تشكيل الناتو؟

بقلم: الباحث محمد عباس الخفاجي

 

في وقت تتزايد فيه حالة عدم اليقين على الساحة الدولية، لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) تُقرأ ضمن الإطار التقليدي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة “الدفاع الجماعي” بوصفه مسلّمة استراتيجية، فالحلف الذي مثّل لعقود طويلة العمود الفقري للأمن الغربي، يدخل اليوم مرحلة أكثر تعقيداً تعيد فيها القوى الفاعلة تعريف أدواره وحدود التزاماته.

وبحلول نيسان 2026، تبنّت إدارة دونالد ترامب مقاربة أكثر صراحة في إعادة ضبط التزامات الحلف، بحيث لم يعد الناتو يُعامل كمنظومة تعاون أمني مستقرة بقدر ما أصبح مساحة لإعادة تقييم العلاقة بين واشنطن والعواصم الأوروبية. وضمن هذا التحول، باتت الولايات المتحدة تطرح معادلة مختلفة قوامها ما الذي تقدمه الدول الأوروبية مقابل استمرار المظلة النووية والانتشار العسكري الأمريكي، في مؤشر يعكس انتقال الحلف نحو مرحلة أكثر براغماتية وأقل يقيناً في توازناته التقليدية.

 

 

من التحالف إلى منطق التعاقد

يشير عدد من المراقبين إلى تحول تدريجي في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية؛ إذ لم يعد “منطق التحالف” القائم على القيم المشتركة والالتزامات التاريخية هو المحرك الوحيد للسياسة الخارجية، بل باتت تحكمه اعتبارات براغماتية تتعلق بتوزيع الأعباء وتحديد الأولويات، خاصة في ظل التركيز المتزايد على المنافسة مع الصين.

هذا التحول ليس مجرد توجه سياسي عابر، بل يعكس تغيراً بنيوياً ظهر في استراتيجية الدفاع الوطني الأمريكية لعام 2026، التي ربطت الالتزامات الأمريكية بمدى مساهمة الحلفاء في تقاسم الأعباء الدفاعية. كما عززت تقارير صادرة عن مراكز بحثية، مثل “ستيمسون”، هذه الرؤية، مؤكدة انتقال العلاقات مع الحلفاء من إطار “الالتزام الأيديولوجي” إلى “التعاقد البراغماتي”.

في هذا السياق، لم يعد الحليف يُنظر إليه كركن ثابت في منظومة أمنية صلبة، بل كـ”شريك قابل لإعادة التفاوض”، تُقاس قيمة الالتزام معه بحجم مساهمته المالية والعسكرية. وقد تجلى هذا التوجه بوضوح في خطاب ترامب، الذي قال في بداية 2026“نحن نقدم الكثير، ولا نحصل إلا على القليل في المقابل. لقد طلبت منهم أن يدفعوا فواتيرهم، وأن يلتزموا بنسبة الـ 5% التي اتفقنا عليها. فهم يتوقعون أن نحميهم 100% “هذا الطرح يكرّس رؤية تعتبر “تقاسم الأعباء” شرطاً لاستمرار الالتزام الأمريكي، ويحوّل التحالفات من التزام قيمي إلى علاقة مصلحية مشروطة.

 

 

وتثير هذه المقاربة تساؤلات عميقة حول مستقبل النظام الأمني الغربي، إذ لم تعد المظلة الأمنية الأمريكية تُقدَّم كالتزام غير مشروط، بل كخدمة استراتيجية مرتبطة بتوازن المصالح، ما قد يدفع الدول إلى إعادة تقييم اعتمادها الأمني، سواء عبر تعزيز قدراتها الذاتية أو البحث عن ترتيبات بديلة.

 

أوروبا تعيد حساباتها

تمثل الحرب في أوكرانيا اختباراً أكثر تعقيداً لبنية التحالف الأطلسي. فبينما شكّلت في بدايتها لحظة لتأكيد وحدة الموقف الغربي، كشف استمرارها تدريجياً عن تباينات واضحة في الرؤى بشأن مستوى الانخراط وأهدافه النهائية. وقد ساهمت التصريحات السياسية داخل الولايات المتحدة في تعميق حالة عدم اليقين لدى الشركاء الأوروبيين، خاصة مع تزايد التشكيك في جدوى الالتزام طويل الأمد تجاه كييف. ففي هذا السياق، صرّح دونالد ترامب في شباط 2026 قائلاً:“لقد قدمنا مئات المليارات لأوكرانيا، سياسة الشيكات المفتوحة انتهت، ويجب على الأوروبيين أن يدركوا أن أمريكا لا تستطيع أن تكون ضامن أمن العالم بينما يكتفون بتقديم الوعود”

هذا الطرح يعكس تحوّلًا من دعم غير محدود إلى مقاربة تقيد الالتزام بسقف سياسي ومالي، ما يثير قلق الأوروبيين بشأن استمرارية الدعم الأمريكي، كما أشار ماركو روبيو في آذار 2026 إلى أنه “ لا يمكننا تجاهل التحدي الوجودي الذي تفرضه الصين بحجة التركيز على صراع إقليمي في شرق أوروبا، مواردنا محدودة، وعلينا إعادة ترتيب أولوياتنا بما يخدم أمننا القومي أولاً ” لم تعد هذه التصريحات مجرد ضغوط سياسية، بل تحولت إلى مؤشرات استراتيجية تعكس توجهاً أمريكياً لإعادة تعريف طبيعة الالتزام الأطلسي. وقد دفع هذا التحول بعض دول الجناح الشرقي إلى تبني مقاربة تقوم على تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، تحسباً لأي تراجع أو إعادة شروط في الضمانات الأمريكية.

 

الرئيس البولندي أندريه دودا

 

في المقابل، عبّر الرئيس البولندي أندريه دودا عن قلق أوروبي متصاعد بقوله “أوروبا، لا يمكنها أن تعيش وفق ما تقرره واشنطن من أولويات. أمننا يعتمد على ما نمتلكه من قوة ذاتية ”وفي المحصلة، تتعامل العواصم الأوروبية مع التحولات في الخطاب الأمريكي بوصفها مؤشراً على ضرورة إعادة تقييم مستوى الاعتماد الأمني على الولايات المتحدة، في اتجاه يعزز مفاهيم “الاستقلالية الاستراتيجية”، دون القطيعة مع الإطار الأطلسي.

 

إيران: اختبار خارج المجال التقليدي

يمثل التصعيد مع الجمهورية الاسلامية في إيران اختبارًا مختلفًا لطبيعة الناتو، كونه يقع خارج الإطار الجغرافي التقليدي للحلف. وهنا تظهر حدود التوافق بين الولايات المتحدة وأوروبا بشكل أوضح حيث لم يعد التصعيد مع الجمهورية الاسلامية مجرد ملف إقليمي، بل تحوّل إلى ساحة اختبار حقيقية لمدى تماسك التحالف الغربي. ففي أكثر من مناسبة، سعت واشنطن إلى حشد دعم حلفائها في الناتو لتأمين الممرات البحرية في الخليج، إلا أن الاستجابة الأوروبية اتسمت بالحذر والتباين، بما يعكس اختلافاً واضحاً في تقدير المخاطر بين ضفتي الأطلسي.

ولا يعود هذا التباين إلى فجوة في القدرات بقدر ما يرتبط باختلاف الرؤى حول أولويات المواجهة، إلى جانب مخاوف أوروبية من الانخراط في صراعات خارج الإطار المباشر للأمن الأوروبي. وفي ظل التحولات الجيوسياسية لعام 2026، برزت مواقف أوروبية رسمية تعكس تحولاً في العقيدة الاستراتيجية، من “التبعية الأمنية” إلى تبني مفهوم “الاستقلال الاستراتيجي”.

فقد أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن“فرنسا خارج الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران”، مشدداً على أن باريس “لم يتم التشاور معها” بشأن هذه العمليات. هذا الموقف لا يعكس فقط خلافًا سياسيًا، بل يشير إلى إشكالية أعمق: هل الناتو معني أصلًا بإدارة أزمات خارج المجال الأوروبي؟

كما أكد المستشار الألماني بأنه ” لا توجد تفويضات ألمانية أو أوروبية لأي عمليات عسكرية خارج إطار الدفاع الجماعي عن أراضي حلفائنا، وأي خطوة تتخذها برلين ستكون ضمن إطار توافق أوروبي”  في حين شدد كير ستارمر على “ان المملكة المتحدة لن تنجر إلى صراع لا يخدم أمنها القومي المباشر ولا يحظى بإجماع دولي واسع” هذه المواقف تكشف أن التباين ليس في القدرات، بل في تعريف التهديدات والأولويات. وهو ما يضعف قدرة الحلف على التحرك كجبهة موحدة في الأزمات غير التقليدية.

في المقابل، تميل الولايات المتحدة إلى تحميل الحلفاء جزءاً أكبر من مسؤولية إدارة هذه الملفات، ضمن مقاربة تقوم على أن الحماية يجب أن تقابلها مساهمة فعلية في تحمل الأعباء. وقد أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، “أن استمرار الوجود العسكري الأمريكي بات مرتبطاً بدرجة التوافق مع أولويات الإدارة”، ما يضع القادة الأوروبيين أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على السيادة الوطنية وضمان المظلة الأمنية.

 

في هذا السياق، تصبح الأزمة مع إيران نموذجاً معبّراً عن تعقيد عملية صنع القرار داخل الناتو، حيث تتقاطع حسابات الردع مع اعتبارات الطاقة والاستقرار الإقليمي، في بيئة دولية تتسم بتزايد المخاطر وتعدد مراكز القوة.

 

إعادة تشكيل لا انهيار

ان الجدل حول تأثير دونالد ترامب على الناتو لا يرتبط باحتمال انهيار الحلف بقدر ما يتعلق بإعادة تعريف طبيعة الالتزامات داخله. فالمعطيات الراهنة تشير إلى مسار تحول تدريجي نحو نموذج أكثر براغماتية، يُعاد فيه ضبط الالتزام الأمني وفق منطق تقاسم الأعباء والمخاطر بين الأطراف.

ولا يعني هذا التحول بالضرورة نهاية الناتو، بل يعكس انتقاله من تحالف يستند إلى درجة عالية من الثبات القيمي واليقين الاستراتيجي، إلى إطار أكثر مرونة،

وفي هذا السياق، يبدو الناتو أقرب إلى مرحلة “إعادة التشكيل الوظيفي” منه إلى مرحلة الانهيار، إذ لم يعد السؤال يتمحور حول احتمال تفككه، بل حول النموذج الذي سيتبناه مستقبلًا:
هل سيظل تحالفًا قائمًا على منطق التضامن التقليدي، أم يتحول إلى شبكة تفاهمات مشروطة تُعاد صياغتها مع كل أزمة؟

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى