الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

تقسيم السودان مجددًا.. خيارٌ أثبت فشله ولن يفضي إلى نتائج مختلفة

بقلم: فرانسيس م. دنغ – وأحمد كودودا

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

بعد مرور ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب الأهلية الكارثية في السودان أخذت خريطة الصراع المتشظية تميل تدريجيًا نحو ما يشبه التقسيم الفعلي للأرض، فقد أحكمت القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان سيطرتها على مساحات واسعة من شمال البلاد وشرقها ووسطها في حين تفرض قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو هيمنتها على إقليم دارفور في الغرب وأجزاء كبيرة من إقليم كردفان في الوسط، وفي موازاة ذلك أنشأ كلّ طرف بنى سلطوية موازية تمثّلت في حكومتين متنافستين- إحداهما تابعة للقوات المسلحة وتتنقّل بين بورتسودان والخرطوم والأخرى لقوات الدعم السريع في مدينة نيالا بجنوب دارفور- إلى جانب نشوء منظومتين اقتصاديتين متباينتين، وعلى الرغم من تأكيد الطرفين في خطاباتهما العلنية تمسكهما بوحدة السودان فإن استمرار هذا الانقسام لفترة أطول سيجعل إعادة توحيد البلاد أكثر تعقيدًا وصعوبة.

وقد أسهم هذا الانقسام الجغرافي المتبلور إلى جانب فشل محاولات متكررة للتوصل إلى تسوية سلمية تفاوضية تُبقي السودان موحّدًا في إعادة طرح احتمال التقسيم الرسمي للبلاد وذلك بعد خمسة عشر عامًا من انفصال جنوب السودان، وفي هذا السياق حذّر المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية من أن السودان يقف على حافة الانقسام، كما عملت قوات الدعم السريع بالتعاون مع حلفائها المدنيين على إنشاء هياكل إدارية لإدارة غرب البلاد بصورة شبه مستقلة، ورغم أن بيانها السياسي يشير شكليًا إلى “الوحدة الطوعية” فإنه يؤكد في الوقت ذاته أن “جميع شعوب السودان” تمتلك حق تقرير المصير، ويعكس ذلك تسارع مسار التفكك لا سيما مع سعي هذه القوات إلى إنشاء بنك مركزي موازٍ وتوجّه الطرفين نحو تنظيم امتحانات وطنية منفصلة.

وعلى الصعيد الخارجي يسود تصور تبسيطي يرى أن طرفي النزاع يمثلان مجموعات هوياتية مختلفة الأمر الذي يجعل خيار التقسيم يبدو ظاهريًا حلًا مباشرًا للصراع المستمر، ووفق هذا الفهم تمثل القوات المسلحة السودانية النخبة الحاكمة التقليدية – أي النخب العربية النهرية والتيارات الإسلامية التي هيمنت طويلًا على الحياة السياسية في السودان- في حين تُصوَّر قوات الدعم السريع وحلفاؤها على أنهم يمثلون في الغالب، المجتمعات العربية الرعوية وغيرها من المكونات الاجتماعية في دارفور وكردفان والتي عانت تاريخيًا من التهميش من قبل المركز في الخرطوم.

غير أن هذا الطرح ينطوي على قدر كبير من التبسيط إذ إن تقسيم السودان لن يشكّل حلًا بقدر ما سيكون مدخلًا لأزمات أعمق، فمن غير المرجح أن يؤدي التقسيم إلى قيام دول قابلة للحياة اقتصاديًا كما أنه لن يضع حدًا للعنف الذي يعصف بالبلاد منذ ما قبل استقلالها عام 1956، ويُعد جنوب السودان مثالًا تحذيريًا في هذا السياق إذ كان يُفترض أن يؤدي استقلاله عام 2011 إلى إنهاء صراع مماثل إلا أنه أخفق في تحقيق ذلك رغم ما حظي به من دعم دولي واسع. وهو دعم يُستبعد توافره لأي كيانات سودانية جديدة محتملة. وعليه فإن خطوط الصدع في السودان اليوم أعمق بكثير من مجرد انقسام عسكري بين الشرق والغرب، وأي محاولة لإضفاء طابع رسمي على هذا الانقسام لن تعالج جذور الأزمة بل قد تؤدي إلى تفاقمها وتعقيدها.

 

الماضي بوصفه مقدّمة لما سيأتي

لطالما عُدّ السودان واحدًا من أكثر بلدان أفريقيا تنوعًا وقد تشكّل في الأصل نتيجة اعتبارات استعمارية براغماتية، فقد ضمّ منذ نشأته مئات المجموعات الإثنية حيث تركزت الجماعات العربية المسلمة على امتداد نهر النيل في حين سادت في الجنوب مجتمعات غير عربية يغلب عليها الطابع المسيحي والاعتقادات التقليدية، وخلال نصف قرن من الحكم البريطاني الذي بدأ عام 1899 ترسّخت هذه الانقسامات إذ جرى تمكين النخب العربية النهرية في مواقع السلطة مع تركيز مشاريع البنية التحتية بشكل شبه حصري في الشمال بينما خضع الجنوب لما عُرف بـ”السياسة الجنوبية” التي أفضت عمدًا إلى إبقائه في حالة تخلف تنموي. ومع نقل السلطة إلى النخب الشمالية قبيل الاستقلال عام 1956 اندلعت الحرب الأهلية إذ انهار اتفاق السلام المبرم عام 1972 الذي أنهى الحرب الأهلية السودانية الأولى بعد أقل من عقد على توقيعه، عقب قيام الخرطوم بفرض الشريعة الإسلامية على مستوى البلاد، أما الحرب الأهلية السودانية الثانية فكانت أكثر دموية حيث أودت بحياة أكثر من مليوني شخص بين عامي 1983 و2005 في سياق صراع قادته الحركات المتمردة في الجنوب سعيًا إلى توسيع نفوذها السياسي، وقد أسفر اتفاق السلام لعام 2005 عن إنهاء القتال كما مهّد لإجراء استفتاء تقرير المصير في عام 2011 والذي أيده نحو 99% من سكان جنوب السودان.

ولطالما تمسّك الاتحاد الأفريقي وقادة أفارقة آخرون بمبدأ تثبيت الحدود الموروثة عن الاستعمار تفاديًا لنزاعات إقليمية لا تنتهي، غير أن تقسيم السودان حظي بقبول واسع بوصفه استثناءً انطلاقًا من قناعة مفادها أن الشمال العربي المسلم والجنوب الأفريقي المسيحي لا يمكن أن يتعايشا ضمن كيان سياسي موحد وعادل، وقد ضخت الولايات المتحدة وأوروبا موارد كبيرة في دولة جنوب السودان الوليدة على أمل أن تضمن احتياطياتها النفطية الكبيرة تحقيق التنمية والاستقرار.

غير أن هذا التفاؤل تبدّد خلال عامين فقط ففي الواقع لم يكن الصراع يومًا بسيطًا أو محددًا بوضوح على أسس جغرافية أو إثنية – دينية كما بدا ظاهريًا، بل نشأت صراعات الهوية نتيجة فشل الدولة السودانية في إدارة التنوع بشكل بنّاء على مختلف المستويات سواء بين الكتل الكبرى أو داخل المجتمعات الأصغر، وقد برزت مجموعة واسعة من المظالم- مثل النزاعات حول حقوق الرعي والسيطرة على المناطق النفطية والتنافس على المناصب الحكومية وشبكات المحسوبية- وهي قضايا كانت مدمجة ضمن صراع الشمال والجنوب لكنها ظهرت إلى السطح ولم تُحلّ عقب استقلال الجنوب، وسرعان ما تحوّلت النخب السياسية التي خاضت معًا كفاح التحرر إلى أطراف متناحرة مستخدمةً الأساليب ذاتها من التهميش والتعبئة الإثنية واستغلال الموارد التي كانت الخرطوم قد مارستها سابقًا ضد الجنوب. وفي أواخر عام 2013 تحوّل الخلاف السياسي بين رئيس جنوب السودان سلفا كير ونائبه رياك مشار إلى حرب أهلية، أسفرت خلال السنوات الخمس التالية عن مقتل نحو 400 ألف شخص، وتشريد أكثر من أربعة ملايين آخرين.

 

 

وبما أن جنوب السودان نال سيادته قبل معالجة الأسباب الجذرية للصراع أو إعادة هيكلة اقتصاده القائم على عقود من التمرد فإن الاستقلال لم يُنهِ الصراع بقدر ما أعاد تموضع خطوطه، فقد دار القتال أساسًا بين قبيلة الدينكا التي ينتمي إليها سلفا كير وقبيلة النوير التي ينتمي إليها رياك مشار مع اتهامات متبادلة بارتكاب فظائع جسيمة بحق المدنيين، إلا أن العنف لم يظل محصورًا بين هاتين المجموعتين إذ شكّلت جماعات إثنية أصغر فصائل مسلحة خاصة بها انحاز بعضها إلى كير فيما اصطف بعضها الآخر إلى جانب مشار بينما سعت مجموعات أخرى إلى أجندات أكثر استقلالية، مستخدمة العنف لمعالجة مظالم محلية لم يعالجها الاستقلال.

وقد رعت جهات دولية اتفاقات سلام في عامي 2015 و2018 جرى بموجبها تشكيل حكومات تقاسم سلطة لقيادة البلاد نحو انتخابات وسلام أكثر استدامة، غير أن تنفيذ هذه الاتفاقات تعرّض لتأخيرات متكررة وبقيت الوعود دون تحقيق، كما تبيّن أن الحركة الشعبية لتحرير السودان- التي قادت مشروع التحرر الجنوبي وأصبحت لاحقًا الحزب الحاكم- كانت أكثر كفاءة في خوض الحروب منها في بناء الدولة، فقد جرى توجيه عائدات النفط التي تمثل نحو 98% من إيرادات الحكومة إلى شبكات المحسوبية والحسابات الخاصة بدلًا من استثمارها في البنية التحتية أو التعليم أو الرعاية الصحية، وأشار تقرير للأمم المتحدة صدر في أيلول 2025 إلى أن نحو 25 مليار دولار من عائدات النفط منذ الاستقلال لم تُترجم إلى تحسن ملموس في قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية.

وهكذا تحوّل جنوب السودان إلى نموذج صارخ لحكم النخب الريعية والفساد البنيوي حيث استمرت السياسة والاقتصاد في مكافأة العنف فيما عمد سلفا كير إلى شراء ولاءات حلفائه وخصومه المحتملين عبر توزيع العائدات النفطية، ومع ذلك ظل النفط الجنوبي يُصدَّر عبر أنابيب تمرّ داخل السودان الأمر الذي جعل اقتصاد الدولة الوليدة رهينة للتطورات في الشمال، وعندما عطّلت الحرب الأهلية في السودان هذه الأنابيب عجزت حكومة جنوب السودان عن توفير الموارد التي كانت تُبقي على تماسك السلطة.

وفي هذا السياق أصبح الإقصاء من شبكات المحسوبية دافعًا للتمرد ففي آذار 2025 وفي أعقاب أزمة مالية ناجمة عن تعطّل خط الأنابيب سيطرت ميليشيا من النوير تدعم مشار على قاعدة عسكرية قرب الحدود الإثيوبية، وردًّا على ذلك وضع سلفا كير رياك مشار قيد الإقامة الجبرية واعتقل عشرات من قادة المعارضة ثم وجّه إليه في أيلول تهم الخيانة والقتل وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وعلى إثر ذلك أعلنت جماعة مشار بطلان اتفاق السلام لعام 2018 لتتجدد المواجهات المسلحة وتنتشر في ولايات أعالي النيل وجونقلي ووسط الاستوائية، وقد فرّ نحو 300 ألف مدني من البلاد خلال عام 2025 توجّه نصفهم إلى السودان معتبرين- على نحو مفارق- أن جارتهم التي تمزقها الحرب تمثّل ملاذًا أكثر أمانًا.

 

لا حلول سهلة

تُبيّن تجربة جنوب السودان بوضوح أن التقسيم لا يُفضي إلى معالجة جوهر الأزمات ما دامت الدولة تُعامَل بوصفها غنيمة تُحتكَر لا مؤسسة تُدار لخدمة مواطنيها، ومن هذا المنطلق فإن إعادة تقسيم السودان لن تعني سوى إعادة إنتاج أنماط عدم الاستقرار ذاتها لا سيما أن أي كيانين سودانيين محتملين لن يحظيا بمستوى الدعم الدولي أو المساعدات الإنسانية أو الاهتمام الدبلوماسي الذي حظي به جنوب السودان، يضاف إلى ذلك أن التوزيع الجغرافي للموارد الطبيعية وأنماط التبادل التجاري يجعل من فكرة التقسيم خيارًا يفتقر إلى الحد الأدنى من الاتساق الاقتصادي، فالقوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان تسيطر على البنية التحتية الحيوية في “الشرق والوسط” وعلى الموانئ المطلة على البحر الأحمر فضلًا عن مصافي النفط وخطوط الأنابيب إلى جانب مساحات زراعية خصبة على امتداد وادي النيل.

 

قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان ، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو

 

في المقابل، تُحكم قوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو قبضتها على عدد من الحقول النفطية القريبة من حدود جنوب السودان وعلى الجزء الأكبر من الثروة الحيوانية وكذلك على إنتاج الصمغ العربي الذي يحتل فيه السودان موقع الصدارة عالميًا، أما موارد الذهب فرغم انتشارها في مناطق نفوذ الطرفين فإنها لا تكفي لدعم اقتصادين مستقلين، وفي حال قيام كيان سياسي في غرب السودان تحت سيطرة قوات الدعم السريع- وهي قوة شبه عسكرية تفتقر إلى خبرة مؤسسية في الحكم- فسيجد نفسه دولة حبيسة محرومة من منافذ التصدير الرسمية ومعتمدة على شبكات تهريب عبر تشاد أو ليبيا، ورغم امتلاكه لبعض الحقول النفطية فإنه سيبقى عاجزًا عن تصدير إنتاجه دون التوصل إلى ترتيبات تعاونية مع القوات المسلحة لاستخدام المصافي ومرافئ التصدير- وهو سيناريو ضعيف الاحتمال في ظل العداء البنيوي بين الطرفين، وحتى في حال تحقق ذلك ستبقى الخرطوم قادرة على فرض رسوم عبور مرتفعة أو تعطيل الصادرات كما حدث مرارًا مع جنوب السودان منذ عام 2011.

وعليه سيظل أي كيان غربي محتمل رهين الاقتصاد غير الرسمي الذي يمول عملياته وعاجزًا عن بناء قاعدة مالية شرعية تتيح قيام مؤسسات دولة فاعلة، أما الكيان الشمالي الشرقي تحت سيطرة القوات المسلحة فسيحتفظ بميزة الوصول إلى الموانئ البحرية وبقدرات زراعية نسبية لكنه سيفتقر إلى موارد مالية كافية وسيظل عرضة لتهديدات أمنية مستمرة في أطرافه، وفي المحصلة لن يمتلك أي من الكيانين القدرة على تمويل عمليات إعادة إعمار واسعة النطاق كما سيبقيان في حالة تنافس دائم على الموارد غير المستغلة – من نفط وذهب وأراضٍ زراعية – إلى جانب بؤر الاحتكاك الحدودي.

أما على المستوى الإثني والديموغرافي فالصورة أكثر تعقيدًا مما توحي به خرائط الصراع، إذ لا وجود فعلي لانقسام حاد وثابت بين شرق وغرب البلاد فبينما تستند قوات الدعم السريع إلى قاعدة اجتماعية من مجتمعات رعوية عربية في دارفور وكردفان مثل الرزيقات والمسيرية وبني هلبة والسلامات فإن هذه المكونات نفسها تعاني انقسامات داخلية عميقة، فجزء من الشباب انخرط في صفوف هذه القوات في حين لا يزال عدد من الزعامات القبلية التقليدية يميل إلى دعم القوات المسلحة، وفي جنوب كردفان تحالفت الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال مع الكيان السياسي الذي تسعى قوات الدعم السريع إلى بنائه رغم أن قاعدتها الاجتماعية في جبال النوبة خاضت تاريخيًا صراعات ضد كلٍّ من الميليشيات العربية والمؤسسة العسكرية المرتبطة بالخرطوم.

إن هذا التشابك في الولاءات والانتماءات من شأنه أن يفضي إلى كيانات سياسية تفتقر إلى هوية وطنية جامعة وقاعدة اجتماعية مستقرة فضلًا عن ترك أعداد كبيرة من السكان تحت سلطات معادية أو على الجانب الخاطئ من حدود مفترضة، وقد كانت المجتمعات الزراعية غير العربية في دارفور- مثل الفور والمساليت والزغاوة- الأكثر تضررًا من انتهاكات قوات الدعم السريع بما في ذلك أعمال عنف صنّفتها الولايات المتحدة عام 2025 على أنها إبادة جماعية، ومن شأن أي تقسيم يمنح هذه القوات السيطرة على غرب السودان أن يكرّس إخضاع تلك المجتمعات لقوى مارست بحقها القتل والتهجير الممنهج لعقود، وبالمثل سيواجه ملايين الدارفوريين والنوبة المقيمين في مناطق خاضعة لسيطرة القوات المسلحة مخاطر العزلة والتهميش المستمر.

وعلى نحو أعمق لا يرتبط العنف في السودان بمسألة السيطرة الإقليمية بقدر ما يعكس اختلالات بنيوية في إدارة الدولة، فقد اعتمدت الأنظمة المتعاقبة في الخرطوم على نمط حكم قائم على استنزاف موارد الأطراف وتهميشها سياسيًا واجتماعيًا، وقد تحولت هذه الحرب بالفعل إلى شبكة من الصراعات المتداخلة حول الأرض والمياه وحقوق الرعي وموارد التعدين، كما عمد كلٌّ من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع إلى تسليح جماعات محلية وقبلية كانت تحمل مظالم تاريخية سابقة للنزاع الراهن. واعتمدت قوات الدعم السريع على نحو خاص نموذجًا قائمًا على توزيع السلاح مقابل الولاء والمشاركة في القتال، غير أن هذه الولاءات تظل ظرفية ومصلحية إذ توظف الجماعات المحلية سردية الحرب لتحقيق أهدافها الخاصة، وفي المقابل يشهد معسكر القوات المسلحة ذاته تآكلًا داخليًا إذ يضم تحالفًا غير متجانس من فصائل إسلامية ومتمردين دارفوريين وميليشيات قبلية، لا يجمعها سوى العداء المشترك لقوات الدعم السريع دون أن تمتلك رؤية وطنية موحّدة لمستقبل السودان.

 

حلّ ترقيعي

 إن صانعي السياسات الذين يتصورون أن التقسيم يمكن أن يشكّل صمام أمان لتخفيف الضغوط يسيئون فهم طبيعة وتعقيد الحروب في السودان، فأي وقفٍ لإطلاق النار يُجمّد خطوط الصراع الحالية ويُرسّخها لن يعالج جذور المظالم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل سيؤسس لإطار جديد تواصل من خلاله القوى المسلحة السعي وراء أهدافها الضيقة- من الاستيلاء على الأراضي الزراعية إلى السيطرة على مناجم الذهب وصولًا إلى تصفية النزاعات القبلية، كما أن رسم حدود فاصلة عبر إقليم كردفان سيُنتج كيانين ضعيفين يعاني كلٌّ منهما انقسامات داخلية عميقة وعداءات مجتمعية ويفتقران إلى المقومات الاقتصادية اللازمة للتعافي، وسيبقى لدى الطرفين في الوقت ذاته حوافز قوية لزعزعة استقرار الآخر بما يمهّد لصراعات مجزأة ومحلية وممتدة ويقوّض أي احتمال- مهما كان ضئيلًا- للتوصل إلى تسوية وطنية تفاوضية.

ولا يقتصر أثر تقسيم السودان على الداخل فحسب بل يمتد ليهدد استقرار دول الجوار فـتشاد تواجه الخطر الأكثر إلحاحًا نظرًا لتشابه خطوطها الإثنية مع تلك التي تمزق السودان ولأن العديد من جماعات دارفور- بما في ذلك الزغاوة التي تمثل قاعدة سلطة الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي- تتوزع عبر الحدود بين البلدين، وفي حال سيطرة قوات الدعم السريع على غرب السودان رسميًا فإن ذلك سيوفر مظلة دعم وتسليح قوية للمجتمعات العربية المهمشة في تشاد وقد يشجع نزعات مماثلة نحو الحكم الذاتي أو الانفصال داخلها، كما أن الاعتراف الدولي بكيان في غرب السودان قد يتيح له استقبال استثمارات خارجية وشحنات سلاح بشكل علني بل ومنح شرعية لتدخلات عابرة للحدود.

أما إثيوبيا فتواجه ضغوطًا مختلفة ولكن لا تقل خطورة، فقد أسهمت الحرب في السودان بالفعل في تأجيج التوترات الداخلية فيها في ظل علاقات وثيقة بين حكومتها وقوات الدعم السريع المدعومتين من الإمارات العربية المتحدة، وتظل إثيوبيا دولة هشة إذ لم يُنفذ اتفاق 2022 الذي أنهى الحرب في إقليم تيغراي بشكل كامل كما لا تزال التوترات قائمة في إقليمي أمهرة وأوروميا. وتسيطر الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال المتحالفة مع قوات الدعم السريع على مناطق حدودية مع إثيوبيا وقد فتحت جبهة جديدة عبر شن هجمات انطلاقًا من معسكرات داخل الأراضي الإثيوبية، كما أن سيطرة قوات الدعم السريع على إقليم النيل الأزرق ستخلق جيبًا جغرافيًا معزولًا عن بقية مناطق نفوذها ما يزيد من تعقيد قابلية هذا الكيان للحياة في حال التقسيم، وفي حال تحقق الانقسام رسميًا ستواجه إثيوبيا واقع تعدد الفاعلين المسلحين المتنافسين على طول حدودها الهشة. وفي المقابل دعمت إريتريا القوات المسلحة السودانية انطلاقًا من مخاوفها من تهديد قوات الدعم السريع للتوازن الإقليمي ودورها كأداة نفوذ للإمارات في القرن الأفريقي، ومن شأن إضفاء الطابع الرسمي على التقسيم أن يزيد من احتمالات اندلاع صراع مباشر مجددًا بين إريتريا وإثيوبيا وأن يزعزع التوازن السياسي الهش الذي كرّسته أسمرة منذ استقلالها عام 1993، كما أن قيام كيان موالٍ لقوات الدعم السريع ومقرّب من إثيوبيا على حدودها سيشكّل تهديدًا مباشرًا لأمنها.

أما جنوب السودان فسيكون من أكثر الدول تضررًا إذ يعتمد اقتصاده شبه كلي على النفط الذي يُنقل عبر خطوط أنابيب تمرّ بمناطق خاضعة لسيطرة الطرفين المتحاربين في السودان، وقد أدت الحرب بالفعل إلى فقدان أكثر من نصف إيرادات جوبا، وفي حال تقسيم السودان ستجد جنوب السودان نفسها مضطرة للتفاوض مع دولتين منفصلتين حول رسوم عبور النفط وتقاسم عائداته بدلًا من طرف واحد ما يفتح الباب أمام ابتزاز اقتصادي متبادل، كما أن أي صراع جديد بين الكيانين السودانيين سيدفع كلًّا منهما إلى استخدام وكلاء داخل جنوب السودان ما سيزيد من هشاشته ويعمّق عدم استقراره.

 

ومن جهة أخرى فإن إضفاء الشرعية على كيان تقوده قوات الدعم السريع سيؤدي إلى ترسيخ شبكات تهريب الذهب غير المشروعة الممتدة عبر جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وليبيا، بما يعزز نفوذ الفاعلين المسلحين المستفيدين من هذه الأنشطة، وفي المقابل فإن قيام كيان تديره القوات المسلحة قد يعزز تحالفها مع التيارات الإسلامية في السودان، بما قد يسهم في تغذية نزعات التطرف العنيف.

 

مخرج ممكن

لا يمكن إنهاء الحرب الأهلية في السودان عبر التركيز الضيق على طرفي الصراع الرئيسيين والسعي إلى فرض تقاسم للسلطة بينهما أو تقسيم البلاد، فالتقسيم لن يكون سوى تأجيل لمعالجة جوهر الأزمة مع إنتاج كيانين ضعيفين يواجه كلٌّ منهما الانقسامات الداخلية ذاتها التي تجعل الدولة اليوم عصية على الحكم، إن تحقيق سلام مستدام يتطلب معالجة شاملة للأسباب الجذرية للصراع وهي مهمة أخفقت فيها مسارات التفاوض السابقة جزئيًا بسبب استبعاد الفاعلين المدنيين والتركيز المفرط على الترتيبات الأمنية بدلًا من التحول السياسي.

وتكمن المقاربة الأكثر فاعلية في تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة للسكان بالتوازي مع إطلاق عملية سياسية شاملة تضم مختلف الأطراف وتستند إلى مسارات مصالحة وطنية ذات بعد ثقافي وآليات مساءلة عن الجرائم الجسيمة التي ارتُكبت من جميع الجهات، وإذا ما أراد السودان إنهاء دوامات العنف المرتبطة بالهوية فإن على القوى الإقليمية والدولية ذات النفوذ- وخاصة الفاعلين الإقليميين الرئيسيين مثل مصر وإثيوبيا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة- أن تفرض حظرًا فعليًا على تدفق السلاح وأن تفرض عقوبات على الجهات المعرقلة من كلا الطرفين وأن تدعم مبادرات السلام التي يقودها المدنيون في المناطق التي توقفت فيها المعارك، مع التأكيد على أن أي اعتراف دولي لن يُمنح دون التزام واضح بحماية المدنيين وإشراكهم في العملية السياسية. ورغم أن ديناميات الصراع على الأرض تدفع بقوة نحو التفكك الرسمي، فإن على دول الجوار والقوى الإقليمية والدولية أن تستوعب درس جنوب السودان: فالتقسيم لم يُنهِ الصراع بل أعاد إنتاجه في أشكال أكثر تعقيدًا، وأي تقسيم جديد للسودان لن يكون أقل كلفة- بل قد يكون أكثر فداحة.

 

* Francis M. Deng and Ahmed Kodouda, Don’t Partition Sudan Again Splitting It Didn’t Work in the Past and Won’t Work Now, Foreign Affairs, April 8, 2026.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى