الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
جيوسياسية المقدس: التوظيف النبوئي وأدلجة الصراع الإقليمي

بقلم: حنين محمد الوحيلي
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
لم تعد بعض القرارات السياسية والعسكرية في “الشرق الأوسط” تُفسَّر فقط من خلال الحسابات الجيوسياسية التقليدية بل باتت تتقاطع أحياناً مع سرديات دينية ذات حضور متزايد في الخطاب السياسي. فمن استحضار رئيس الوزراء “الإسرائيلي” “بنيامين نتنياهو” لمفاهيم توراتية مثل “العماليق”، إلى تنامي تأثير التيار الإنجيلي المحافظ في السياسة الأمريكية، برز اتجاه متصاعد يوظف الرمزية الدينية في تفسير الصراع وإضفاء بعد قدري أو رسالي عليه، وهو ما يدفع بعض الباحثين إلى الحديث عن بروز نمط جديد يمكن وصفه بـ “جيوسياسية النبوءة”.
تشير طبيعة المواجهة الجارية في المنطقة إلى أنها لم تعد تقتصر على التنافس التقليدي على النفوذ بل باتت تتداخل فيها الأبعاد الأيديولوجية والدينية بشكل متزايد. فبينما تستحضر بعض الخطابات السياسية في الولايات المتحدة و”إسرائيل” سرديات دينية مثل “هرمجدون” لتفسير الصراع، تستند بعض القوى الإقليمية إلى مرجعيات عقدية تمنح المواجهة بعداً رسالياً وتاريخياً يرى في هذا الصراع تمهيداً حتمياً لدولة العدل الإلهي.
في هذا السياق يطرح تصاعد الخطاب الديني في الصراعات الجيوسياسية سؤالاً مهماً حول طبيعة العلاقة بين العقيدة والقرار الاستراتيجي.
فهل يمثل توظيف النبوءات والرموز الدينية مجرد أداة تعبئة سياسية أم أنه يعكس تحولاً أعمق في طبيعة الصراع الدولي؟
يحاول هذا المقال قراءة هذه الظاهرة من خلال تحليل توظيف الرمزية الدينية في الخطاب السياسي الغربي و”الإسرائيلي” ومقارنتها بالمنظور العقدي الذي تستند إليه بعض القوى الإقليمية في تفسير الصراع.
لقد نجحت الماكينة الإعلامية والسياسية في واشنطن بتوجيه من منظري اليمين المتطرف في تصوير القوى الإسلامية ليس كخصم سياسي يمكن التفاوض معه بل كـ “قوى الشر” التي يجب استئصالها لتحقيق الخلاص الروحي. هذا التوصيف يخدم هدفاً استراتيجياً واحداً: إغلاق باب الدبلوماسية وفتح باب الحرب الشاملة. حين صرح مسؤولون في إدارة ترامب بأن “المواجهة مع طهران هي معركة إلهية”، كانوا في الحقيقة يمنحون أنفسهم “صكاً على بياض” لتجاوز القانون الدولي تحت ذريعة تنفيذ إرادة السماء.
هنا تبرز المفارقة فبينما قد لا يكون صناع القرار في “الدولة العميقة” مؤمنين بالضرورة بالرؤى الغيبية، إلا أنهم استخدموا الكتلة الإيفانجيليكية (المسيحية الصهيونية) كوقود داخلي لشرعنة الحرب. لقد تم تحويل دعم “إسرائيل” من ملف أمن قومي إلى “واجب ديني” لا يقبل النقاش. هذا التوظيف سمح للإدارة الأمريكية بضخ ميزانيات عسكرية هائلة وتحريك الأساطيل دون معارضة شعبية حقيقية، طالما أن الحرب تُسوق على أنها “تمهيد لعودة المخلص”.
وفي الجهة الأخرى نجد أن “اسرائيل” قد انتقلت من “الصهيونية العلمانية” إلى “الصهيونية الدينية” المتطرفة. إن استخدام نتنياهو لمصطلح “العماليق” ليس مجرد استشهاد تاريخي بل هو أمر عمليات عسكري بالإبادة. هذا الاستحضار يهدف إلى نزع الإنسانية عن الخصم، وتبرير استخدام القوة المفرطة ضد قوى الحق، باعتبار أن هذه الحرب هي “حرب الرب” التي لا تُبقي ولا تذر.
إن محور الاستكبار لا يحارب من أجل “الدين”، بل يستخدم “الدين” ليحارب. إنه يحاول اختطاف “المقدس” وتزييفه ليصنع منه درعاً يحميه من السقوط التاريخي الحتمي أمام الوعي المتصاعد لمحور الحق.
في مقابل التوظيف الغربي “النفعي” للنصوص الدينية، نجد أن القوى الإسلامية (بقيادة إيران) تنطلق من بنية عقدية صلبة ومستقرة، لا تستخدم الدين كغطاء طارئ بل تعتبره “البوصلة” والمحرك الأساسي لخياراتها الاستراتيجية.
خلافاً للتصورات التي ترى في “الانتظار” حالة من السكون، تعتمد هذه القوى مفهوم “التمهيد”. وهو إعداد القوة المادية والعسكرية كجزء من التكليف الإلهي لاستقبال دولة العدل بقيادة الإمام المهدي (عج). هنا لا تصبح الحرب غاية في حد ذاتها بل ضرورة لدفع الظلم. مما يعطي المقاتل والمخطط في هذا المحور صموداً “فوق عقلاني” يتجاوز الحسابات المادية للربح والخسارة.
بينما يحاول الخطاب الأمريكي المتصهين احتكار رمزية السيد المسيح لتبرير العدوان، تؤكد الرؤية الإسلامية في هذا الصراع على وحدة الهدف النبوي. إن الإيمان بعودة المسيح (ع) ليكون ظهيراً للإمام المهدي (عج) في نشر السلام العالمي، يحول الصراع من “حرب دينية إباديّة” (كما يراها اليمين الأمريكي) إلى “معركة تحرير إنسانية” تهدف لتخليص البشرية من الاستكبار.

يتمثل أحد العوامل المؤثرة في سلوك بعض الفاعلين في الصراع في حضور البعد العقدي ضمن عملية تفسيرهم لطبيعة المواجهة. فبالنسبة لهذه القوى، لا تُستخدم المرجعيات الدينية بوصفها مجرد أدوات تعبئة جماهيرية، بل تشكل جزءاً من الإطار الفكري الذي تُفهم من خلاله طبيعة الصراع ومساره التاريخي. ويمنح هذا البعد العقائدي درجة عالية من الثبات النفسي والاستعداد لتحمل كلفة المواجهة لفترات طويلة، وهو ما يفسر في كثير من الأحيان قدرة هذه القوى على الصمود أمام ضغوط عسكرية وسياسية كبيرة.
بينما ينغمس طرفا الصراع في دوافعهما العقائدية، يراقب العالم “غير المتدين” بالمعنى الغربي أو الإسلامي والمتمثل في القوى الصاعدة مثل الصين هذا التحول بقلق تحليلي لافت. تعكس تصريحات المحللين الصينيين في مراكز أبحاث “بكين” قراءة مغايرة ترى أن العالم ينزلق نحو حقبة “العقلانية المفقودة”.
تشير تحليلات صينية بارزة (مثل تلك التي يطرحها منظرون في معاهد الشؤون الدولية في بكين) إلى أن الولايات المتحدة، بفشلها في الحفاظ على تفوقها المادي والاقتصادي، اضطرت لاستدعاء “المحرك الديني” كآخر ملاذ للحشد القومي. يرى هؤلاء أن لجوء واشنطن وتل أبيب للنبوءات هو “علامة ضعف استراتيجي” وليس قوة. فهي محاولة لتعويض التراجع في النفوذ الواقعي عبر خلق عدو “شيطاني” يبرر تدمير الخصوم خارج أطر القانون الدولي.
تؤكد الرؤية الشرقية (الصينية والروسية أحياناً) أن دخول “المقدس” على خطوط المواجهة في عام 2026 حوّل “الشرق الأوسط” إلى ساحة “صراع غير صفري” أي صراع لا يقبل التسويات السياسية. بالنسبة للمراقب الصيني يمثل هذا النوع من الحروب تهديداً لاستقرار سلاسل التوريد والاقتصاد العالمي، لأن القادة الذين يحركون الجيوش بناءً على “رؤى غيبية” (سواء كانت صادقة أو مزيفة) لا يضعون “الربح الاقتصادي” كأولوية، وهو ما يربك الحسابات البراغماتية الصينية.
في نهاية المطاف يرى هؤلاء المراقبون أن العالم أمام نموذجين: نموذج غربي يستخدم “المقدس” لتبرير الهيمنة وتدمير الآخر، ونموذج إسلامي يرى في الصراع واجباً رسالياً وتاريخياً. هذا التوصيف الخارجي يمنح مصداقية لفكرة أن الصراع الحالي في جوهره قد تجاوز بالفعل حدود السياسة التقليدية ليدخل في طور “حرب العقائد الكبرى”.

بناءً على التحليل السابق للأبعاد الدينية والسياسية للصراع الدائر في عام 2026، يمكن استخلاص النتائج الاستراتيجية التالية:
-
فشل العلمانية السياسية: أثبتت أحداث عام 2026 أن الفصل بين الدين والسياسة في الملفات الدولية الكبرى كان “وهماً أكاديمياً”. فالعقيدة لا تزال هي المحرك الأقوى للجماهير ولصناع القرار على حد سواء، سواء تم استخدامها بصدق أو كأداة للتعبئة.
-
خطورة “التوظيف النبوئي” الغربي: إن لجوء واشنطن وتل أبيب لإضفاء طابع “مقدس” على حروبهما يعكس مأزقاً استراتيجياً فالحرب التي تُخاض باسم “النبوءة” لا تقبل التراجع أو الحلول الوسط، مما يرفع احتمالات التصادم الشامل الذي لا تحكمه قوانين الردع التقليدية.
-
تماسك جبهة القوى الإسلامية: في مقابل التخبط الغربي في توظيف الدين، أظهرت القوى الإسلامية تماسكاً غير مسبوق ناتجاً عن “وحدة الرؤية الكونية”. إن الاعتقاد بالتمهيد لظهور الإمام المهدي (عج) حوّل التهديدات العسكرية إلى “فرص تاريخية” لإثبات الذات، وهو ما يفسر فشل سياسات “الضغط الأقصى” في كسر إرادة هذا المحور.
-
تحول موازين القوى الروحية: يشهد العالم اليوم تراجع “الأخلاق السياسية” للغرب مقابل صعود “القيم الرسالية” للشرق الإسلامي. هذا التحول يجعل من الصعب على الولايات المتحدة كسب “حرب العقول والقلوب”، مهما بلغت قوتها العسكرية.
-
الاستشراف المستقبلي: إن استمرار أدلجة الصراع سيقود حتماً إلى “فرز عالمي” جديد، حيث لن يكون الاصطفاف بناءً على المصالح الاقتصادية فحسب بل بناءً على الانتماءات القيمية والعقدية، مما ينذر بولادة نظام عالمي جديد يخرج من رحم هذا المخاض “الميتافيزيقي” العنيف.



