الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الاتفاق العراقي – التركي في مجال المياه: بين اختلاف الدوافع وتعدد التحديات

بقلم: أ.د. مثنى فائق مرعي
كلية العلوم السياسية / جامعة تكريت
لا يخفى ان الاتفاق الذي عقد بين العراق وتركيا في مطلع شهر تشرين الثاني 2025 يأتي في سياق اوضاع داخلية وخارجية تتصف بالتعقيد من جهة وبالحساسية من جهة اخرى وللدولتين على حد سواء. كما ان هذا الاتفاق ليس وليد لحظته بقدر ما هو نتيجة لتطورات عديدة ودوافع مختلفة، ناهيك عن كونه قد جاء كآلية لتنفيذ “الاتفاقية الاطارية للتعاون في مجال المياه” التي تم ابرامها خلال شهر نيسان عام 2024، كجزء من حزمة اتفاقات تضمنت 26 اتفاق ومذكرة تفاهم جرى توقيعها في بغداد تخص التعاون في مجالات منها: المياه وإدارة الموارد المائية، والامن ومكافحة الارهاب، والطاقة والكهرباء، والاقتصاد، والتجارة، والجمارك، والثقافة، وغيرها من الملفات المشتركة. واستمرت المباحثات بين الطرفين لما يقرب من عام بهدف الاتفاق على آلية مناسبة تساهم في تطبيق الاتفاقات والتفاهمات الخاصة بقطاع المياه.
ويمكن القول ان هذا الاتفاق له اهميته الكبيرة بالنسبة للعراق في ظل تفاقم ازمة المياه في عموم البلاد، وللحكومة العراقية التي ترغب في ان تسجل منجزاً لها قبيل اجراء الانتخابات البرلمانية يوم 11 تشرين الثاني، كون الاتفاق تضمن زيادة في اطلاقات المياه من قبل الجانب التركي الى نهر دجلة وما يعنيه ذلك من تخفيف حدة ازمة المياه التي الحقت الضرر في مختلف المجالات البشرية والزراعية والصناعية وغيرها .
ولكن بالرغم من اعلان الحكومتين العراقية والتركية عن ابرام الاتفاق بيد ان مسألة التنفيذ غير محسومة الامر اذا ما تم النظر الى العديد من الاتفاقات ومذكرات التفاهم وبخاصة في مجال المياه التي ابرمت سابقاً ولم تحظ بالتطبيق على ارض الواقع نتيجة للتنصل التركي بسبب ربطها بملفات اخرى لم تلقى المعالجة المطلوبة من الجانب العراقي ولاسيما ملف حزب العمال الكردستاني. وبغية النظر التعرف اكثر على الاتفاق العراقي التركي الاخير يقتضي الحال التعرف على مضامينه، ودوافع الدولتين وراء ابرامه، ثم مستقبل تنفيذه في ظل ما يرتكز عليه من فرص او يعتريه من تحديات.
مضامين وبنود الاتفاق

بالرغم من عدم نشر الجهات الرسمية لبنود الاتفاق العراقي التركي في مجال المياه “وثيقة آلية تمويل المشاريع بموجب اتفاقية إطارية للتعاون المائي”، الا ان العديد من تصريحات المسؤولين العراقيين والاتراك، والعديد من وسائل الاعلام قد اشارت الى ان هذا الاتفاق احتوى على منهج عمل يهدف الى تنفيذ مشاريع استراتيجية مهمة في قطاع المياه مرتكزة على ما يمكن ان تقره الجهات المعنية من مشاريع، وتضمن الاتفاق على عدد من البنود والملفات:
-
مشاريع تخص تحسين نوعية المياه ومعالجة تلوث مياه الأنهار في العراق.
-
اقامة مشاريع لتطوير طرق الري من خلال التقنيات الحديثة.
-
مشاريع استصلاح الأراضي الزراعية (ثلاث مبادرات استصلاح في الدفعة الاولى).
-
الاتفاق على اعتماد حوكمة الادارة المائية لنهري دجلة والفرات في العراق (ثلاثة مشاريع سدود لحصاد المياه في الدفعة الاولى).
اما الآلية التي تم الاتفاق عليها وبحسب ما تناقلته وسائل الاعلام، فإنها تقوم على عدة مبادئ اساسية:
-
الفريق الاستشاري المشترك، يقع على عاتقه تحديد مشاريع المياه ذات الأولوية، بناءً على طلبات الجهات العراقية المعنية بملف المياه.
-
تنافس الشركات المؤهلة، بإستطاعة الشركات التركية المؤهلة ان تنافس الى جانب الشركات العراقية المحلية على تنفيذ مشاريع المياه في العراق ويكون ذلك وفقاً للإجراءات الاصولية المتبعة في مجال احالة المشاريع، وتتولى مهمة الاشراف على هذه المشاريع لجان من وزارات المالية والتخطيط والموارد المائية، وتقوم برفع تقارير دورية إلى فريق التخطيط المشترك بوزارة الخارجية.
-
تمويل المشاريع، يكون تمويل المشاريع المتفق عليها من حساب خاص ناتج عن مبيعات النفط الخام العراقي بأسعار النشرة الدولية للنفط العراقي لأحدى الشركات التركية المعتمدة من قبل شركة تسويق النفط العراقية (سومو).
-
تقاسم الأرباح، اذا ما قامت الشركات التركية ببيع النفط العراقي الذي تستورده الى الاسواق الاوروبية بأسعار اعلى من السعر المحدد دولياً، فإن العراق سيحصل الى نسبة 65% من الارباح المتحققة.
-
آليات بيع النفط للشركات التركية تكون خاضعة لإجراءات شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، وهذه الآلية يتم العمل بها طيل مدة سريان اتفاقية المياه الأوسع.
دوافع العراق وتركيا في عقد الاتفاق
كل الاتفاقات والتفاهمات في العلاقات الدولية تأتي نتيجة لدوافع واهداف تبتغي اطرافها تحقيقها، ولا يخرج الاتفاق الاخير بين العراق وتركيا عن هذا السياق، اذ جاء الاتفاق مبنياً على دوافع عديدة منها مشتركة واخرى مختلفة لطرفي الاتفاق.
فبالنسبة للعراق مضت الحكومة العراقية لإبرام الاتفاق مع تركيا ليس بدافع ملف المياه او لأسباب اقتصادية فحسب، بل لدواعي استراتيجية وأمنية وجيوسياسية، منها على سبيل الاهمية:
-
تتعرض البلاد الى ازمة نقص في المياه وما للأمر من تأثير كبير على حياة الفرد والمجتمع ومختلف القطاعات الزراعية والصناعية والاقتصادية، ويتيح الاتفاق ضخ الحصة المائية للعراق من السدود التركية وتخصيص حصص مائية للعراق أكثر وضوحاً، كما ان الاتفاق يعمل على ضمان تطبيق مذكرة التعاون المائي الموقعة في 2024، مما يساهم في معالجة ازمة شحة المياه في العراق. اذ وصف وزير الخارجية العراقي الاتفاق بين العراق وتركيا بأنه: “أول تعاون من نوعه في مجال إدارة المياه”.
-
رغبة الحكومة العراقية بتحقيق منجز لها تسجله في ظل خوض الانتخابات البرلمانية يوم 11 تشرين الثاني. اذ يمنح هذا الاتفاق رئيس الوزراء دفعة سياسية مقابل تذمر شعبي بسبب موجة الجفاف وازمة المياه.
-
تسعى الحكومة العراقية الى تقليص وجود وتأثير حزب العمال الكردستاني في شمال العراق، والاتفاق يتضمن انشاء وتعزيز التنسيق الأمني المشترك بين الدولتين من اجل منع خروج اي منطقة عن سيطرة الدولة.
-
تهدف الحكومة العراقية الى معالجة ازمة الطاقة الكهربائية من خلال الربط الكهربائي وزيادة توريد الكهرباء من تركيا، والاستفادة من السدود التي تم الاتفاق على بنائها في توليد الطاقة الكهربائية.
-
يهدف العراق الى تطوير علاقاته الاقليمية ولاسيما مع دول الجوار وبخاصة تركيا في ظل ما تشهده منطقة “الشرق الاوسط” من احداث عصفت بها وبخاصة بعد عملية طوفان الاقصى 2023، وما آلت اليه الاحداث التي تشير الى ان المنطقة تخضع لتحولات كبيرة ومعقدة لا بد من استعداد العراق للتعامل معها بالشكل الذي يضمن تحقيق مصالحه الوطنية.

اما بالنسبة لتركيا فهي تستغل ورقة المياه في تعاملها مع العراق لتحقيق العديد من الاهداف والدوافع التي يمكن ايجازها اهما:
-
ان تعزيز تركيا لعلاقاتها السياسية والاقتصادية والتعاون المائي مع العراق يساهم في تطوير العلاقات بين الدولتين، ويعالج مشكلة التدخل العسكري التركي احادي الجانب في شمال العراق لمواجهة عناصر حزب العمال، ويمنح فرصة للعمل المشترك من اجل حل ملف تواجد الحزب في العراق.
-
تسعى تركيا الى تعزيز امنها القومي من خلال استثمار اي تطور للعلاقات مع العراق من اجل معالجة وجود عناصر ومقرات حزب العمال الكردستاني على الاراضي العراقية والعمل على ازالة هذا الوجود من داخل العراق.
-
تطوير العلاقات الاقتصادية مع العراق، وان تكون تركيا الممر الرئيس للتجارة ونقل البضائع والطاقة من العراق نحو أوروبا.
-
تسعى تركيا الى ايجاد فرص استثمارية كبيرة لشركاتها في العراق التي ستعمل في البنى التحتية والسدود ومخازن المياه وادارتها وحوكمتها، وهذه الشركات لها ارتباط وثيق في تقوية الاقتصاد التركي.
-
تهدف تركيا الى توسيع تأثيرها في الساحة العراقية في محاولة لمنافسة اي نفوذ لإيران او الدول الخليجية في العراق.
-
رغبة تركيا بتحقيق تعاون استراتيجي مع الحكومة العراقية الاتحادية وعدم الاقتصار على العلاقات مع حكومة اقليم كردستان ولاسيما في المجال الاقتصادي.
-
تجد تركيا بورقة المياه اداة دبلوماسية تهدف من استخدامها تحقيق نفوذ على صناع القرار في الحكومة العراقية، وتظهر تركيا على انها جزء من حل ازمة المياه في العراق.
-
تهدف تركيا الى زيادة التبادل التجاري مع العراق الى ما لا يقل عن 30 مليار دولار، وذلك باستخدامها لورقة المياه مع العراق من اجل تحقيق هذا الهدف.
تحديات متعددة
في ظل تعقيدات المشهد الداخلي للعراق او حتى الاقليمي وكذلك طبيعة تعامل تركيا وادارتها لملف المياه مع العراق وسوريا، فإن مسألة تنفيذ وتحقيق اهداف الاتفاقية الاطارية للتعاون في مجال المياه بين العراق وتركيا لعام 2024 والاتفاق العراقي التركي حول آلية تنفيذ وتمويل المشاريع التعاون المائي لعام 2025، تواجه تحديات عدة ترسم المشهد المستقبلي للاتفاق، او قد تؤدي الى ابطاء تنفيذه او اعاقته بشكل جزئي او كل واستمرار الحال المائي للعراق كما هو، ولعل اهم هذه التحديات:
-
عدم وجود اطار قانوني ملزم ونهائي متفق عليه بين الطرفين يحدد الحصة المائية للعراق التي يجب اطلاقها من قبل تركيا لنهري دجلة والفرات.
-
تواجه اتفاقات العراق مع تركيا الرفض من قبل بعض القوى السياسية والفصائل المسلحة التي اعلنت رفضها لعقد الاتفاقات الخاصة “بمشروع طريق التنمية” والتعاون المائي، وانتقدت هذه الاتفاقيات وعدتها طريقة لجعل العراق تابعاً لتركيا. الامر الذي قد يتجسد على شكل ضغط سياسي وردود فعل او حتى تصعيد برلماني للتراجع عن هذه الاتفاقيات.
-
ان مسألة “تخصيص إيرادات نفطية” من اجل ابرام عقود مع شركات أجنبية (الشركات التركية) تثير العديد من التساؤلات القانونية والدستورية وإجرائية في الساحة العراقية، فضلاً عن تحديات ومخاطر الفساد وعدم الشفافية.
-
ان ربط تمويل مشاريع البنية التحتية التي تخص ادارة المياه في العراق بالواردات النفطية المباعة للشركات التركية، ينشأ عنه عراقيل تتمثل بالاعتماد على مورد واحد (النفط) لهذا التمويل، الحال الذي يجعها عرضة للمخاطر السعرية وتقلبات اسواق النفط العالمية.
-
لازالت تركيا تعد نهري دجلة والفرات نهراً واحداً عابراً للحدود، وليسا “أنهار دولية”، بينما في الواقع هما نهران دوليان مشتركان وفقاً لمنظور العراق وطبقاً لمواصفات مختلف المواثيق والاتفاقيات الدولية الخاصة بمياه الانهار.
-
لازال ملف حزب العمال الكردستاني وتواجده في العراق لم يحسم بعد بين العراق وتركيا، الامر الذي يجعله عقبة امام تنفيذ بنود اتفاقية التعاون المائي بين الدولتين، وبخاصة في ظل وجود عناصر الحزب في مناطق معينة لا تفرض الحكومة العراقية سيطرتها عليها بشكل كامل.
-
لا يقتصر الامر على الاوضاع الداخلية للعراق بل ان القوى والوضع الاقليمي له تأثيره ايضاً على ما يعقده من اتفاقات وتفاهمات، وان تعزيز الروابط والعلاقات بين العراق وتركيا قد يُحتسب بمثابة ضغط على اطراف اخرى، الامر الذي يحول العراق الى ساحة للتنافس والصراع النفوذ بين القوى الاقليمية والعربية ايضاً.
الخاتمة
يمكن القول ان الاتفاق العراقي التركي التي تم عقده في 2 تشرين الثاني 2025 وصدر عنه “وثيقة آلية تمويل المشاريع بموجب اتفاقية إطارية للتعاون المائي”، يشكل فرصة عملية تساهم في معالجة أزمة شح المياه المزمنة في العراق مثلما يساهم في صياغة العلاقات العراقية التركية وفقاً لقاعدة التعاون الاقتصادي والأمني. وللاتفاق الكثير من الاهمية ويمثل خطوة معتبرة تلبي للعراق قدر من حاجته للمياه وادارته وتزيد من الاطلاقات المائية التي تحتاجها البلاد، ومن الممكن ان تؤدي الشركات التركية دوراً محورياً في مشاريع ادارة المياه واستصلاح الاراضي الزراعية في ظل امكانية عدم تعرضها للفساد في ظل الرقابة المشتركة للدولتين.
ولكن مع كل ذلك فإن العراق سبق وان عقد مع تركيا العديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين وبخاصة في مجال المياه ومنها اتفاقية عام 2014 التي دخلت حيز التنفيذ عام 2021، ونظراً لكثرة التحديات والمعوقات بقيت العديد من بنودها رهينة الوثائق الرسمية ولم تتجسد على ارض الوقائع، وليس هذا الاتفاق ببعيد عما يمكن ان يواجهه من تحديات لتنفيذه مستقبلاً في ظل التناحرات الداخلية والصراع الاقليمي المتفاقم وسعي دول الجوار الى الاستئثار بالتجارة والاستثمار في العراق.
وفي الوقت ذاته يتطلب امر انجاح الاتفاق العراقي التركي ان يتم توفير كل المتطلبات اللازمة لتنفيذه وتأطير آلياته بشفافية مع امكانية تأسيس مجلس رقابي مستقل يضم مختلف الجهات والمؤسسات المعنية يتولى الاشراف على عمل الشركات في المشاريع المتفق عليه، وان يعتمد العراق سياسيات تنويع التمويل من دون الاعتماد على مورد واحد (النفط) من اجل تجنب مخاطر سوق النفط، والاستفادة من الاتفاق كطريقة مناسبة في مجال الاستصلاح المؤسسي لمشاريع المياه (الحوكمة والادارة).



