الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
طريقة ترامب في الحرب.. إيران وفنزويلا ونهاية مذهب باول

بقلم: ريتشارد فونتين
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
عندما بدأت القنابل تتساقط على إيران في عطلة نهاية الأسبوع فوجئ معظم الأمريكيين كما فوجئ باقي العالم، فقد كانت القوة العسكرية الأمريكية في “الشرق الأوسط” تتعزز خلال الأسابيع السابقة إلا أن المفاوضات بين واشنطن وطهران كانت لا تزال جارية، وحتى مع استعداد الجيش الأمريكي للهجوم ظلّت إدارة ترامب غامضة بشأن الهدف الدقيق للعملية. لم يجر أي نقاش وطني يذكر ولا أي حوار جاد مع الحلفاء الأمريكيين ولم يُجر تصويت في الكونغرس حول مدى جدوى النزاع، وبعد يومين على اندلاع الحرب لم يوضح المسؤولون في الإدارة أي رؤية محددة حول كيفية إنهائها بدلاً من استخدام القوة الحاسمة يعطي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أولوية للمرونة، ويعكس هذا الموقف طريقة جديدة للحرب- تتضح في عدة تدخلات لترامب من البحر الأحمر إلى فنزويلا- تتقلب على الفكر التقليدي في استخدام القوة.

في الواقع يُعد استخدام ترامب للقوة في كثير من النواحي مضادًا لمذهب (بأول)، فقد طور الجنرال كولين باول الذي شغل لاحقًا منصب وزير الخارجية هذا المذهب خلال حرب الخليج (1990–1991) حيث شدد على أن استخدام القوة يجب أن يكون الملاذ الأخير بعد استنفاد جميع الوسائل السلمية، وإذا كانت الحرب ضرورية فينبغي أن تُخاض لتحقيق هدف واضح مع خطة خروج محددة ودعم شعبي. ويجب أن تُستخدم القوة الساحقة والحاسمة لهزيمة العدو مستعينة بكافة الموارد المتاحة- العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وقد استمدت هذه المبادئ من دروس الحرب في فيتنام وصُمم هذا النهج لتجنب النزاعات المستمرة والخسائر البشرية الكبيرة والأعباء المالية والانقسامات الداخلية، كما كتب (بأول) لاحقًا لا يمكن للقادة العسكريين أن “يوافقوا بهدوء على حروب نصف قلبية لأسباب ضعيفة لا يفهمها الشعب الأمريكي أو يدعمها”.
نهج باول المبني على معايير وضعها وزير الدفاع كاسبر وينبرغر في الثمانينيات أثار جدلًا منذ البداية، فقد رأى بعض النقاد أن النهج الشامل “كل شيء أو لا شيء” قد يمنع استخدام القوة بطريقة محددة لتحقيق أهداف متواضعة لكنها مهمة، أما مؤيدو المذهب فاعتبروا ذلك جوهره ورأوا أن التدخلات المستمرة مثل تلك التي قامت بها إدارة كلينتون في الصومال وهايتي ويوغوسلافيا السابقة كانت إساءة استخدام القوة العسكرية قد تؤدي إلى الفشل أو المأزق.
وكان الغزو الأمريكي لأفغانستان في 2001 والعراق في 2003 من أبرز اختبارات هذا المذهب، حاولت إدارة جورج بوش الابن تطبيق مذهب باول في كلا الحالتين فقد أعلنت الحرب فقط بعد أن تجاهلت طالبان وزعماء العراق على التوالي المطالب الأمريكية وبعد أن بذل الرئيس قدرًا كبيرًا من رأس المال السياسي لإقناع الأمريكيين بصواب قرار الحرب، وكانت أهداف الإدارة المعلنة واضحة القضاء على الملاذ الآمن الذي توفره الحكومة الأفغانية لتنظيم القاعدة والتخلص من أسلحة الدمار الشامل في العراق، كما طلبت الإدارة وحصلت على تفويض من الكونغرس في كلتا الحالتين. في أفغانستان دمجت القوات الأمريكية وجودًا محدودًا على الأرض مع هجمات جوية مدمرة ودعم مقاتلي التحالف الشمالي الذين دخلوا كابول وأطاحوا بطالبان، أما في العراق فقد شنت قوات أمريكية مكونة من 160,000 جندي غزوًا بريًا لإسقاط النظام، وفي كلتا الحالتين كانت خطة الخروج المخططة تقوم على تسليم مؤسسات الحكم للمنفيين والقادة المحليين وقوات الأمن المحلية، على أن تعود القوات الأمريكية بعد ذلك إلى ديارها. غير أن الأمور لم تسر كما هو مخطط في أي من الحالتين، فقد أدى محاولة تجنب النزاعات الطويلة إلى اندلاعها على أي حال، وكانت الحروب مكلفة للغاية ومثيرة للانقسامات كما بدت أهدافها تتحول مع مرور الوقت سواء جاءت مشاكل التدخلات من سوء تطبيق مذهب باول أو من فهم خاطئ للنهج نفسه، فقد ألقى ظل الفشل في أفغانستان والعراق على كل التدخلات العسكرية الأمريكية خلال العقدين الماضيين بما في ذلك الحرب القائمة حاليًا في إيران.
وفي محاولة لتجنب تكرار هذه الكوارث اتبعت إدارة ترامب شيئًا يشبه عكس مذهب بأول، ورغم أن هذا النهج الجديد يحمل تحديات كبيرة، فقد أسفر أيضًا عن نتائج غير متوقعة- ويبدو أنه أصبح حاضرًا للبقاء مستقبلاً.
القوة الجديدة
بدأت ملامح هذا النهج الجديد في استخدام القوة تتشكل خلال الولاية الأولى للرئيس دونالد ترامب وتثبّتت في ولايته الثانية، ففي عامي 2017 و2018 أصدر ترامب أوامر بشن ضربات صاروخية ضد نظام بشار الأسد في سوريا واستمرت العمليات العسكرية الأمريكية في العراق وسوريا ضد تنظيم الدولة الإسلامية (د1عش الارهابي) بما في ذلك العملية التي أدت إلى مقتل زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، وفي عام 2020 أسفرت العمليات الأمريكية عن مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني. كما شن ترامب العام الماضي حربًا ضد الحوثــ ــيين في اليمن ودمر مواقع نووية إيرانية رئيسية وهاجم مسلحين في شمال نيجيريا، هذا العام نفّذت إدارته غزوًا لفنزويلا بهدف القبض على رئيسها نيكولاس مادورو، وقبل يومين أطلقت عملية عسكرية واسعة النطاق في إيران.
تتميز هذه العمليات بخروجها الواضح عن طرق استخدام القوة التقليدية، فمذهب باول يرى أن الحرب يجب أن تكون الملاذ الأخير تُلجأ إليها بعد فشل كل الوسائل السياسية والدبلوماسية والاقتصادية لتحقيق الهدف المرجو، ففي عام 1990 منح الرئيس جورج بوش صدام حسين مهلة لسحب قواته من الكويت وبعد عقد من الزمن منح الرئيس جورج دبليو. بوش كلًا من صدام حسين وطالبان إنذارات عامة قبل بدء الأعمال العدائية.
في المقابل اعتمد ترامب على الغموض كأداة استراتيجية لمفاجئة الخصوم كما ظهر في الهجمات الأمريكية على إيران في 2025 و2026 أثناء استمرار المفاوضات، لم تصدر الإدارة أي إنذارات عامة لكل من سليماني أو (مادورو) وبالنسبة لترامب، القوة ليست أداة تُستخدم فقط بعد استنفاد جميع الوسائل الأخرى، بل هي واحدة من عدة أدوات لزيادة النفوذ وتعظيم عنصر المفاجأة وتحقيق النتائج المرجوة.
عنصر آخر من مذهب باول يبدو أن ترامب تجاوزه وهو أهمية الدعم الشعبي، فمذهب باول يعتبر احتجاجات حقبة فيتنام نموذجًا يحذر من تكراره حيث يفترض أن أي هدف مهم بما يكفي للقتال من أجله يجب أن يحظى بدعم الشعب، ويستلزم ذلك تقديم الرئيس حججًا مقنعة على مدى شهور مع تصويت الكونغرس لتفويض استخدام القوة بعد نقاش مطول. غير أن أي صراع خلال رئاسة ترامب لم يسبقه حملة لكسب الدعم الشعبي ولم يصوت الكونغرس على أي منها بدأت جميع النزاعات فجأة واتخذت مسارًا غير متوقع وبدلاً من تقديم الحجج غالبًا ما أصر الرئيس على أنه يأمل في تجنب الحرب، وضعت إدارته الأولوية للمفاجأة كما هو الحال في تعزيز القوة العسكرية في الكاريبي الذي قيل إنه يهدف إلى وقف زوارق المخدرات وليس للتحضير لعملية تغيير نظام في فنزويلا، وتم تهميش الكونغرس بشكل شبه كامل.

اليوم تواجه إيران عملية تغيير نظام أكثر طموحًا ومع ذلك خلال خطاب حالة الاتحاد الأسبوع الماضي، الذي استمر ما يقارب الساعتين اقتصر حديث ترامب عن الأمر على بضع جمل فقط، ويبرز تجاهل الإدارة للنقاش العام كأمر لافت نظرًا لحجم الحرب ومخاطرها. كما تجنبت الإدارة تحديد أهداف واضحة لاستخدام القوة، ففي إعلان بدء الحرب مع إيران قال ترامب إن الهدف هو “حماية الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات المباشرة من النظام الإيراني” رغم أن طهران لم تكن تخصب اليورانيوم ولا تمتلك صواريخ قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة، وفي اليوم التالي كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أن القصف يهدف إلى تحقيق “هدفنا المتمثل في السلام في “الشرق الأوسط” وفي العالم بأسره”، وقد ذكر في أوقات أخرى أن الهدف هو تغيير النظام الإيراني بينما أشار أيضًا إلى رغبته في التفاوض مع القيادة التي ستخلف المرشد الأعلى. وبالمثل قال ترامب في البداية إن الضغط على فنزويلا كان لمنع دخول المخدرات والعصابات إلى الولايات المتحدة ثم أوضح لاحقًا أن الهدف هو محاسبة مادورو، واستعادة النفط المسروق من الولايات المتحدة وأن العملية تتماشى مع مبرر جديد لمذهب مونرو، وما الذي يقاتل الأمريكيون من أجله تحديدًا وكيفية قياس نجاحهم لا يزال غامضًا.
بينما يركز مذهب باول على الوضوح والهدف المحدد يقدّر ترامب المرونة فبتحديد أهداف متعددة وغالبًا غامضة يحتفظ الرئيس بالقدرة على إنهاء القتال دون الاعتراف بالهزيمة وهذه هي استراتيجيته للخروج من النزاع، وعند الإعلان عن الهجمات على انصار الله الحوثــ ــيين صرح ترامب “سنستخدم القوة الفتاكة الساحقة حتى نحقق هدفنا” الذي كان مزعومًا إنه إنهاء هجمات انصار الله الحوثــ ـــيين على السفن الأمريكية في البحر الأحمر، وقال لاحقًا إن انصار الله الحوثــ ــيين “سيتم القضاء عليهم تمامًا”، ومع ذلك وبعد شهر من حملة قصف مكلفة وناجحة جزئيًا أبرمت الإدارة صفقة مع انصار الله الحوثيين لإنهاء هجماتهم.
ينص مبدأ باول على استخدام القوة الساحقة والحاسمة لتحقيق الهدف لهزيمة العدو بسرعة وكفاءة، بينما يفضل نهج ترامب العمليات العسكرية القصيرة والمركزة باستخدام أنواع محددة من القوة خصوصًا القوات الجوية والقوات الخاصة مع استثناء شبه كامل للقوات البرية التقليدية، فإذا كانت تكلفة تغيير النظام في إيران هي نشر واسع للقوات البرية فقد أوضح ترامب من خلال أفعاله السابقة أن الولايات المتحدة لن تتحملها، وستكتفي بإنجاز أقل من ذلك.
باستثناء هجماته ضد د1عش استخدمت إدارة ترامب في معظم حروبها قوة محدودة بدلًا من قوة حاسمة، ففي 2017 شنت الولايات المتحدة ضربات في سوريا ردًا على استخدام الأسد للأسلحة الكيميائية ضد المدنيين لكن قيادته ظلت صامدة واستخدم الأسلحة الكيميائية مجددًا في 2018، وفي 2025 تفاخر ترامب بتدمير المواقع النووية الإيرانية لكن في 2026 أشار إلى خطر امتلاك طهران للسلاح النووي كسبب للحرب، ومادورو غادر فنزويلا لكن نظامه لا يزال قائمًا، في جميع هذه الحالات كانت المرونة بدلًا من الحسم هي المبدأ الأساسي مما سمح لترامب بالرضا بنتائج لم تُحدد بوضوح منذ البداية.
مبدأ “جيد بما فيه الكفاية”؟
من جهة يمكن القول إن ردّ ترامب على مذهب باول قد أثبت في بعض الحالات فاعلية عملية أفضل من التطبيق الصارم للمذهب الأصلي، فالاستخدام المحدود للقوة ضد جماعة الحوثي في اليمن ثم التوصل إلى اتفاق ثنائي أثمرت نتيجة أفضل من تجاهل الهجمات المتكررة على الملاحة الأمريكية في البحر الأحمر كما أنه كان أكثر فعالية من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها كما فعلت السعودية والإمارات العربية المتحدة لسنوات طويلة، وحتى في حالة فنزويلا لا يزال من الممكن أن تشهد البلاد انتقالًا ديمقراطيًا وتتجنّب الانهيار الكامل داخلياً رغم أن هذا الاحتمال لم يتحقق بعد. وقد يُنظر إلى استخدام القوة بشكل قصير ومركز مع الحفاظ على المرونة في اتخاذ القرار، واستثمار عنصر المفاجأة وتقليل مخاطر الانزلاق إلى مستنقعات حروب طويلة، وتحقيق نتائج “جيدة بما يكفي” كاستراتيجية مناسبة في العديد من الحالات.
غير أن هذا النهج ليس بالضرورة الأفضل في جميع السيناريوهات وقد تتضح حدود طريقة ترامب في الحرب قريبًا، فالهجوم على إيران يمثل أكثر مغامرات ترامب طموحًا في السياسة الخارجية حتى الآن، ففرض تغيير نظام في بلد أكبر حجمًا وأكثر عددًا من السكان من العراق أو أفغانستان عبر عملية لا تشمل قوات برية ولا تحظى بدعم واضح من داخل إيران وفي مواجهة جهاز أمني متجذر سيكون تحديًا هائلًا، إن نطاق السيناريوهات الكارثية- من ديكتاتورية عسكرية يقودها الحرس الثوري الإيراني إلى انزلاق البلاد نحو الفوضى الداخلية- أوسع بكثير من خيار نشوء انتفاضة ديمقراطية ناجحة.
وفي هذا السياق قد تُظهر سياسة المرونة والغموض للرئيس طريقًا للمضي قدمًا، فإذا فشلت الولايات المتحدة و”إسرائيل”** في الإطاحة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية أو تكبّدت القوات الأمريكية خسائر كبيرة أو تعب الرأي العام الأمريكي من الصراع أو بدا البديل عن استمرار النظام أسوأ فقد يختار ترامب إنهاء القتال، ومن خلال الدعاية بأن الهدف منذ البداية كان مجرد إضعاف إيران ومنعها من الحصول على سلاح نووي يمكن للرئيس أن يعلن النصر ويعتبر المهمة قد اكتملت حتى لو لم يتحقق تغيير النظام بالكامل. وبذلك يكون ترامب قد قلب مبدأ آخر من مبادئ بأول قاعدة متجر الفخار (Pottery Barn rule) التي تنص على أنه “إذا كسرته، فأنت مسؤول عن إصلاحه”، في حالة إيران بدا ترامب يلمح منذ البداية إلى أن الولايات المتحدة لن تتحمل مسؤولية ما بعد الانهيار، فإذا انهار النظام الإيراني سيتعين على الشعب الإيراني نفسه تقطيع أوصال الأزمة وإعادة البناء، وإذا استمر النظام في البقاء فستُعلن الولايات المتحدة انتهاء العملية وتتجه إلى أولويات أخرى.
ومع ذلك يُظهر هذا السيناريو حدود نهج ترامب فهو لا يمهد بالضرورة الطريق إلى سلام طويل الأمد، بل غالبًا ما يؤجّل الصراع إلى يوم آخر، مع مخاطر استمرار التوتر وعدم استقرار الأوضاع على المدى البعيد.
* Richard Fontaine, Trump’s Way of War Iran Venezuela and the End of the Powell Doctrine, FOREIGN AFFAIRS, March 2, 2026.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة “إسرائيل”، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



