الاكثر قراءةتقدير موقفغير مصنف

التنافس الاستراتيجي في أرض الصومال وانعكاساته على أمن “الشرق الأوسط” والقرن الأفريقي

بقلم: حسن فاضل سليم

باحث في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تمثل منطقة القرن الافريقي من المناطق التي تشهد تنافساً حاداً منذ مدة طويلة نتيجة لتصادم مصالح قوى عديدة في هذه المنطقة نتيجة لموقعها الحيوي وقد تزايدت أهميتها تصاعد دور انصار الله في اليمن بعملية اغلاق البحر الأحمر لذلك قامت “إسرائيل” بالاعتراف بإقليم ارض الصومال في أواخر عام 2025 وذلك في خطوة زادت بها من نفوذها الاستراتيجي في المنطقة ولتواجه الجيش اليمني من الضفة الأخرى، تحاول هذه المقالة قراءة  التنافس الاستراتيجي في هذه المنطقة وانعكاساتها على امن القرن الافريقي و”الشرق الأوسط” لاسيما بوجود اطراف فاعلة عديدة فيها مثل السعودية والامارات وتركيا ومصر.

 

أولاً: محور تغيير الوضع الراهن (“الإسرائيلي”- الاماراتي- الاثيوبي)

هذا المحور يدور حول السيطرة البحرية على الموانئ لاسيما ميناء بربرة الصومالي في إقليم ارض الصومال والذي يعد من الموانئ ذات الأهمية الاستراتيجية في القرن الافريقي لاسيما مع اطلالته المباشرة على مضيق باب المندب وهو ما دفع “إسرائيل” للاعتراف بإقليم ارض الصومال وإقامة علاقات استراتيجية مع الإقليم ضمن استراتيجيتها التقليدية في التحالف مع الأقليات والاقاليم الانفصالية في “الشرق الأوسط”، حيث تسعى “إسرائيل” من وراء ذلك للحصول على قاعدة عسكرية بحرية في ميناء بربرة لتكون بمواجهة الجيش اليمني عن قرب الذي يتحرك في ميناء الحديدة على الضفة الأخرى، بهدف الحد من نشاط الجيش اليمني في اغلاق مضيق باب المندب، في مقابل ذلك منحت “إسرائيل” اعترافا بالاقليم الانفصالي الصومالي وعلاقات استراتيجية تقوم على استثمارات مكثفة وقد تشمل تدريب جيش للإقليم ودعمه للحصول على الاعتراف الدولي، حيث ستعمل “إسرائيل” على توظيف هذه العلاقة لتعزيز مكانتها في البحر الأحمر والسيطرة على طرق التجارة، كما انه موقع مهم يخدم “إسرائيل” في أي مواجهة واسعة في المنطقة ضد ايران وحلفاءها ولاسيما اليمنيين منهم.

اما الامارات فهي تستثمر في الموانئ البعيدة ضمن استراتيجية السيطرة على الموانئ البحرية حيث تستثمر في موانئ مختلفة على طول البحر الأحمر والمحيط الهندي وتسيطر على أخرى عبر وكلاء لها كما في ميناء عدن في اليمن الذي يسيطر عليه المجلس الانتقالي الجنوبي، وقد تمكنت الامارات من بناء حزام من النفوذ البحري على الموانئ ضمن منطقة المحيط الهندي والبحر الأحمر ولاسيما على امتداد البحر الأحمر من مناطق القرن الافريقي ومضيق باب المندب وصولا الى قناة السويس حيث تستثمر في موانئ عين السخنة في مصر.

تهدف الامارات من هذه الاستثمارات بناء بدائل استراتيجية عن مضيق هرمز لاسيما في حال حصل حرب في منطقة الخليج، تضمن لها استمرار سلاسل الامداد وتدفق السلع والنفط من والى الامارات عبر طرق برية وبحرية بديلة، كما تضمن لها ان تكون لاعباً مهماً في التنافس الدولي في المنطقة لاسيما في مواجهة تركيا التي يتصاعد دورها بشكل كبير، ويمثل الاستثمار في ميناء بربرة في منطقة ارض الصومال احد اهم تلك الاستثمارات الإماراتية حيث انفقت الأخيرة حوالي 440 مليون دولار في تطوير وتهيئة الميناء في بربرة ومنطقته الحرة للتجارة، ليشكل منافسا قوياً لميناء جيبوتي ويساعد اثيوبيا الطرف الثالث ضمن المحور ذاته على الوصول الى المياه والحصول على موطئ قدم بحري.

اما بالنسبة لأثيوبيا فهي الطرف الأهم في القرن الافريقي حيث كونها تعد جزءً من المنطقة وقوة إقليمية نافذة فيها، والحليف الأبرز لـ “إسرائيل” في القرن الافريقي، ولعل أهميتها  الأساسية تكمن في تحكمها بمنابع نهر النيل ومجراه والذي يجعلها طرفاً مؤثراً في الضغط على مصر، لذلك كانت “إسرائيل” من ابرز الداعمين لمشروع سد النهضة في اثيوبيا في سبيل الضغط على مصر على الرغم من السلام بينها وبين مصر.

بالتالي فانفتاح اثيوبيا ووصولها الى البحر الأحمر عبر ميناء بربرة في ارض الصومال سيمكنها من لعب دور مؤثر اقتصاديا وعسكريا، لاسيما وان اثيوبيا كانت من ابرز الدول التي تدخلت في الحرب الاهلية الصومالية، وكانت الداعم الأبرز لارض الصومال لكي تنال وضعاً ذاتياً مستقلاً عن مقديشو، بالتالي فان وجود اثيوبيا الى “إسرائيل” كقوة عسكرية إقليمية يمكن ان يؤدي الى تشكل قوة إقليمية ضاغطة على دول “الشرق الأوسط”، لاسيما وان مساعي “إسرائيل” لاقامة قاعدة عسكرية في ارض الصومال قد تنسجم مع مساعي اثيوبيا أيضا التي ترى في تلك القاعدة فرصة لمواجهة اريتريا والتاثير في تفاعلات القرن الافريقي، كما ان القاعدة العسكرية في ارض الصومال قد تحتوي قوات مشتركة “إسرائيلية” واثيوبية، حيث يمكن ان يستعين “الإسرائيليين” بالقوات الاثيوبية لتأمين القاعدة برياً فيما قد يعملون على بناء مطار عسكري وقاعدة بحرية تشكل لهم نقطة ارتكاز في عملياتهم ضد اليمن وكذلك في مواجهة التوسع التركي في منطقة القرن الافريقي ومحاولة الحد منه.

 

ميناء بربرة – الصومال

 

ثانياً: محور الحفاظ على الوضع الراهن (السعودي- المصري- التركي)

هذا المحور قد تشكل نتيجة التطورات الأخيرة في المنطقة لاسيما بعد قيام “إسرائيل” بالتدخل في سوريا ومزاحمة النفوذ التركي فيها واعلانها في اكثر من مناسبة ان تركيا هي العدو القادم بعد ايران وانها تسعى لاقامة ما يعرف  بــ”إسرائيل الكبرى” التي تمتد من النيل الى الفرات، واخرها كان إعلانها الاعتراف بإقليم ارض الصومال كدولة مستقلة، كل ذلك دفع السعودية ومصر وتركيا للشعور بالقلق من الطموحات “الإسرائيلية” وادراكهم لضرورة التعاون في مواجهة النفوذ المتنامي لــ”إسرائيل” في المنطقة والذي يهدد الامن القومي للدول الثلاث.

فالسعودية ترى ان القرن الافريقي يمثل امتداداً لأمنها القومي وتتلخص مصالحها في تعزيز الامن البحري وامن الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن وهو امر أساس ضمن رؤية 2030 مثل مشروع نيوم والسياحة الساحلية، كما وقعت السعودية اتفاقية دفاعية مشتركة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية (حكومة مقديشو) في شباط من العام الجار 2026 لتعزيز الاستقرار ومواجهة النفوذ المتزايد للقوى المنافسة لاسيما النفوذ الاماراتي والنفوذ “الإسرائيلي”.

بالإضافة الى ذلك تسعى الرياض لمنع انفراد الامارات التي باتت تشكل منافساً للسعودية على القيادة الإقليمية في النفوذ بارض الصومال، لاسيما بعد الاعتراف “الإسرائيلي” وتشكل محور “إسرائيل”- الامارات- اثيوبيا. بالتالي قررت السعودية ان تقود تحالفا مع تركيا ومصر لدعم وحدة الصومال وتعزيز القدرات العسكرية والسياسية للحكومة المركزية في مقديشو ومحاولة منع الاعتراف الدولي بالاقليم الانفصالي في الصومال.

 

كما تخطط السعودية لاستثمارات بمليارات الدولارات في الموانئ المنافسة لميناء بربرة، لاسيما في ميناء عصب باريتريا وموانئ جيبوتي للحد من توسع النفوذ الاماراتي و”الإسرائيلي” في المنطقة.

 

اما بالنسبة لمصر فيشكل وصول اثيوبيا الى ميناء بربرة هاجساً امنياً لها لان اثيوبيا قد تعمل على انشاء قاعدة عسكرية بحرية على سواحل البحر الأحمر، مما يجعل اثيوبيا دولة متشاطئة ذات اطلالة بحرية ويمكنها من ممارسة نفوذها في البحر الأحمر الذي كان ومازال منطقة نفوذ عربية مصرية خالصة على سواحله، وهو ما يقلق مصر بشكل كبير حيث قد تستخدم اثيوبيا وجودها البحري عبر ميناء بربرة للضغط على مصر في القضايا الخلافية لاسيما قضية سد النهضة حيث قد تعمل على مضايقة السفن المصرية في البحر الأحمر، عبر تفتيش بعضها وكذلك جمع المعلومات الاستخبارية عن المصالح المصرية في المنطقة، فامتلاك اثيوبيا قاعدة بحرية مشتركة مع “إسرائيل” في ميناء بربرة سيمكنها من الاستفادة من التكنولوجيا “الإسرائيلية” في مراقبة السفن المصرية وجمع المعلومات عن المواد المحمولة فيها والتي قد تضم شحنات أسلحة ومعدات لوجستية للجيش المصري، فضلا عن معرفة تحركات القطع البحرية المصرية والغواصات المصرية ما يقلل من هامش المناورة للجيش المصري في مياهه الحيوية.

من اجل ذلك كله تعمل مصر في تحالف مع السعودية وتركيا على دعم وحدة الصومال، وهو ما دفعها لارسال أسلحة وبرامج تدريب للجيش الصومالي وتقديم كافة اشكال الدعم العسكري للحكومة المركزية في مقديشو لتثبيت سيادتها على جميع الأراضي الصومالية، كما انها ونتيجة للاعتراف “الإسرائيلي” بارض الصومال عقدت مع كل من السعودية وتركيا والصومال لدعم الحكومة المركزية في مقديشو وعملت على ارسال طائرات مقاتلة ومنظومات دفاع جوي الى مقديشو للحد من قدرة التموضع الاثيوبي في ارض الصومال على تهديد المصالح الحيوية لمصر في المنطقة، بالتالي تدعم مصر الصومال ليبقى موحداً منعاً لاي نفوذ اثيوبي او “إسرائيلي” فيه.

اما تركيا فان لها مصالح اقتصادية وعسكرية في الصومال ففي اطار استراتيجيتها لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي تعمل تركيا على الانتشار في نقاط الاختناق الاستراتيجية التي تمكنها من التأثير في التجارة والسيطرة البحرية، وقد انشات اكبر قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها في الصومال كما عقدت اتفاقية اطارية شاملة للتعاون الدفاعي والاقتصادي في شباط 2024 مدتها 10 سنوات تهدف الى حماية المياه الإقليمية الصومالية ومنح حقوق لتركيا بالبحث والتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية الصومالية، في المقابل تعمل تركيا على تدريب القوات البحرية الصومالية وقوات الجيش الصومالي، وقد أدت خطوة الاعتراف “الإسرائيلية” بارض الصومال الى مسارعة تركيا لتعزيز قواتها في الصومال عبر ارسال قوة مهام برية وجوية وبحرية  كما أرسلت دبابات جديدة الى الجيش الصومالي في رسالة قوة الى “إسرائيل” التي تسعى لنشر قوات بحرية وبرية وجوية لها في المنطقة وبالتعاون مع اثيوبيا، وكخطوة استباقية للرد على التحركات “الإسرائيلية”، لاسيما وان “إسرائيل” أصبحت تدرج تركيا في عقيدتها الأمنية كعدو محتمل بديل عن ايران واكثر خطرا منها، ما يعني ان المواجهة بين الطرفين ستكون مفتوحة في مناطق  عدة ولن تقتصر مجالاتهما الحيوية.

 

 

ثالثاً: انعكاسات تنافس المحاور على امن “الشرق الأوسط” والقرن الافريقي

ان التنافس الاستراتيجي بين المحور السعودي- المصري- التركي  والمحور  “الإسرائيلي”- الاماراتي- الاثيوبي لن يقتصر على منطقة القرن الافريقي فحسب بل سوف يمتد الى “الشرق الأوسط” لاسيما في ظل تعارض المصالح بين اطراف المحورين، فالسعودية والامارات قد دخلتا بالفعل في تنافس محموم نحو القيادة الإقليمية، فالسعودية ترى ان دول الخليج يجب ان تبقى تحت المظلة السعودية بوصفها “الأخ الأكبر” اما الامارات التي تضخم دورها الاقتصادي خلال العقدين الماضيين فقد باتت تشعر ان الدور المحدود الذي تملكه لم يعد مناسبا لها لذلك بدأت بالتحرك لتوسيع مجالات نفوذها الحيوية، حتى لو كان ذلك على حساب الاصطدام بالمصالح السعودية، في وقت تخطط فيه الأخيرة لمشروع رؤية 2030 الذي يحولها لقوة قائدة على المستوى الإقليمي في المجالات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، وهو امر انعكس على زيادة حدة التوتر بين البلدين، لاسيما ان الخطوات الإماراتية باتت تتعارض في مناطق عدة مع المصالح السعودية سواء في اليمن والصومال والسودان وغيرها، وتستند الامارات في موقفها المعارض هذا على الدعم المقدم لها امريكياً و”إسرائيليا” كونها قد دخلت في اتفاقات التطبيع وباتت تملك تحالفاً استراتيجياً مع “إسرائيل”، بينما مازالت السعودية مترددة في التطبيع بفعل المخاوف الأمنية المتعلقة بالطموحات “الإسرائيلية” للتوسع داخل الأراضي السعودية وكذلك بفعل خشيتها من ردة الفعل الشعبية على هذه الخطوة، وقد تأكدت المخاوف السعودية بعد الحرب على غزة وتنامي القدرات “الإسرائيلية” في المنطقة وتصريحات نتنياهو المتكررة المتعلقة بإقامة ما يعرف  بـــ”إسرائيل الكبرى” من النيل الى الفرات والتي تضم في خريطتها المنشورة أجزاء لا يستهان بها من الأراضي السعودية.

اما بالنسبة لتركيا التي ازدادت قوة بعد سقوط نظام الأسد في سوريا فانها باتت تصطدم بالطموحات “الإسرائيلية” في اكثر من منطقة في سوريا وفي افريقيا، فضلا عن تهديد “إسرائيل” لتركيا واعتبارها عدواً جديداً بديلاً عن ايران ما يشير الى احتمال دخول “الشرق الأوسط” في صراع اكبر من الصراع القائم بين محور المقاومة و”إسرائيل” لاسيما وانها سوف تواجه ثلاث قوى إقليمية بدلا من مواجهة قوتين اقليميتين بالإضافة الى فصائل مقاومة في بلدان عدة.

 

الخاتمة

ختاماً يمكن القول ان التنافس الاستراتيجي بين  المحورين في القرن الافريقي وفي ميناء بربرة تحديداً لا ينفصل عن تنافسهما في “الشرق الأوسط” لاسيما مع تنامي القدرات “الإسرائيلية” والقدرات التركية في آن واحد وتزايد مخاوف مصر والسعودية من الطموحات التي أعلنتها “إسرائيل” والتي تهدد اتفاقيات السلام والشراكة بينهما وتهدد كل مشاريع التطبيع التي طرحها ترامب في ولايته الأول، وان تزايد حدة الاستقطاب والتوتر بين المحورين سيؤدي لاشتعال جبهة صراع هجين تمتد بشكل حرف (T) يمتد الحزام الأول على طول البحر الأحمر من القرن الافريقي مروراً بقناة السويس ووصولاً الى الحدود البحرية التركية اليونانية في شرق المتوسط وفيما يمتد الحزام الثاني من سيناء حتى مثلث الحدود العراقية- التركية- الايرانية ما يربط القرن الافريقي و”الشرق الاوسط” في بيئة امنية مركبة واحدة ومتداخلة في فواعلها الاقليمية.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى