الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

هل تمثل إعادة ترسيم الحدود فرصة سياسية؟

إعادة تشكيل الخرائط في اليمن والصومال وغيرها قد تخدم الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة

بقلم: ستيفن أ. كوك

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية

 

شهدت العلاقات الدولية خلال الأسابيع الماضية زخمًا استثنائيًا من التطورات المتسارعة، فمنذ مطلع كانون الأول برزت محاولة انفصال فاشلة وجرى الاعتراف بإقليم انفصالي لم يكن يحظى باعتراف دولي سابقًا كما شهدنا لجوء دولة إلى القوة العسكرية للحيلولة دون تفككها المحتمل، فضلًا عن تلويح دولة أخرى باقتطاع إقليم يتمتع بالحكم الذاتي من دولة مجاورة عبر سياسة الترهيب والضغط.

وبغضّ النظر عن المساعي الواضحة لإدارة ترامب للسيطرة على غرينلاند فإن فشل مشروع انفصال جنوب اليمن واعتراف “إسرائيل”* بإقليم (ارض الصومال) واستخدام أحمد الشرع للقوة لمنع تفكك سوريا، جميعها تطرح سؤالًا محوريًا أمام صناع القرار في الولايات المتحدة هل ينبغي الاستمرار في التعامل مع الحدود التي تكرّست في عالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية وما بعد الحرب الباردة بوصفها خطوطًا مقدسة لا يجوز المساس بها؟ إن ردود فعل المجتمع الدولي إزاء هذه الوقائع توحي بأن الإجابة ما تزال تميل إلى الإيجاب غير أن التصدّع الذي أصاب بنية النظام الدولي يدفع إلى إعادة النظر في مدى صوابية هذا الافتراض على نحو مطلق.

فالخبرة المتراكمة خلال السنوات الأخيرة تشير إلى أن التمسك الصارم برفض النزعات الانفصالية قد لا يكون في جميع الحالات الخيار الأكثر واقعية، صحيح أن القول إن “الموقف يعتمد على السياق” لا يرقى إلى كونه إعلانًا سياسيًا حاسمًا إلا أن المرحلة الانتقالية الراهنة الواقعة بين نظام دولي آخذ في الأفول وآخر لم تتضح ملامحه بعد قد تفرض لحظات يصبح فيها القبول بظهور كيانات سياسية جديدة خيارًا قابلًا للنقاش، ولا ريب أن مثل هذا التوجه يثير إشكاليات أخلاقية وسياسية معقدة غير أن تعقيد السياسة الخارجية كان دومًا سمة ملازمة لها. وفي هذا السياق يبرز التساؤل حول مستقبل اليمن هل من الأنسب الإبقاء على يمن موحّد أم القبول بوجود دولتين؟ ففي أوائل كانون الأول بسطت قوات يقودها عيدروس الزُبيدي- الذي كان يشغل حينها منصبي نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي ورئيس المجلس الانتقالي الجنوبي- سيطرتها على كامل الجنوب اليمني، وقد شكّل هذا التحرك تمهيدًا لإعلان محتمل لاستقلال الجنوب موجّهًا في الوقت ذاته ضربة مزدوجة لكل من جماعة أنصار الله (الحوثــ ـــيين) التي تسيطر على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال غرب البلاد، وللمملكة العربية السعودية التي استثمرت موارد سياسية وعسكرية كبيرة في دعم مجلس القيادة الرئاسي.

غير أن الرياض سارعت إلى إفشال هذا المسار، فعلى مدى الأسابيع اللاحقة أعادت السعودية تنظيم حلفائها داخل اليمن الذين تمكنوا من استعادة المناطق التي خسرُوها وسط تقارير تفيد بإخراج الزُبيدي من البلاد وإن ظل مكان وجوده الحالي غير مؤكد، وفي أوائل كانون الثاني أُعلن من الرياض عن حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي إلا أن التظاهرات الواسعة التي شهدتها مدينة عدن منذ ذلك الحين تشير إلى أن مطلب استقلال الجنوب لا يزال حاضرًا بقوة في المشهد السياسي.

 

جنوب اليمن

 

وانطلاقًا من زاوية المصالح الأميركية في المنطقة تتضح الأسباب التي قد تجعل قيام دولة جنوب اليمن خيارًا يخدم واشنطن، فوجود كيان سياسي جنوبي بحدود واضحة وآمنة من شأنه أن يحدّ من قدرة إيران على تهريب الأسلحة والدعم اللوجستي إلى الحوثيين، كما أن الضغطين العسكري والسياسي اللذين قد يمارسهما جنوب اليمن على الجماعة سيؤديان إلى تشتيت مواردها وإجبارها على التركيز على الساحة الداخلية بدل توسيع دائرة المواجهة الإقليمية، بما في ذلك استهداف “إسرائيل”. وفي هذا الإطار يُرجّح أن يبادر قادة الجنوب الذين تربطهم علاقات وثيقة بدولة الإمارات العربية المتحدة إلى تطبيع العلاقات مع “إسرائيل”، ومن شأن هذه المعطيات مجتمعة أن تقلّص قدرة الحوثـ ـــيين على تهديد الملاحة البحرية في البحر الأحمر وهو ما يمثل مكسبًا استراتيجيًا لمصر التي تعتمد على عائدات قناة السويس ولأوروبا، وكذلك لشركات الشحن العالمية التي تكبّدت خسائر متزايدة نتيجة الهجمات الحوثـ ــية.

وخلاصة القول يصعب تجاهل الاستنتاج القائل إن استقلال جنوب اليمن قد يسهم في تعزيز قدر أكبر من الاستقرار في شبه الجزيرة العربية، ورغم أن الإفراط في التفاؤل بشأن دولة جنوبية مستقلة قد يكون مضللًا فإن اليمن الموحّد لم يقدّم تاريخيًا نموذجًا يُحتذى به في الاستقرار أو التنمية، ومن ثم فإن دعم قيام دولة جنوب اليمن- أو على الأقل عدم عرقلة هذا المسار- قد يشكّل مخاطرة محسوبة تستحق النظر الجاد.

وفي التوقيت ذاته تقريبًا الذي كانت فيه السعودية وشركاؤها اليمنيون يعملون على إجهاض تحرك عيدروس الزُبيدي أقدمت “إسرائيل” على خطوة لافتة تمثّلت في الاعتراف بإقليم (ارض الصومال)، ويقع هذا الإقليم على خليج عدن ويقطنه نحو ستة ملايين نسمة وتزيد مساحته قليلًا على مساحة ولاية فلوريدا الأميركية، ورغم كونه جزءًا من جمهورية الصومال الفيدرالية فإنه أعلن استقلاله من طرف واحد عام 1991 ومنذ ذلك الحين يمتلك مؤسسات حكم ذاتية مكتملة تشمل حكومة وقوات أمن وانتخابات دورية منتظمة، وتُصنّفه منظمة “فريدوم هاوس” كإقليم “حر جزئيًا” وهو تصنيف أفضل من تصنيف الصومال ذاته بوصفه (غير حر).

وقد أثار الاعتراف “الإسرائيلي” موجة استياء واسعة شملت الدول العربية والاتحاد الأفريقي وتركيا في حين اكتفى الاتحاد الأوروبي ببيان باهت يؤكد أهمية احترام وحدة وسيادة وسلامة أراضي جمهورية الصومال الفيدرالية، أما في واشنطن فقد التزمت إدارة الرئيس دونالد ترامب الصمت، فيما بدا أعضاء الكونغرس إما مؤيدين ضمنيًا للخطوة أو صامتين على نحو غير معتاد إزاء إجراء “إسرائيلي” من هذا النوع.

ويُرجّح أن هذا الموقف يعود إلى حقيقة أن الصومال شكّل لعقود مصدرًا مزمنًا لعدم الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، كما أن النظر إلى القضية من زاوية المصالح الأميركية البحتة يجعل من استقلال ارض الصومال تطورًا يصب في مصلحة الولايات المتحدة- وإن كان ذلك دون مبالغة في تقدير أهميته، فالولايات المتحدة قادرة على حماية مصالحها في المنطقة من دون ارض صومال غير أن وجود كيان مستقل هناك شأنه شأن جنوب يمن مستقل من شأنه أن يوفر شريكًا إضافيًا يسهم في ممارسة ضغط على الحوثــ ــيين وعلى الحرس الثوري الإيراني، فضلًا عن توفير منصة جغرافية أخرى لمراقبة التحركات الصينية ولا سيما في ظل القاعدة العسكرية التي تمتلكها بكين في جيبوتي المجاورة حيث تحتفظ واشنطن بدورها بوجود عسكري.

ومع ذلك تواصل إدارة ترامب التزامها العلني بوحدة الصومال ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى معارضة شركاء إقليميين مهمين للولايات المتحدة لاستقلال هرجيسا وتمسّكهم بالحكومة المركزية في مقديشو، فقد استثمرت كل من قطر وتركيا والسعودية في قطاعات التعدين والزراعة والبنية التحتية في الصومال وقدمت إلى جانب الولايات المتحدة دعمًا أمنيًا للحكومة المركزية، كما أن الدوحة وأنقرة تُعدّان من الخصوم الإقليميين “لإسرائيل”، أما السعودية فتستند في موقفها إلى مبدأ عام يتمثل في رفض تفكيك أي دولة عربية مع أن الصومال عضو في جامعة الدول العربية من دون أن يكون عربيًا من الناحية الإثنية فضلًا عن مخاوفها من “المنحدر الزلق” الذي قد يقود إلى تقسيم دول أخرى مثل ليبيا وسوريا.

غير أن هذا المنطق يتجاهل حقيقة أساسية وهي أن ارض الصومال تتمتع فعليًا باستقلال شبه كامل منذ نحو 35 عامًا، ويبدو أن السعودية المنخرطة في خلاف متشعب مع دولة الإمارات العربية المتحدة يرتبط بعدة مسارات “بإسرائيل” تجد صعوبة في رؤية الصورة الأشمل في حالة ارض الصومال، وفي إدراك كيف يمكن لاستقلال هرجيسا أن يشكّل مكسبًا استراتيجيًا للرياض على نحو مشابه لما يخدم المصالح الأميركية.

أما الحالة الثالثة فهي سوريا، وعلى خلاف السرديات القومية العربية التقليدية فإن المجتمع السوري يتسم بتعدد إثني وديني واضح، وبعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 بدت احتمالات تفكك الدولة السورية مرتفعة، فقد شهد الساحل السوري ذي الغالبية العلوية أعمال عنف إثني في آذار 2025 كما وقعت مجزرة بحق الدروز خلال الصيف ما استدعى تدخلًا “إسرائيليًا”، وفي الوقت نفسه واصلت (قوات سوريا الديمقراطية- قسد)، ذات القيادة الكردية تمسكها بمواقعها على أمل فشل النظام الجديد في دمشق بقيادة أحمد الشرع الحليف السابق لتركيا والمنحدر من خلفية جهادية.

 

قوات سوريا الديمقراطية “قسد”

 

غير أن هذا الرهان لم يتحقق، ومع ما بدا من عدم استعداد قائد (قسد) الجنرال مظلوم عبدي للدخول في مفاوضات جدية مع الحكومة المركزية لجأ الشرع إلى تقويض نفوذ هذه القوات عبر مزيج من القوة والمناورة السياسية، ولا يصعب تفهّم التعاطف مع (قسد) التي قاتلت إلى جانب الولايات المتحدة ضد تنظيم (د1عش) في وقت امتنعت فيه تركيا العضو في حلف شمال الأطلسي وغيرها عن القيام بدور مماثل، ومع ذلك فإن دعم إدارة ترامب لوحدة سوريا لم يكن خيارًا خاطئًا.

فإذا ما جرى تقييم المشهد الإقليمي من منظور حسابات المصالح الأميركية الباردة – التي تشمل أمن الطاقة وأمن “إسرائيل” والحفاظ على الهيمنة الأميركية والاستقرار الإقليمي – فإن الحكم الذاتي الكردي في سوريا لا يبدو خيارًا منطقيًا، ومن هذا المنطلق فإن ما آلت إليه أوضاع (قسد) داخل سوريا كان إلى حد كبير نتيجة متوقعة.

إن مبدأ “قدسية الحدود” يستحق نقاشًا معمّقًا وجادًا، ولا شك أن منع الفوضى هدف مشروع غير أن جزءًا كبيرًا من المعارضة لاستقلال جنوب اليمن وارض الصومال يبدو أقرب إلى تهويل كارثي يفتقر إلى الخيال السياسي، ففي نهاية المطاف كان هناك يمنان في السابق وارض الصومال قائمة بالفعل ككيان مستقل وظيفيًا، ومن شأن قيام دولتين مستقلتين في هذين الموقعين أن يسهّل على الولايات المتحدة تحقيق أهدافها في “الشرق الأوسط” والقرن الأفريقي وبكلفة أقل نسبيًا. غير أن الأمر يختلف في حالة كردستان مستقلة، فمهما كانت رغبة أكراد سوريا في الحفاظ على شراكتهم مع الولايات المتحدة ومهما كانت قدرتهم المحتملة على أن يكونوا عضوًا مسؤولًا في المجتمع الدولي فإن هذه الاعتبارات لا ترقى في الحسابات الباردة للمصالح الأميركية إلى مستوى الأهمية نفسها، ولهذا السبب تحديدًا بدا ما جرى لـ(قسد) في سوريا مسارًا شبه حتمي.

وعليه فإن إجابتي الأولية عن السؤال المتعلق بمدى قدسية الحدود في حقبة جديدة من السياسة الدولية هي التالية:

نعم، تكون الحدود مقدسة أحيانًا- ولكن ليس دائمًا.

* Steven A. Cook, Could Shifting Borders Be a Good Thing? foreign-policy, January 29, 2026.
**   لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة (إسرائيل)، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى