الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

تحوّلات الأسلحة الفرط صوتية وإعادة هندسة معادلات القوة والردع بين واشنطن وبكين

بقلم: د. ساعود جمال ساعود

جامعة دمشق

 

يستمر المشروع الجيوستراتيجي الصيني بطابعه الاقتصادي بالنمو المطرد دون التغافل عن ديناميكيات قواعد اللعبة الدولية في البقعة التي تجمع الفواعل العملاقة خاصّة الأمريكي كمهدد لمسيرة تطوّرها، لتشكّل محفزات مفعمة بالهواجس الأمنية وطموحات العودة الإمبراطورية والتحرّكات نحو الهيمنة، من قبل الصين “منافس الظل الصامت”، لتطوير الأدوات في سياق التنافس القاصد للردع بالحد الأدنى، والتفوق بالحد الأعلى، وهو أمر لم تبلغه من منظور القدر المكافئ بل من حيث القدرة على الردع المؤثر، الذي تتفاوت قوته من جانب إلى أخر، والمجالات متعددة كنظيرتها مناطق التنافس والنفوذ، والتركيز المعالج بعناية الدراسة والفحص بهذا الوضع يُعنى تركيزاً على الأسلحة الفرط صوتية، حيث تشهد ساحات الصراع في البيئة الدولية تحولاً جيواستراتيجي في عصر الأسلحة الأسرع من الصوت وتمظهراته في إعادة هندسة معادلات القوة والردع بين واشنطن وبكين، ولما كانت واشنطن صاحبة سبق بالمجال المذكور، فإن قفزات الرعب الصينية في المجال التكنولوجي بأشكاله ومضامينه كافة، قد تجاوزت الولايات المتحدة في بعض الجوانب التنفيذية، لذا وصف التفوق الجيو فضائي عموماً بشكل أعم وأشمل بكلمة “المتفلت” دقيق نوعاً ماً جرّاء ما يحملّه من إيحاء بأن المبادرة الاستراتيجية قد تكون بدأت تتفلت من القبضة الأمريكية التقليدية، علماَ ومن باب إعطاء نتيجة مسبقة أن الغلبة في مضمار السباق لغاية عام 2026م تصب في البوتقة الأمريكية، وما يشهد العالم من مغالبات إن صح التعبير تعكس حالات تفاضل أي تفوق بمجال دون الأخر على الطرف الأخر.

ومن حيث التأصيل النظري والفصل العلمي الدقيق، فإن دراسة سلاح الفرط صوتي وسباق تسلح البارزين بهذا المضمار من القوى التي تعتمد وحدة السنين الضوئية وليس الميلادي والهجري في تقييم فعالية منجزاتها الضامنة لاستمرارها وهيمنتها وإشاعة نموذج “عالم بلا نحن عالم بلا مسيطر”، هذه النوعية من الدراسات هي جزء من جزء من كل، وتختلف عن دراسة التفوق الجيوفضائي الذي يشمل التفوق في المجال الجوي والفضائي معاً، وهو أعمق من “الجوي” فقط، ويربط بين بُعدي الصراع، وهذا ما يعكس تحول جيواستراتيجي له دلالات مفادها: أن التطور ليس تقنياً فقط بل هو عملية تغيير متعمدة خارج إطار الحسابات الاستراتيجية المتمحورة فقط على السبب والنتيجة في قواعد اللعبة الاستراتيجية والجغرافية السياسية، إذاً عصر الجيوفضائي والأسرع من الصوت هي محددات دالة ليس على اضمحلال معالم حقب سابقة رسمت صورة أدوات الصراع الدولي، بل على إعادة هندسة معادلات القوة والردع القديمة وتبني على أساسها من جهة، ودليل من جهة أخرى ببراهين مثبته ملحوظة على بروز حقبة تاريخية جديدة يُحدد معالمها المتغيرات سالفة الذكر، تتجلى بالتمظهرات في إعادة هندسة معادلات القوة والردع بين واشنطن وبكين عبر المخرجات أي التجليات العملية والنتائج الميدانية لهذا التحول بين واشنطن وبكين طرفي الصراع المحوري، فالصراع هو المُحدِّد الرئيسي للنظام الدولي في الفقه الواقعي الهجومي عند جون شايمر الذي لم ينظر بل اعتمد نماذج تاريخية وحاضرة وخرج بمستخلصات حول مسببات الحدث أو الصراع وأدواته وتداعياتها، ومن ثم الغايات التي لا تتوقف عند حد من الحدود بمحكم المصالح والحاجات والتنافس والصدام الدولي وتبدلات أحوال الفواعل المؤثرة في النظام الدولي.

 

 الصين واستراتيجية الكشف المتأخر عن المنجزات الفرط صوتية

WZ-8 الطائرة الصينية

 

كشفت الصين عن رحلة اختبارية سرية لطائرة فرط الصوت وصلت إلى سرعة مذهلة تبلغ 6.5 ماخ- حوالي 5,033 ميل في الساعة، ما يكفي للطيران من بكين إلى نيويورك في غضون ساعتين فقط، ولقد أجريت الرحلة الاختبارية السرية للطائرة في عام 2021 في مركز إطلاق الأقمار الصناعية (Jiuquan) في صحراء Gobi، ولكن الإبلاغ عنها، تم من قبل الصين في عام 2025، حيث أظهرت الرحلة التي مدتها 20 دقيقة، قدرات نموذج أولي بحجم طائرة ضخم صممه الباحث Cui Kai وفريقه في أكاديمية العلوم الصينية، وعلى عكس التصاميم الأنيقة على شكل إبرة الشائعة في الهندسة الفرط صوتيه، يعطي هذا النموذج الضخم الأولوية للمساحة الداخلية، مما يشير إلى إمكانية لنقل الركاب والبضائع بسرعات غير مسبوقة في المستقبل.

هنا لا يمكن الجزم ولكن يوجد مؤشرات ومعطيات، وعلى هذا يمكن القول إذا تحققت التكنولوجيا، فقد تقلل أوقات الطيران بين مدن مثل بكين ونيويورك إلى ساعتين فقط، مقارنة بأكثر من 13 ساعة اليوم، على الرغم من العقبات التقنية الكبرى، التي تتراوح من المواد المقاومة للحرارية إلى الطاقة والأنظمة الهيكلية. ويلاحظ هنا، تسارع طموحات الصين فرط الصوتية بدعم من المؤسسة الوطنية للعلوم الطبيعية، بينما تتسابق القوى العالمية لتطوير طائرات مدنية فائقة السرعة، يمثل هذا الاختبار علامة بارزة في دفع حدود ما هو ممكن في السفر جوا.

حول الأهمية الاستراتيجية للطائرة الصينية، فإن الإشارة لوقوع الاختبار عام 2021 وتأخر الإعلان عنه، إضافة إلى الدعم من المؤسسة الوطنية الصينية للعلوم الطبيعية، يؤكد على الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع بالنسبة للصين، إذ إنه ليس مجرد مشروع علمي، بل هو جزء من سباق عالمي بين القوى الكبرى (مثل الولايات المتحدة وروسيا) سواء لأغراض مدنية أو عسكرية، كما أن هذا الإنجاز التقني الصيني يمثّل نقطة تحول جيوسياسة من حيث القدرة على تطوير طائرات فائقة السرعة تعطي الدولة ميزة استراتيجية كبيرة، سواء في القدرة على نقل القوات أو الأسلحة بسرعة، أو في السيطرة على الفضاء الجوي، وعلى الصعيد التكنولوجي إن تطوير هذه النوعية من الطائرات، يتطلب ابتكارات في مجالات عديدة مثل المواد والذكاء الاصطناعي والتحكم الآلي، وكلها مجالات لها تطبيقات أخرى واسعة في الفضاء الإلكتروني والأمن القومي.

على الضفة الأخرة من عالم التكنولوجيات، تمتلك الولايات المتحدة برامج متقدمة في مجال الطيران فائق السرعة، حيث تُعدّ تاريخياً الدولة الرائدة في هذا المجال، غير أن المقارنة الراهنة مع الصين تكشف عن تحوّل لافت في طبيعة التنافس بين القوتين، حيث لم يعد التفوق الأميركي أمراً مسلماً به، بل بات موضع اختبار حقيقي في ظل تسارع المنجزات الصينية.

وبالعودة تاريخياً، نجد أن الولايات المتحدة قادت السباق في تطوير تقنيات الطيران فائق السرعة عبر برامج رائدة، من أبرزها طائرة X-15 الصاروخية في ستينيات القرن الماضي، التي حققت سرعات تجاوزت 6.7 ماخ، إلا أنها ظلت ضمن الإطار التجريبي ولم تُطوَّر للاستخدام العملي، كما أطلقت وكالة داربا “برنامج فالكون” الذي ركّز على تطوير مركبات وصواريخ انزلاقية فائقة السرعة، مثل HTV-1 وHTV-2، في إطار مفهوم “الضربة العالمية الفورية” القادر على إصابة أي هدف في العالم خلال وقت قياسي، كما يُعدّ مشروع X-51 WaveRider  مثالاً بارزاً على نجاح الولايات المتحدة في تشغيل “محركات السكريمجت” بسرعات تفوق 5 ماخ، بدعم من بوينغ وداربا.

 

An artist’s rendition of an X-51A WaveRider (in white) attached to the wing of a B-52.

 

ضمن إطار تكامل الجهود وإلى جانب البرامج الحكومية، شهد القطاع الخاص الأميركي نشاطًا ملحوظًا في هذا المجال، حيث عمل وما تزال شركات ناشئة مثل Hermeus وVenus Aerospace  على تطوير طائرات ركاب وطائرات مسيّرة فائقة السرعة لأغراض مدنية وعسكرية، ورغم ذلك تشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة تواجه صعوبات واضحة في تسريع عمليات التطوير والتصنيع، لا سيما في المجال العسكري، إذ عانت بعض البرامج من تأخيرات واختبارات غير ناجحة، ما أدى إلى تأجيل نشر الأسلحة فائقة السرعة.

في المقابل، تتميز البرامج الصينية في الطيران فائق السرعة بنهج مختلف يقوم على التقدم السريع والمركّز، بدليل استثمار الصين بكثافة في البنية التحتية البحثية، خاصة أنفاق الرياح القادرة على محاكاة السرعات الفائقة، الأمر الذي مكّنها من تحقيق قفزات نوعية خلال فترة زمنية قصيرة، كما يُلاحظ التكامل الواضح بين الأهداف المدنية والعسكرية، فالصين تعمل على تطوير طائرات ضخمة تراعي المساحة الداخلية، بما يوحي بإمكانية استخدامها مستقبلاً في نقل الركاب والبضائع، بالتوازي مع تطوير صواريخ انزلاقية فائقة السرعة مثل DF-ZF لأغراض عسكرية، وعلى خلاف الولايات المتحدة، يُعتقد أن الصين إلى جانب روسيا، قد نجحت بالفعل في نشر أنظمة أسلحة فائقة السرعة، ما يمنحها ميزة ميدانية واضحة، ومن حيث الدلالة الاستراتيجية هذا الواقع يعكس تحوّلاً في ميزان القوى في هذا المجال، ويترك آثاراً عميقة على طبيعة التنافس الأميركي- الصيني، خصوصاً مع تقدم الصين في مجال نشر الأسلحة فائقة السرعة التي يصعب على أنظمة الدفاع الصاروخي الأميركية الحالية اعتراضها، ما يثير قلقاً متزايداً داخل البنتاغون ويدفع الولايات المتحدة إلى تسريع جهودها لتطوير الردع والأحتواء لكل طراز مستجد تبتكر او تتوصل له الصين.

وفي ضوء مفاضلة النتائج، فمن المعرف الغير ثابت أن الولايات المتحدة تتفوق على الصين في مجال الطائرات الفرط- صوتية يعني استعادة الهيمنة الجيوستراتيجية الزمنية والمجالية، ويعزيز الردع المتقدم والضربة الدقيقة السريعة، ويعيد ترسيخ الدور الأميركي كقوة مهيمنة مُشكِّلة للنظام الدولي، ولكن بالمقابل إن التقدم الصيني يفاقم المخاطر الجيوسياسية، إذ يسهم صعود الصين في مجال الطائرات والأنظمة الفرط- صوتية يؤدي إلى تقويض التفوق الجيوستراتيجي الأميركي في غرب المحيط الهادئ، وتعزيز الردع الهجومي الصيني وفرض وقائع عسكرية جديدة، وتسريع سباق التسلح وتآكل الاستقرار الاستراتيجي، وتوسيع نطاق الصراعات دون العتبة من موقع قوة، وتحويل التفوق التكنولوجي إلى نفوذ جيوبوليتيكي واقتصادي عبر استراتيجيات التوظيف، بذلك الطيران الفرط- صوتي يمنح الصين أداة انتقال من قوة صاعدة إلى قوة قادرة على إعادة كتابة قواعد الردع والصراع في النظام الدولي المعاصر.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى