الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
أدلجة المساعدات الإنسانية في النظام الدولي المعاصر
دراسة سوسيوسياسية لتوظيف الإغاثة كأداة للضغط تجاه غزة

بقلم: نور نبيه جميل
باحثة في مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
تمثل المساعدات الإنسانية في جوهرها الأخلاقي استجابة لمعاناة البشر، وهي تضرب بجذورها في مبادئ الضمير العالمي والصكوك الدولية التي تهدف إلى حماية الحياة البشرية وصون كرامتها في أوقات الأزمات والنزاعات. ومع ذلك، فإن القراءة المتفحصة في تخصص العلوم السياسية تكشف عن توتر بنيوي دائم بين هذا الجوهر الأخلاقي والقيمي وبين الضرورات الاستراتيجية للدول القومية التي تحركها مصالح القوة. تاريخياً، تطور العمل الإنساني من جهود إغاثية محدودة وعفوية في القرن التاسع عشر إلى منظومة عالمية ضخمة ومعقدة تشكل اليوم جزءاً لا يتجزأ من الحوكمة العالمية المعاصرة. هذا التحول لم يكن تقنياً أو إدارياً فحسب، بل كان تحولاً جذرياً في الغرض والوظيفة، حيث انتقلت المساعدات من “معسكر الطوارئ” الذي يهدف إلى إنقاذ الأرواح في لحظات الخطر الداهم، إلى ما يسميه بعض الأكاديميين “معسكر الخيميائيين” الذي يسعى إلى استخدام المساعدات كأداة لإعادة هندسة المجتمعات، ومعالجة الأسباب الجذرية للصراعات، ونشر قيم سياسية واقتصادية معينة تحت غطاء”بناء السلام”.
إن هذا التطور أدى إلى نشوء ما يُعرف بـ“الإمبراطورية الإنسانية”، حيث تمارس المؤسسات الدولية والمجتمع المانح سلطة سيادية فعلية على المجموعات السكانية الضعيفة. وفي هذا السياق، تظهر المساعدات ليس كفعل انساني مجرد، بل كآلية للسيطرة والإدارة البشرية، حيث تتداخل “الرعاية” مع “التحكم” في ممارسات الحوكمة العالمية. هذا التداخل يخلق حالة من”السلطوية العالمية” التي تمنح الفاعلين الدوليين حق التدخل في حياة الشعوب وتوجيه مساراتها السياسية والاقتصادية بناءً على معايير يحددها المانحون.
في ضوء ماسبق يمثل قطاع غزة في قلب الاهتمام الدولي منذ اندلاع الحرب في تشرين الاول 2023. لم تعد المساعدات الإنسانية مجرد آلية للتخفيف من معاناة المدنيين فحسب، بل تحولت إلى ميدان تنافس وتفاوض وضغط بين فاعلين محليين ودوليين، يحمل في طياته معانٍ سياسية واستراتيجية تتجاوز قيم الإغاثة التقليدية. يُلقي هذا التحليل السوسيوسياسي ضوءًا على كيفية توظيف الإغاثة الإنسانية كأداة ضغط سياسي في النظام الدولي المعاصر تجاه قطاع غزة، في سياق تداخل الاعتبارات الإنسانية بأجندات القوة والمصالح.
الجدل النظري: المساعدات بين الواقعية والليبرالية
في قلب تخصص العلوم السياسية، يظل الجدل حول طبيعة المساعدات الإنسانية محكوماً بالتدافع بين مدرستين رئيسيتين. المدرسة الليبرالية، التي تستند إلى إرث “كانط” والنزعة الدولية، ترى في المساعدات أداة لتعزيز التعاون، وحماية حقوق الإنسان، وبناء مجتمع دولي أكثر انسجاماً. بالنسبة لليبراليين، المساعدات هي وسيلة لتقليل الفجوات بين الدول، وتعزيز الاعتماد المتبادل، ودعم المؤسسات متعددة الأطراف مثل الأمم المتحدة التي تضمن التزام الجميع بقواعد السلوك الدولي. في هذا الإطار، يُنظر إلى المساعدات كاستثمار في “السلام الليبرالي” الذي يربط بين الاستقرار الاقتصادي، والديمقراطية السياسية، والأمن الإقليمي.
على النقيض تماماً، تطرح المدرسة الواقعية (بنسخها الكلاسيكية والبنيوية) رؤية أكثر تشاؤماً وتشكيكاً. بالنسبة للواقعيين، النظام الدولي يتسم بالفوضى، والدول هي الفاعلون الرئيسيون الذين يسعون دائماً لتعزيز قوتهم وأمنهم القومي. في هذه الرؤية، لا توجد “مساعدات إنسانية مجردة”، بل هناك أدوات للقوة الناعمة أو الصلبة تُستخدم للمناورة الجيوسياسية. المساعدات وفقاً للمنطق الواقعي هي”سلاح” يُشهر لتقوية الحلفاء، أو إخضاع الخصوم، أو تحسين صورة الدولة المانحة دولياً. حتى المساعدات التي تبدو خيرية، مثل الغذاء والدواء، تخضع لـ “المنطق البارد” للمصلحة القومية، فإذا لم تسهم المساعدة في تعزيز نفوذ الدولة المانحة أو تأمين مصالحها، فإنها تُعتبر إهداراً للموارد.
لقد شهدت السنوات الأخيرة تحولاً صريحاً نحو “أمننة” المساعدات، خاصة في ظل الإدارات الأمريكية التي تبنت صراحة مبدأ “أمريكا أولاً”. هذا التوجه أعلن بوضوح أن المساعدات الإنسانية يجب أن تكون مشروطة بالولاء السياسي وتحقيق مكاسب مباشرة للمصالح الأمريكية، مما أدى إلى تآكل النموذج الليبرالي الذي كان يسعى على الأقل”شكلياً” للحفاظ على طابع محايد للعمل الإغاثي. إن تسييس المساعدات بهذا الشكل يعيدنا إلى منطق الحرب الباردة، حيث كانت القوافل الإغاثية تتبع الخطوط العسكرية والأيديولوجية.
فضلا عن ذلك، يطرح منهج “العالم الثالث للقانون الدولي” رؤية نقدية ترى أن النظام الإنساني الحالي ما هو إلا امتداد للهيمنة التاريخية الغربية. القانون الدولي النصي قد يبدو متساوياً ومنصفاً، لكن “القانون الدولي المادي” (الممارسة الفعلية) يكشف عن تفاوت هائل في مراكز القوة، حيث تستخدم القوى الكبرى المساعدات لفرض رؤيتها الثقافية والاقتصادية، محولةً الشعوب المتلقية من فاعلين سياسيين يطالبون بحقوقهم إلى “ضحايا” معتمدين على الإحسان الخارجي المشروط.
مفهوم المساعدات الإنسانية في السياق الدولي
المساعدات الإنسانية في جوهرها تهدف إلى حماية الكرامة الإنسانية وتلبية الاحتياجات الأساسية للفقراء والمتضررين من النزاعات والصراعات أو الكوارث. تظهر الوثائق الدولية، بما في ذلك مبادئ الأمم المتحدة والاتفاقيات الأساسية، التزام الفاعلين الدوليين بتوفير المأوى والغذاء والدواء للمحتاجين دون تمييز. ومع ذلك، يشير التاريخ الحديث إلى أن هذا الالتزام لا يتجسد دائمًا في عالم السياسة الدولية بصورة مستقلة عن المصالح الاستراتيجية للدول والمنظمات.
في الواقع، يتداخل مفهوم “الحياد الإنساني” مع مدركات القوة الدولية، ويميل بعض الفاعلين إلى استخدام المساعدات كوسيلة استراتيجية للتأثير في السياسات المحلية والخارجية للدول والجماعات، ما يدفعنا إلى دراسة الأبعاد السوسيوسياسية لآليات الإغاثة بقدر دراسة آثارها المادية المباشرة.
غزة منذ أكتوبر تشرين الأول 2023 معاناة شعب، وتوترات سياسية
منذ تشرين الأول عام 2023، تكرست في غزة حالة إنسانية غير مسبوقة، تتميز بنقص حاد في الغذاء والدواء والمياه والخدمات الأساسية، نتيجة استمرار النزاع وتدمير البنى التحتية، ما أجبر الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية على إطلاق نداءات عاجلة للمجتمع الدولي. على الرغم من هذه الأزمات، يواجه وصول المساعدات عوائق متعددة تتراوح بين القيود اللوجستية، وشروط معينة تفرضها بعض الدول، ومحاولات لربطها بتحقيق أهداف سياسية أو أمنية، وهو ما أثار جدلاً واسعًا حول الحياد المفترض للمساعدات الإنسانية في النزاعات.
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن المساعدات لا تتدفق فقط استجابة للمعاناة، بل تصبح ذات دلالة رمزية وسياسية، تتفاعل مع روايات متنافسة حول النزاع، وتلعب دورًا في تكوين صورة النظام الدولي في مخاطبته لقضية غزة.
عسكرة الإغاثة في غزة: حالة “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF)
شهد عام 2025 تطوراً خطيراً في مسار أدلجة المساعدات لقطاع غزة، تمثل في إطلاق “مؤسسة غزة الإنسانية” (GHF) كبديل للمنظمات الدولية التقليدية مثل الأونروا. هذه المؤسسة لم تكن كياناً إنسانياً بالمعنى التقليدي، بل كانت مشروعاً أمنياً بامتياز، ممولاً ومدعوماً من إدارة ترامب والجانب “الإسرائيلي”، وبإدارة شخصيات من خلفيات عسكرية واستخباراتية. إن نشوء GHF يمثل ذروة “خصخصة” العمل الإنساني وعسكرته، حيث يتم استبدال المبادئ الكلاسيكية لحياد الأمم المتحدة بمنطق “الشركات الأمنية الخاصة”.
المكون الاستراتيجي لـ GHF |
الآلية التشغيلية |
الهدف السياسي/الأمني |
الكادر البشري |
جنود متقاعدون، عناصر استخبارات سابقة، مقاولون أمنيون. |
ضمان الولاء المطلق لرؤية القوة المحتلة والمانح الأمني. |
التكنولوجيا المستخدمة |
المراقبة البيومترية، قواعد البيانات الأمنية المشتركة. |
تحديد الهويات، عزل “غير المرغوب فيهم”، وفرض الرقابة الشاملة. |
بنية التوزيع |
“فقاعات إنسانية” أو مراكز محصنة تتطلب عبور خطوط تماس عسكرية. |
تركيز السكان في مناطق محددة، تسهيل الفرز الأمني، والسيطرة الجغرافية. |
التكلفة الاقتصادية للوجبة |
حوالي 1.30 دولار (وجبة واحدة مرة أو مرتين شهرياً). |
الإبقاء على حالة الجوع المقنن لضمان خضوع السكان للاحتياج. |
اعتمدتGHF نموذجاً لتوزيع المساعدات يقوم على “السيطرة المكانية والأمنية”، حيث تم إنشاء نقاط توزيع محصنة في جنوب القطاع، تتطلب من السكان عبور ممرات عسكرية تخضع لمراقبة بيومترية دقيقة. في هذا النموذج، لم تعد المساعدة حقاً طبيعياً للمدنيين، بل أصبحت “امتيازاً” يُمنح لمن يمتثل للمعايير الأمنية المفروضة. تم استخدام الغذاء هنا كأداة للمساومة والضغط لكسر التضامن المدني وفصل السكان عن قوى المقاومة، وهو ما وصفه خبراء الأمم المتحدة بأنه “سلاح حرب” و “ورقة توت” لتسهيل عمليات التهجير القسري.
أثار هذا النموذج أزمة أخلاقية وقانونية دولية كبرى، حيث رفضت الأمم المتحدة ومعظم المنظمات غير الحكومية العريقة (مثل أوكسفام، وأطباء بلا حدود) التعاون مع هذا الكيان، معتبرة إياه “خدعة سياسية خطيرة” تنتهك مبادئ الحياد والاستقلال. بلغت الأزمة ذروتها باستقالة المدير التنفيذي للمؤسسة، “جيك وود” (وهو قناص سابق في المارينز)، الذي اعترف في بيان استقالته بأن الظروف التي تفرضها “إسرائيل” تجعل من المستحيل تقديم المساعدة دون انتهاك صارخ للمبادئ الإنسانية الأساسية.
إن فشل تجربة GHF، التي توقفت عملياتها رسمياً في تشرين الثاني 2025 بعد أشهر من الفوضى وسفك الدماء عند نقاط التوزيع، يقدم درساً بليغاً في العلوم السياسية، وهو أن محاولة استبدال النظم الإنسانية القائمة على الحقوق والقانون الدولي بترتيبات أمنية هجينة لا تؤدي إلا إلى تفاقم الكارثة وتوليد مزيد من العنف. المساعدات عندما تُعسكر، تفقد قدرتها على حماية الحياة وتتحول إلى جبهة أخرى من جبهات القتال، حيث يصبح الجوع أداة “للهيمنة الناعمة” والتركيع السياسي.
أدلجة المساعدات كأداة ضغط سياسي
الشلل المؤسسي والانهيار الأخلاقي للنظام الدولي
كشفت أزمة غزة (2023-2026) عن فشل بنيوي عميق في منظومة الأمم المتحدة، وتحديداً في مجلس الأمن. إن استخدام حق النقض (الفيتو) المتكرر لمنع وقف إطلاق النار أو تأمين ممرات إنسانية حقيقية قد حول المجلس من أداة لحفظ السلم والأمن الدوليين إلى أداة لشرعنة “الإفلات من العقاب”. هذا الشلل أدى إلى تآكل هائل في مصداقية النظام الدولي القائم على القواعد، حيث يرى الجنوب العالمي بوضوح أن القواعد تُطبق بصرامة فقط عندما تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُعطل عندما تتعلق بالمدنيين في فلسطين.
هذا التفاوت يجسد “ازدواجية المعايير” التي أصبحت السمة الغالبة على السياسة الدولية المعاصرة. فبينما يتم الاحتفاء بالمساعدات الإنسانية كقيمة ليبرالية عليا في أزمات معينة، يتم استخدامها في غزة كأداة “للعقاب الجماعي” و “التجويع المنهجي”. إن”النفاق البنيوي” يتجلى في قيام بعض الدول بإرسال طائرات لإسقاط وجبات غذائية رمزية من الجو، بينما تقوم في الوقت نفسه بتزويد القوة القائمة بالاحتلال بالقنابل التي تقتل الساعين للحصول على هذه الوجبات وتدمر البنية التحتية التي تضمن بقاءهم.
أحداث كانون الثاني 2026: المرحلة النهائية لتسييس الفضاء الإنساني
مع دخول شهر كانون الثاني من عام 2026، وصلت أدلجة المساعدات لغزة إلى مرحلة القطيعة الكاملة مع المبادئ الدولية. في 1 كانون الثاني 2026، أعلنت السلطات الإسرائيلية رفض دخول جميع الطواقم الدولية الجديدة للمنظمات غير الحكومية إلى القطاع، وفرضت حصاراً إدارياً شاملاً على المنظمات التي ترفض التسجيل وفق “قواعد البيانات الأمنية” الجديدة. هذه الخطوة لم تكن مجرد إجراء بيروقراطي، بل كانت تهدف إلى إفراغ غزة من “الشهود الدوليين” وتحويل العمل الإغاثي إلى نظام مغلق تديره قوى محلية تابعة أو شركات أمنية خاصة.
في 20 كانون الثاني 2026، قامت الجرافات “الإسرائيلية” بهدم مباني الأونروا في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، في رسالة رمزية ومادية قوية لإنهاء وجود الوكالة ككيان قانوني. ترافق ذلك مع تحذيرات دولية من أن منع المساعدات الطبية والغذائية سيؤدي إلى وفاة مئات الآلاف من الجوع والأوبئة الناجمة عن انهيار منظومة إدارة النفايات والصرف الصحي. إن “سلاح التجويع” الذي تم صقله على مدار سنوات الحصار، أصبح في عام 2026 الأداة الرئيسية للحسم السياسي.
هذا الواقع يطرح تساؤلات وجودية حول مستقبل العمل الإنساني: هل ستقبل المنظمات الدولية أن تتحول إلى “منفذ أمني“ لمخططات القوى الكبرى مقابل السماح لها بتقديم القليل من الخبز؟ أم أنها ستختار الانسحاب احتجاجاً على انتهاك مبادئها، مما يترك الملايين لمصيرهم المحتوم؟ إن تجربة غزة تثبت أن”الحياد” لم يعد خياراً ممكناً في مواجهة سياسات تهدف صراحة إلى تدمير الوجود المادي والسياسي للشعب.
في ضوء ماسبق تُشير الأدبيات في العلاقات الدولية إلى مفهوم “أدلجة الإغاثة” حينما تستخدم المساعدات الإنسانية لتحقيق أهداف سياسية موازية. في الحالة الفلسطينية يتجسد هذا الاستخدام بعدة صور:
-
الارتباط بالضغوط الدبلوماسية: اتجهت بعض الدول إلى محاولة ربط إيصال المساعدات بمتطلبات سياسية أو شروط تتعلق بموقف معين في مجلس الأمن الدولي أو في المحافل الدولية، ما يعكس محاولة لاستثمار الإغاثة في خدمة أهداف سياسية أوسع.
-
التحكم في مسارات الإمداد: كان هناك تركيز على نقاط دخول محددة للمساعدات، في حين واجهت أخرى عراقيل، ما ساهم في تعزيز نفوذ بعض الفاعلين على توزيع الموارد داخل القطاع وتحديد أولويات إيصالها.
-
الخطاب الإعلامي والسياسي: استُخدمت المساعدات الإنسانية في الخطاب السياسي كأداة لتأكيد مواقف أو تهميش أخرى، فتصنع المساعدات أدوات رمزية تُستخدم في المفاوضات الدولية، وتصبح مؤشرًا لقوة أو ضعف السياسيين الدوليين حيال الأزمة.
الأبعاد السوسيوسياسية لمسارات الإغاثة في غزة
يتصل فهم دور المساعدات الإنسانية في غزة بعلاقات القوة الاجتماعية والسياسية داخل القطاع وخارجه، ما يتضمن:
أ. البعد المحلي: تلعب المساعدات دورًا مركزيًا في إعادة إنتاج البنى الاجتماعية، إذ ترتبط شبكات توزيعها بخيارات الفاعلين المحليين وقدراتهم على الوصول إلى السكان الأكثر حاجة. في هذا السياق، تتداخل المساعدات مع العلاقات داخل المجتمع الفلسطيني وبين الفصائل المختلفة، ما يجعلها جزءًا من نسيج معقد من التعاطي الاجتماعي.
ب. البعد الإقليمي: إن إدماج الإغاثة في المنافسات الإقليمية، خاصة عبر أدوار بعض الدول في الدعم أو التضييق، يمنح المساعدات بعدًا سوسيوسياسيًا يتجاوز قيمتها الإنسانية، ويحولها إلى أداة ضغط وتفاوض في النزاعات الأوسع.
ج. البعد الدولي والنظام العالمي: في النظام الدولي المعاصر، تُعتبر المساعدات عنصرًا من عناصر القوة الذكية (smart power)، إذ يمكن توظيفها للدخول في مفاوضات أو للتأثير في أجندات السياسات الدولية. ويتضح هذا عندما يتداخل الموقف من المساعدات مع العلاقات بين القوى الكبرى، مما يجعل القضية الفلسطينية وحالة غزة ساحة اختبار لقدرة الفاعلين على المواءمة بين المبادئ الإنسانية والمصالح الاستراتيجية.
انعكاسات توظيف الإغاثة على الفاعلين الدوليين
إن استخدام المساعدات الإنسانية كأداة ضغط سياسي لا ينعكس فقط على الطرف المستهدف، بل على كل من:
-
الفاعلين الدوليين (الدول والمنظمات الدولية): إذ يُختبر مصداقيتهم وقدرتهم على الالتزام بالمعايير الإنسانية دون إملاءات سياسية.
-
المنظمات غير الحكومية: التي تجد نفسها في وضع الحاجة إلى الموازنة بين القيم الإنسانية والضغوط السياسية.
-
المجتمع الدولي ككل: يتعرض النظام الإنساني الدولي لانتقادات تتعلق بفقدان الحياد، ما يفتح نقاشات نظرية حول إعادة تعريف السياق المؤسسي للمساعدات.
الخاتمة
إن تحليل أدلجة المساعدات الإنسانية في سياق قطاع غزة يكشف عن حقيقة مرة في العلاقات الدولية المعاصرة، وهي أن المساعدات الإنسانية، عندما تُفصل عن سياق الحقوق السياسية والعدالة، تتحول بالضرورة إلى أداة للهيمنة وإدارة القهر. لقد فشل النظام الدولي في حماية غزة ليس بسبب نقص الموارد، بل بسبب “التسييس الضار” الذي جعل من حياة البشر ورقة مساومة في صراعات القوة. لا يمكن استعادة صدقية العمل الإنساني إلا من خلال ثلاث خطوات استراتيجية:
إلغاء التسييس الهيكلي: جعل تمويل المنظمات الإنسانية الأممية التزاماً إلزامياً ومستقراً، وليس تبرعاً طوعياً يمكن استخدامه للابتزاز السياسي.
الربط بين الإغاثة والعدالة: الاعتراف بأن المساعدات لا يمكن أن تكون بديلاً عن إنهاء الاحتلال والحصار، وبدون أفق سياسي، تظل المساعدات مجرد أداة لتثبيت “الوضع الراهن” الظالم.
تفعيل المحاسبة الدولية: فرض عقوبات حقيقية على الدول التي تستخدم التجويع كلاح حرب أو تعرقل العمل الإنساني، لضمان أن تكلفة “تسييس المساعدات” ستكون أعلى من مكاسبها الاستراتيجية.
إن قطاع غزة اليوم يمثل “نهاية التاريخ” بالنسبة للمثالية الليبرالية في العمل الإنساني. فإما أن يستعيد المجتمع الدولي قدرته على فرض القانون الأخلاقي فوق مصالح القوة، أو أننا سنشهد تحول المساعدات عالمياً إلى مجرد “قسم للخدمات الاجتماعية” في إمبراطورية الأمن والسيطرة العالمية. إن الصمود الأسطوري للشعب الفلسطيني في مواجهة “تصفية التنمية” و “سلاح التجويع” يضع العالم أمام مرآة أخلاقية، فالمساعدة الحقيقية ليست في توفير “سعر الوجبة” (1.30 دولار)، بل في توفير الكرامة، والحرية، والعدالة التي تنهي الحاجة للمساعدة من الأساس. ولقد جسدت معاناة قطاع غزة منذ أكتوبر 2023 مثالًا صارخًا على كيفية تداخل الاعتبارات الإنسانية بالسياسية في النظام الدولي المعاصر. حين تُستخدم المساعدات الإنسانية كأداة ضغط سياسي، فإنها تتجاوز وظيفتها الأصلية في التخفيف من معاناة المدنيين لتصبح مؤشرًا على ديناميات القوة ومرآة للصراعات بين الفاعلين الدوليين.
تُظهر هذه الدراسة السوسيوسياسية أن توظيف الإغاثة بهذا الشكل لا يقتصر أثره على الجغرافيا الإنسانية فحسب، بل يمتد ليشمل تركيبة العلاقات الدولية نفسها، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل المبادئ الإنسانية في عالم تشده المصالح الاستراتيجية أكثر من المبادئ.




