الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
مفاوضات واشنطن وطهران في مسقط.. دبلوماسية اللحظة الأخيرة

بقلم: الباحث مصطفى ايمن قاسم
مصر
تشهد منطقة “الشرق الأوسط” في المرحلة الراهنة حالة غير مسبوقة من التوتر، تضعها على مقربة خطيرة من مواجهة عسكرية واسعة قد تكون تداعياتها مدمّرة على مختلف الأطراف. وفي خضم هذا المشهد القاتم، تتجه الأنظار نحو العاصمة العُمانية مسقط، التي تستضيف جولة بالغة الحساسية من المفاوضات بين الولايات المتحدة والجمهورية الاسلامية في إيران، بوساطة عُمانية معروفة بهدوئها وحيادها.
وتأتي هذه المحادثات في لحظة توصف على نطاق واسع بأنها “الفرصة الأخيرة” لنزع فتيل أزمة بلغت ذروتها، بعد تصاعد غير مسبوق في التهديدات المتبادلة والتحركات العسكرية في المنطقة. وتحاول هذه الورقة قراءة أبعاد هذا الحراك الدبلوماسي واستشراف مساراته المحتملة، بين احتمال نجاح محدود يجنّب المنطقة كارثة وشيكة، أو فشل قد يفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها أو التنبؤ بنهاياتها.
أولًا: دوافع التفاوض وأسباب الجلوس إلى الطاولة
لم يكن قرار العودة إلى طاولة المفاوضات نابعًا من تحوّل مفاجئ في القناعات الاستراتيجية لأي من الطرفين، ولا نتيجة رغبة حقيقية في بناء الثقة المتبادلة، بقدر ما جاء نتيجة مباشرة لوصول واشنطن وطهران إلى حافة مواجهة مفتوحة يصعب التراجع عنها.
فعلى الصعيد الداخلي، واجهت إيران خلال الأسابيع الماضية احتجاجات قوبلت بتعامل أمني حازم، وقد أسهم هذا الوضع الداخلي في تصعيد الضغوط السياسية على طهران، ودفع الإدارة الأمريكية إلى تبنّي خطاب أكثر تشددًا.
في هذا السياق، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما وصفه بـ”الخطوط الحمراء“، ملوّحًا بالتدخل العسكري المباشر ما لم تتوقف الجمهورية الاسلامية في إيران عن قمع الاحتجاجات الداخلية، وما لم تتخلَّ عن طموحاتها النووية. وتزامن هذا الخطاب مع تحركات عسكرية لافتة، أبرزها وصول حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لنكولن” إلى بحر العرب، في خطوة اعتبرتها طهران استفزازًا مباشرًا.
في المقابل، ردّت القيادة الإيرانية بخطاب تصعيدي مماثل، إذ حذّر المرشد الأعلى علي خامنئي من أن أي اعتداء أمريكي لن يظل محدودًا، بل سيقود إلى “حرب إقليمية شاملة”. وأمام هذا المناخ المشحون، لم يجد الطرفان بديلًا واقعيًا عن القبول بمسار تفاوضي غير مباشر، بوصفه الخيار الوحيد لتجنّب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية واسعة.
ثانيًا: فرص النجاح وتحديات الفشل
بالنظر إلى المعطيات المتوفرة، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام محدودة، إن لم تكن ضعيفة، حيث يمكن وصف العملية التفاوضية الجارية بأنها شديدة الهشاشة. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل الجوهرية التي تعقّد مسار التفاهم بين الطرفين.
أول هذه العوامل يتمثل في تمسّك كل طرف بثوابته الأساسية وغياب المرونة الكافية لتقديم تنازلات جوهرية. فالولايات المتحدة، تحت ضغط داخلي وضغوط من حلفائها الإقليميين، ولا سيما “إسرائيل”، تسعى إلى إبرام “صفقة شاملة” تعالج جميع الملفات المثيرة للقلق. في المقابل، ترى الجمهورية الاسلامية في إيران أن مجرد إدراج برنامجها الصاروخي ضمن جدول التفاوض يُعد مساسًا بسيادتها وخطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
العامل الثاني يرتبط بتذبذب الموقف الأمريكي نفسه، إذ تعكس التقارير وجود انقسامات وتجاذبات داخلية تؤثر في استمرارية أي التزام سياسي طويل الأمد، ما يضعف ثقة الجانب الإيراني في جدوى أي اتفاق قد يتم التوصل إليه.
ويظل التناقض الجوهري بين المطالب المعلنة للطرفين هو العقبة الأبرز، فبينما تطالب واشنطن بتفكيك البرنامج النووي الإيراني، تصر طهران على حقها في تطوير برنامج نووي لأغراض سلمية. ويعيد هذا التباين إلى الأذهان سجلًا طويلًا من جولات تفاوضية سابقة لم تُفضِ إلى نتائج حاسمة، ما يطرح تساؤلات جدية حول ما إذا كانت هذه الجولة تمثل مسارًا حقيقيًا للحل، أم مجرد محاولة لكسب الوقت وتخفيف الضغوط، كما تحذّر أطراف إقليمية عدة.

ثالثًا: احتمالات اندلاع حرب أمريكية- إيرانية
على الرغم من استمرار المسار الدبلوماسي في مسقط، فإن خيار المواجهة العسكرية لا يزال حاضرًا بقوة في خلفية المشهد. وتدعم هذا الاحتمال مجموعة من المؤشرات الميدانية والسياسية، أبرزها استمرار التحشيد العسكري الأمريكي في الخليج، إلى جانب التصريحات الصريحة للرئيس ترامب بشأن استخدام القوة “بسرعة وعنف” في حال فشل الدبلوماسية.
في المقابل، تشير التقديرات إلى أن القدرات الردعية الإيرانية، ولا سيما الصاروخية منها، لم يتم تحييدها بالكامل، ما يمنح طهران القدرة على إلحاق أضرار كبيرة بالقواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة. كما يُنظر إلى التحول النسبي في العقيدة العسكرية الإيرانية، من التركيز على الدفاع إلى تبني نهج أكثر هجومية، بوصفه عاملًا إضافيًا يزيد من احتمالات وقوع مواجهة مفتوحة نتيجة أي احتكاك أو سوء تقدير.
رابعًا: مفهوم “الحرب الإقليمية الشاملة” في الخطاب الإيراني
في خطاب ألقاه بمناسبة ذكرى عودة آية الله الخميني إلى الحمهورية الاسلامية في إيران، وضع المرشد الأعلى علي خامنئي إطارًا جديدًا للردع تحت مسمى “الحرب الإقليمية الشاملة”. ورغم تأكيده أن إيران لا تسعى إلى بدء أي حرب، إلا أن تحذيره كان واضحًا من أن أي هجوم أمريكي سيؤدي إلى توسيع نطاق الصراع ليشمل المنطقة بأكملها.
يحمل هذا المفهوم رسالة استراتيجية متعددة الأبعاد، مفادها أن الرد الإيراني لن يقتصر على القوات المهاجمة، بل سيشمل مصالح الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين. وتهدف طهران من خلال هذا الخطاب إلى رفع كلفة أي خيار عسكري، والضغط على الأطراف الإقليمية لدفع واشنطن نحو تجنّب التصعيد.
خامسًا: التحرك الإقليمي لاحتواء التصعيد
أمام مخاطر اندلاع حرب شاملة، شهدت المنطقة تحركات دبلوماسية إقليمية لافتة، اتسمت بقدر من التنسيق غير المسبوق. فقد وجّهت عدة دول رسائل مباشرة إلى الإدارة الأمريكية تحذّر من تداعيات أي فشل في المسار التفاوضي.
وفي خطوة ذات دلالة سياسية واضحة، أبلغت كل من السعودية والإمارات والأردن الجانب الإيراني بأنها لن تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها كنقطة انطلاق لأي هجوم عسكري. كما برز الدور القطري من خلال تحركات دبلوماسية نشطة واتصالات مكثفة لتخفيف حدة التوتر.
تعكس هذه التحركات مخاوف حقيقية تتعلق بأمن الطاقة، ولا سيما سلامة الملاحة في مضيق هرمز، فضلًا عن القلق من تداعيات اقتصادية وأمنية وإنسانية واسعة النطاق.
سادسًا: لماذا مسقط؟ دلالات اختيار مكان المفاوضات
يحمل اختيار سلطنة عمان لاستضافة هذه الجولة من المفاوضات دلالات سياسية مهمة، تعكس حسابات إيرانية دقيقة. فعُمان تتمتع بتاريخ طويل كوسيط موثوق يحظى بثقة الطرفين، وتوفر بيئة تفاوضية هادئة بعيدة عن الضغوط الإعلامية.
كما فضّلت طهران إبقاء المفاوضات في إطار ضيق وغير مُدوّل، تفاديًا للظهور بمظهر الطرف المُحاصر أو لإتاحة المجال أمام استعراضات سياسية. يضاف إلى ذلك الحساسية الإيرانية تجاه الدور التركي وطموحات أنقرة الإقليمية، ما جعل الخيار العُماني أكثر أمانًا وحيادية.
الخاتمة
تجري مفاوضات مسقط وسط أجواء شديدة التعقيد، تتداخل فيها الملفات النووية مع اعتبارات الأمن الإقليمي وهواجس الاستقرار. ورغم اتساع الفجوة بين مطالب واشنطن وثوابت طهران، فإن الرفض الإقليمي الواسع لخيار الحرب يشكل في هذه المرحلة عامل كبح أساسي للتصعيد.
وقد لا يتمثل النجاح الحقيقي لهذه الجولة في التوصل إلى اتفاق نهائي وفوري، بقدر ما يكمن في القدرة على إدارة الأزمة ومنع تحولها إلى مواجهة عسكرية شاملة. وتبقى مسقط، بهدوئها المعهود، مساحة أخيرة لاختبار النوايا قبل أن تفرض لغة القوة نفسها على مشهد إقليمي بالغ الهشاشة.



