الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
غرينلاند في مرآة التاريخ السوفياتي.. ماذا تكشف أزمة تشيكوسلوفاكيا عن نزعة ترامب التوسعية؟

بقلم: هوارد دبليو. فرينش
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الإستراتيجية
في آب 1968 وبينما كانت عائلتي تقوم برحلة تخييم صيفية طويلة عبر أوروبا اندفعت نحو 500 ألف جندي من الاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية إلى تشيكوسلوفاكيا، لقمع ما اعتبرته موسكو انحرافًا غير مقبول عن قيادتها لدول حلف وارسو. في ذلك الوقت كان من المغري النظر إلى هذا التدخل بوصفه استعراضًا ناجحًا للقوة السوفياتية، فموسكو لم توقف فقط مسار التحرر السريع في تشيكوسلوفاكيا- الذي كان مدفوعًا بمطالب شعبية بتوسيع الحريات السياسية وإجراء إصلاحات اقتصادية- بل نجحت أيضًا في جرّ حلفائها في حلف وارسو مثل بلغاريا والمجر وبولندا، للمشاركة في هذه العملية.
غير أن التاريخ مع مرور الزمن نظر إلى أحداث ذلك الصيف المشؤوم على نحو مختلف تمامًا، وكيف له أن يفعل غير ذلك؟ فبعد عقدين فقط اجتاحت تشيكوسلوفاكيا موجة أوسع وأقوى من الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالحريات السياسية، عُرفت بـالثورة المخملية وسرعان ما امتدت إلى دول أوروبا الشرقية التابعة لموسكو، لتضع حدًا لأربعة عقود من الحكم الشيوعي في المنطقة.
لقد كُتب الكثير في أعقاب المحاولة الفجّة والمذهلة التي أقدم عليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لابتزاز الدنمارك – ومعها أوروبا بأسرها- من أجل القبول بسيطرة الولايات المتحدة على أكبر جزيرة في العالم غرينلاند، وخلص عدد كبير من المعلقين إلى أن هذه التحركات أحدثت شرخًا دائمًا في منظومة التحالف العابر للأطلسي، غير أن القليلين فقط عادوا إلى السابقة السوفياتية التي قد توفّر في الواقع المفتاح الأوضح لفهم الكيفية التي قد تنتهي بها سنوات الهيمنة المتغطرسة لقوة عظمى آخذة في الأفول.
من بعض الوجوه يبدو أن تفكك النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة – والذي جرى بناؤه بصبر ودأب في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية – كان أسرع وأكثر إدهاشًا بل وأكثر عبثية من المصير الذي آل إليه الإمبراطورية السوفياتية، ففي غضون أيام قليلة فقط خلال المنتدى الاقتصادي العالمي لهذا العام في دافوس بسويسرا حيث قدّم ترامب عروضًا صادمة من التعاظم والغرور والتخبط وُوبّخت الولايات المتحدة علنًا من قبل كندا، أقرب حلفائها كما قوبلت مطالبها بشأن غرينلاند برفض أوروبي موحّد بدا أكثر حيوية وثقة.

قد يشعر المرء بالاشمئزاز من الاتحاد السوفياتي بسبب قمعه لتشيكوسلوفاكيا عام 1968 لكن من الصعب التقليل من جسامة الرهانات الأيديولوجية في ذلك السياق، فقد كانت موسكو تشعر بقلق حقيقي من أن نجاح التشيك في تحقيق ما أسموه (اشتراكية بوجه إنساني)- أي القدرة على التعبير العلني عن الرأي وامتلاك صحافة حرة والعيش في ظل نظام اقتصادي تقوم بنيته على نقابات عمالية أكثر استقلالية سياسيًا- سيؤدي إلى عدوى مدمّرة تنتشر بين حلفاء الاتحاد السوفياتي وتصل في نهاية المطاف إلى الداخل السوفياتي نفسه.
وما هو أسوأ من ذلك أن هذا التاريخ يُعاد اليوم لا بوصفه مأساة صريحة بل كمهزلة مأساوية، فمهما كانت تهديدات التلوث الأيديولوجي الناتجة عن الثورة التشيكية بغيضة فإنها شكّلت دافعًا متماسكًا- وإن كان قمعيًا- للتدخل السوفياتي، وهو ما يتناقض بحدة مع التخبط واللاانسجام في المبررات المتعددة التي يسوقها ترامب لمحاولته الاستحواذ على غرينلاند.
لقد اشتكى الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف بمرارة لنظيره التشيكي ألكسندر دوبتشيك من “الافتراءات المشينة” التي كان يطلقها الشعب التشيكي بحق الاتحاد السوفياتي، أما في دافوس فقد صدرت كل “الافتراءات” هذه المرة من زعيم التحالف نفسه، إذ وبّخ ترامب حلفاء واشنطن الأوروبيين محذرًا إياهم من أن الخطر الأكبر الذي يتهددهم لا يكمن في روسيا بل في هجرة البشر القادمين من العالم غير الأبيض، (وذلك في تجاهل صارخ لحقيقة أن روسيا- القوة الإمبريالية السابقة الساعية للثأر- تخوض حربًا وحشية ومكلفة للغاية لتوسيع أراضيها داخل حدود أوروبا ذاتها).
ادعى ترامب أنه بحاجة إلى امتلاك غرينلاند من أجل تعزيز دفاعات حلف شمال الأطلسي، وبالتالي حماية الغرب، في الوقت الذي يواصل فيه اتخاذ إجراءات تلو الأخرى لتقليص التزامات الولايات المتحدة تجاه الدفاع العسكري عن أوروبا. ولدعم مطالبه بشأن غرينلاند دأب ترامب على استحضار التهديدات التي تشكلها روسيا على الغرب، قبل أن يدعوها في الوقت نفسه للانضمام إلى مجلس السلام الغامض الذي اقترحه- وهو كيان رفضت الانضمام إليه واحدة تلو الأخرى ديمقراطيات أوروبية متعددة.
أما التهديد الآخر الذي استحضره ترامب فكان بطبيعة الحال الصين، غير أنه قوّض أي ادعاء متماسك يمكن أن يطرحه في هذا الشأن من خلال التباسه العميق تجاه الحكم الديمقراطي، وإصراره المتكرر والصادم على أن الوقود الأحفوري هو مفتاح ازدهار الغرب في المستقبل. في المقابل يدرك كل أوروبي- بمن فيهم صانعو السيارات الألمان الأشهر- أن الصين تتقدم بسرعة هائلة في قطاعات صناعات المستقبل الحقيقية، مثل السيارات الكهربائية والبطاريات المتقدمة ومصادر الطاقة المتجددة، كالرياح والطاقة الشمسية.
لا يزال من غير الواضح كيف ستتطور مستقبلًا أوضاع الغرب، غير أن ما يبدو مؤكدًا هو أن المشروع العابر للأطلسي الذي بدأ قبل نحو خمسة قرون- مع نقل ملايين الأفارقة المستعبَدين إلى العالم الجديد بما أتاح ترسيخ الاستيطان الأوروبي وجعله مجديًا اقتصاديًا- قد دخل مسارًا جديدًا محفوفًا بالشكوك بعد ثمانية عقود من القيادة الأميركية، ونتيجة للجراح العميقة التي خلّفتها حماقات ترامب الجيوسياسية في العلاقات السياسية والاقتصادية التي كانت يومًا ما متينة بين شعوب شمال الأطلسي، باتت حالة عدم اليقين تطغى على كل اتجاه.
في مدينة تلو الأخرى زرتها مع عائلتي عام 1968 خرج المواطنون الأوروبيون في مظاهرات حاشدة تنديدًا بغزو تشيكوسلوفاكيا، أما في أعقاب محاولة ترامب الاستيلاء على غرينلاند فقد كان قادة أوروبا أنفسهم هم من وقفوا هذه المرة، ويبدو أنهم بعد سلسلة من الإهانات المتلاحقة أدركوا أخيرًا أن الولايات المتحدة التي عرفوها واعتمدوا عليها في القيادة العسكرية والاقتصادية والسياسية قد اختفت، وربما لن تعود أبدًا على صورتها السابقة. فهل ستتمكن أوروبا من حشد الإرادة والقدرات اللازمة لبناء منظومة أمنية قوية بما يكفي لحماية نفسها من افتراس روسيا المستمر ومن نزعات ترامب الانتقامية؟ وهل ستصمد الديمقراطيات الأوروبية في وجه الانجراف اليميني المغري الذي يشهده جزء كبير من القارة، والذي شجّعته كل من روسيا وإدارة ترامب كلٌ بطريقته الخاصة؟ وهل ستدفع الصين العالم إلى مزيد من الارتداد التاريخي عبر استلهام نموذج ترامب للمطالبة بالهيمنة (الشرعية) على محيطها الإقليمي، والسعي لابتلاع غرينلاند؟ وإذا حدث ذلك فإن حربًا للسيطرة على تايوان ستُطيح بالبنية الأمنية لآسيا، وستشكل تحديًا مباشرًا للقوة الأميركية عالميًا بغض النظر عما إذا كانت واشنطن ستدافع عن الجزيرة أم لا.
وهل ستتمكن ما يُعرف بـ(القوى المتوسطة) بقيادة دول مثل كندا، من التقاط شظايا نظام عالمي يتداعى بسرعة، على النحو الذي دعا إليه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس؟ أم أنها لن تنجح إلا في تشكيل تحالفات صغيرة ظرفية ومؤقتة بالكاد تواكب تسارع الأحداث؟
وأخيرًا هل ستتمكن عشرات دول الجنوب العالمي- حيث يتركز الجزء الأكبر من سكان العالم- من شق طريق اقتصادي لها وسط الفوضى والهدر الناجمين عن اتساع رقعة الحروب والتصاعد المحموم في الإنفاق العسكري؟ إن هذا السؤال لا ينبغي التعامل معه كمسألة ثانوية، ولا سيما في ظل تزايد النزعة إلى تقليص المساعدات الاقتصادية ورفض الهجرة العالمية في الدول الغنية.
في عام 2017 تحدث الرئيس الصيني شي جين بينغ عن دخول العالم مرحلة (تغيرات كبرى لم يشهدها منذ قرن)، وكان يبدو آنذاك أنه يشير إلى تعزز العلاقات بين الصين وروسيا وإلى التراجع النسبي للغرب، في ذلك الحين بدا هذا التوصيف متعجرفًا أكثر من اللازم غير أن التآكل المتسارع في القيادة الأميركية، وما قد يطلقه من اضطرابات يجعل مقارنة الحاضر بعصر الحروب العالمية والكساد العظيم أقل مبالغة مما كانت تبدو عليه سابقًا.
* By Howard W. French, The Soviet Lessons for Trump’s Greenland Gambit, FOREIGN POLICY, January 23, 2026.



