الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
آفاق العلاقات السودانية المصرية في زمن الحرب

بقلم: الباحث محمد مكي الطاهر
السودان
تشهد العلاقات السودانية المصرية في ظل الحرب الدائرة في السودان منذ نيسان 2023، تحولات استراتيجية عميقة، تتجاوز الأبعاد الثنائية لتلامس تعقيدات التدخلات الإقليمية والدولية. تقليدياً، تتسم العلاقات بين السودان ومصر بعمق تاريخي وجغرافي وثقافي يربط بين البلدين بمصير مشترك، لا سيما فيما يتعلق بأمن حوض النيل. لطالما كانت مصر تعتبر استقرار السودان جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي، وهو ما يتجلى في العديد من الاتفاقيات والتحركات الدبلوماسية والعسكرية المشتركة. وفي سياق الحرب الحالية، برزت هذه العلاقة كركيزة أساسية في مواجهة التحديات التي تهدد وحدة وسلامة الأراضي السودانية.
إن الروابط بين شعبي وادي النيل ليست وليدة العصر الحديث، بل هي نتاج آلاف السنين من التفاعل الحضاري والامتزاج السكاني والتواصل التجاري والثقافي الذي جعل من نهر النيل شريان حياة يجمع ولا يفرق. هذا الإرث التاريخي الطويل، رغم مروره بفترات مد وجزر سياسي، يظل هو الأساس الذي تُبنى عليه الرؤى المشتركة لمواجهة الأخطار الوجودية. فمنذ ستينيات القرن الماضي، تعاملت القاهرة مع الملف السوداني باعتباره جزءاً محورياً من عقيدتها الأمنية، ليس فقط فيما يخص حدودها الجنوبية المباشرة، بل كامتداد للأمن الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

مع تصاعد وتيرة الحرب واتضاح أبعاد التدخلات الخارجية، أعلنت مصر بشكل صريح عن “خطوط حمراء” لا يمكن تجاوزها في الأزمة السودانية، مما يعكس تحولاً في لهجتها الدبلوماسية نحو مزيد من الحزم. أكدت الرئاسة المصرية أن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم العبث بمقدراته ومقدرات الشعب السوداني هي أحد أهم هذه الخطوط الحمراء. تعتبر القاهرة أن وحدة السودان وسلامة أراضيه خط أحمر مطلق، وترفض أي محاولات لتقسيم البلاد أو إنشاء كيانات انفصالية، مؤكدة دعمها الكامل لمؤسسات الدولة السودانية الشرعية، وفي مقدمتها القوات المسلحة السودانية، باعتبارها الضامن لوحدة واستقرار البلاد.
كما ترفض مصر بشكل قاطع إنشاء أي كيانات موازية للدولة، في إشارة واضحة إلى رفض الاعتراف بشرعية قوات الدعم السريع أو أي هيكل سياسي قد ينبثق عنها. هذا الموقف الحاسم لم يقتصر على التصريحات، بل اقترن بالتلويح بإمكانية تفعيل “اتفاقية الدفاع المشترك” الموقعة مع السودان عام 1976، والتي تم تجديدها ببروتوكولات عسكرية في 2021. تتيح هذه الاتفاقية، التي تنص على أن أي اعتداء على طرف هو اعتداء على الطرف الآخر، لمصر التدخل عسكرياً لحماية أمنها القومي وأمن السودان. إن هذا الإعلان لا يمثل فقط رسالة ردع للأطراف التي تسعى لتفتيت السودان، بل هو تأكيد على أن القاهرة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام انهيار الدولة على حدودها الجنوبية.
تلعب الإمارات العربية المتحدة الدور الخارجي الأكبر في الحرب السودانية، حيث تتهم حكومة السودان، منذ بداية الحرب، بشكل رسمي الإمارات بتقديم دعم عسكري ولوجستي واسع لمليشيا الدعم السريع، معتبرة ذلك “عدواناً” يهدف إلى تقويض الدولة السودانية. وتستند هذه الاتهامات إلى مجموعة من الأدلة والتقارير، منها الشكاوى الرسمية التي قدمها السودان لمجلس الأمن الدولي، والتي تتهم الإمارات بتسليح قوات الدعم السريع عبر جسر جوي يصل إلى مطار أم جرس في تشاد المجاورة، ومن ثم يتم نقل الأسلحة براً إلى دارفور ومناطق أخرى. وعلى الرغم من نفي الإمارات القاطع، فقد أثبتت الشواهد على الأرض وأشارت التقارير الصادرة عن لجنة خبراء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إلى وجود أدلة قوية على وصول الشحنات الأسلحة والمعدات العسكرية باستمرار إلى الدعم السريع عبر طرق إمداد معقدة تمر عبر دول مجاورة. كما رصدت منظمات دولية، مثل منظمة العفو الدولية، استخدام الدعم السريع لأسلحة متطورة، مثل مدافع الهاوتزر الصينية من طراز AH-4، والتي لم تكن ضمن ترسانة الجيش السوداني قبل الحرب، مما يعزز فرضية الحصول عليها من مصدر خارجي كالإمارات. هذا الدعم لم يقتصر على السلاح، بل امتد ليشمل الدعم المالي والسياسي والإعلامي، بهدف شرعنة المليشيا وتقديمها كطرف سياسي شرعي، وهو ما يتعارض بشكل مباشر مع قرارات مجلس الأمن الدولي التي تؤكد على وحدة السودان وسيادته.
يمثل الموقف المصري المتقدم تجاه الأزمة السودانية تقاطعاً معقداً للمصالح؛ فمن ناحية، تسعى مصر للحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع حلفائها في الخليج، بما في ذلك الإمارات، ومن ناحية أخرى، فإن انهيار الدولة السودانية أو سيطرة مليشيا عليها يمثل تهديداً وجودياً للأمن القومي المصري. هذا التهديد متعدد الأبعاد، فهو لا يقتصر على المخاطر الأمنية المباشرة على الحدود الجنوبية التي تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، بل يشمل أيضاً تداعيات كارثية على أمن مصر المائي، الذي يعتمد بشكل شبه كلي على نهر النيل. إن وجود دولة فاشلة أو مقسمة في السودان يفتح الباب أمام فوضى لا يمكن السيطرة عليها، وقد يؤثر على إدارة ملف سد النهضة والتوازنات المائية في حوض النيل.
يبدو أن القاهرة قد حسمت أمرها بأن خطر تفكك السودان يفوق أي اعتبار آخر. فالتلويح بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك لم يكن مجرد تصريح دبلوماسي، بل رسالة واضحة بأن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات تغيير طبيعة الدولة في جارتها الجنوبية. وهذا الموقف يضع مصر في حالة تضارب مصالح غير مباشر مع الدور الإماراتي في السودان، حتى وإن لم يتم الإعلان عن ذلك صراحة. لقد أدركت القيادة المصرية أن استقرار السودان تحت قيادة مؤسساته الوطنية الشرعية هو خط الدفاع الأول عن أمن مصر، وأن أي تسوية سياسية تمنح شرعية للمليشيات ستكون بمثابة قنبلة موقوتة تهدد المنطقة بأسرها.
لم تقتصر تداعيات الحرب في السودان على الجانب الأمني والسياسي، بل امتدت لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية عميقة أثرت بشكل مباشر على مصر. قبل الحرب، كان السودان يمثل عمقاً استراتيجياً وسوقاً واعدة للصادرات المصرية، وبوابة رئيسية للتجارة مع دول شرق ووسط أفريقيا. لكن الصراع أدى إلى شبه توقف للتبادل التجاري الذي كان يقدر بمئات الملايين من الدولارات سنوياً، مما أضر بالعديد من القطاعات الاقتصادية في مصر، خاصة تلك التي تعتمد على التصدير للسوق السوداني مثل مواد البناء والصناعات الغذائية والأجهزة الكهربائية.
بالإضافة إلى ذلك، أدت الحرب إلى موجة نزوح غير مسبوقة لملايين السودانيين، حيث عبر مئات الآلاف منهم الحدود إلى مصر بحثاً عن الأمان. ورغم أن مصر استقبلت الأشقاء السودانيين انطلاقاً من الروابط التاريخية والإنسانية، إلا أن هذا التدفق الكبير شكل ضغطاً إضافياً على الاقتصاد المصري الذي يواجه تحديات بالفعل، وزاد من العبء على الخدمات العامة والبنية التحتية.
برأي الباحث، فإن الموقف المصري الحالي يمثل بارقة أمل وركيزة أساسية لمواجهة العدوان الخارجي الذي يستهدف السودان. إن التقارب المصري السوداني، المبني على إدراك مشترك لحجم التهديدات، يمكن أن يتطور إلى تحالف استراتيجي متين قادر على إعادة فرض الاستقرار وحماية سيادة الدولة السودانية. إن نجاح هذا التحالف لا يخدم مصالح البلدين فحسب، بل يساهم في الحفاظ على الأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر بأكملها.
إن صمود القوات المسلحة السودانية، مدعوماً بموقف مصري حازم، يمثل خط الدفاع الأول ضد مخططات تفكيك السودان وتحويله إلى دولة فاشلة تسيطر عليها المليشيات. وتبقى المرحلة القادمة حاسمة في ترجمة المواقف السياسية إلى إجراءات عملية على الأرض تضمن هزيمة العدوان والحفاظ على السودان دولة موحدة وذات سيادة. إن مستقبل وادي النيل يعتمد اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على قدرة القاهرة والخرطوم على بناء شراكة حقيقية تتجاوز التحديات الظرفية وتؤسس لأمن واستقرار دائمين.



