الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

إعادة بناء الإستراتيجية الصناعية للأمة.. درس من التجارب الأميركية السابقة

 لقد أثبتت التجربة الأميركية نجاحها في الماضي لكن نهج ترامب الحالي خاطئ تماماً

بقلم: ماريا مازوكاتو

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس الشاهين

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

على مدى عقود تحدث العديد من صانعي السياسات الأميركية بأسلوب توماس جيفرسون بينما تصرفوا على غرار ألكسندر هاميلتون، فجيفرسون أول وزير للخارجية وثالث رئيس للولايات المتحدة كان مؤيدًا للحكومة المحدودة بينما دافع هاميلتون أول وزير للخزانة عن دعم الدولة الفاعل للصناعات الناشئة، لقد كان الخطاب السياسي في واشنطن الذي يمجد الأسواق الحرة ويقلل من دور الدولة خطاب جيفرسون، أما الواقع العملي فكان هاميلتونيًا فقد استثمرت الحكومة في مشاريع عززت القدرة التنافسية الأميركية والابتكار.

الأمثلة كثيرة بدءً من عام 1958 مولت وزارة الدفاع الأبحاث التي أدت إلى ظهور الإنترنت وكانت الوكالات العامة الأخرى مصدر جميع التقنيات الموجودة اليوم في الهواتف الذكية بما في ذلك نظام تحديد المواقع (GPS) والشاشات اللمسية ومساعد أبل الصوتي Siri واستثمارات المعاهد الوطنية للصحة (NIH)  والتي بلغ مجموعها مئات المليارات من الدولارات على مدى سنوات عديدة، أسست صناعات دوائية كاملة.

لقد وثقت هذا الديناميكية في كتابي الصادر عام 2013 بعنوان الدولة الريادية ولاحقًا في مقالة عام 2015 في (فورين افيرز) بعنوان الدولة المبتكرة، كانت الحكومة الفيدرالية مستعدة لتحمل المخاطر التي لا يجرؤ عليها رأس المال الخاص وصبورة بما يكفي لتمويل أبحاث تمتد لعقود، كما كانت بعيدة النظر بما يكفي لبناء الأسواق في طليعة الابتكار، لقد فهمت الحكومة أن رأس المال العام طويل الأمد والصبور هو وحده القادر على امتصاص عدم اليقين المرتبط بالأبحاث التحولية بينما يميل المستثمرون الخاصون المرتبطون بعوائد ربع سنوية إلى تقليل الاستثمار في الاختراقات التي تُفضي إلى نمو مستدام.

على مدى أربعة عقود أغفلت التعليقات الاقتصادية السائدة الدور الاستقرار المركزي الذي لعبته الدولة، وتجاهلت الإدارات المتعاقبة والأحزاب السياسية أدوات السياسة الصناعية معتبرة إياها غير فعالة اقتصاديًا أو مثيرة للريبة سياسيًا رغم أن الابتكار بقي يقوده القطاع العام، وكانت النتيجة اقتصادًا يظل فيه للدولة دور محوري في خلق القيمة لكن المكاسب غالبًا ما تُخصخص بسرعة. إذ أُضعفت المؤسسات المكلفة بتوجيه السياسات وتصميم عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص ورصد الأداء، ولم يُنشأ أي اتفاق متبادل يُلزم الشركات المستفيدة من الدعم العام بإعادة استثمار الأرباح وتوفير وصول ميسر للابتكارات، فالجمهور موّل المخاطر لكنه لم يحصل على عوائد عادلة أو وصول ميسر للابتكارات التي ساهمت ضرائبهم في إنشائها بينما استولى المستثمرون الخاصون على المكافآت. اليوم عادت السياسة الصناعية إلى صدارة الاهتمام، فقد كسر الرئيس جو بايدن أولاً التابو المحيط بالسياسة الصناعية عبر سلسلة من الإجراءات التشريعية التي تهدف إلى تحفيز الاستثمار الخاص في أشباه الموصلات والطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم، لكن إدارته وسعت الطاقة الإنتاجية دون ضمان وصول المكاسب إلى العمال والمواطنين على نطاق أوسع وساهم هذا القصور في تحقيق دونالد ترامب الفوز في انتخابات 2024.

 

 

وقد تبنت إدارة ترامب أيضًا السياسة الصناعية لكنها اتبعت نهجًا خاطئًا تمامًا، فبدلاً من تنظيم السياسة حول مهام محددة- أهداف عامة واضحة تحدد المشكلات المراد حلها والنتائج المتوقعة- تعاملت الإدارة مع السياسة الصناعية كمجموعة من الصفقات القطاعية ليتم الإعلان عنها فقط، وأزالت الشروط التي يمكن أن تضمن اجتماعية المكاسب العامة واستخدمت حصصًا ملكية غير مسبوقة في شركات مثل إنتل وMP Materials وLithium Americas  و”يو.إس. ستيل” ليس لتوجيه الاستراتيجية أو تأمين قيمة عامة بل للاستفادة منها بأثر رجعي. وستفشل السياسة الصناعية اقتصاديًا وسياسيًا ما لم تُنظَّم حول مهام واضحة تخلق قيمة عامة فالتركيز والانضباط ضروريان لتوجيه الاستثمار والابتكار والتنظيم والمشتريات العامة نحو نتائج محسوسة في حياة الناس، وتحقيق مهمة محددة يتطلب مؤسسات قادرة تمتلك الخبرة لتصميم العقود والتنسيق بين الإدارات واستخلاص الدروس من النتائج، كما يتطلب شروطًا ملزمة على الدعم الحكومي لضمان أن تعيد الشركات المستفيدة الاستثمار بدل الاستخلاص وأن تقدّم أجورًا وتدريبًا أفضل بدل الانحدار نحو الأسوأ وأن تنتج سلعًا وخدمات ميسورة بدل الاحتكار ورفع الأسعار، فحين تقوم الدولة بتجسيد المخاطر عبر التمويل العام يجب أن يشارك الجمهور في المكاسب الناتجة.

 

الشعور بالمهمة الوطنية

تطلب الوصول بالولايات المتحدة إلى القمر في عام 1969 جهود حوالي 400 ألف شخص معظمهم من القطاع الخاص، وقد قامت الحكومة بتحديد الاتجاه من خلال وضع مهمة واضحة وتصميم عقود شراء عامة حفّزت الابتكار، لقد عملت الدولة كمنظم للسوق مستثمرة في المخاطر التي يتجنبها القطاع الخاص وصابرة خلال دورات تطوير طويلة وخلقت الطلب بشكل استراتيجي، وكانت النتيجة ليست مجرد هبوط مركبة أبولو على سطح القمر بل شملت أيضًا نظام تحديد المواقع والشاشات اللمسية وحليب الأطفال وعزل المنازل والكاميرات المحمولة- كلها ابتكارات من القطاع الخاص استفاد منها الجمهور. ورغم أن التدخل الحكومي في السوق فقد شعبيته في العقود اللاحقة فإن الابتكار بقي بقيادة الحكومة الأميركية موجودًا، فمثلاً منذ عام 2018 استثمرت وكالة مشاريع البحوث المتقدمة التابعة لوزارة الدفاع أكثر من ملياري دولار في حملة لتطوير الذكاء الاصطناعي مما ساهم بشكل كبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي الحالية، وقد تم تقليد هذا النموذج لاحقًا من قبل وزارات الطاقة والصحة وغيرها.

لكن هذه البرامج لم تحقق مكاسب كاملة للشعب الأميركي الذي لم يحصل على عوائد تتناسب مع الاستثمارات عالية المخاطر التي موّلها، على سبيل المثال تلقت شركة سولندرا للطاقة الشمسية ضمان قرض بقيمة 535 مليون دولار وأفلست بينما حصلت شركة تسلا للسيارات الكهربائية على قرض بقيمة 465 مليون دولار وسددته قبل موعده بتسع سنوات، بين صرف القرض وسداد الدين ارتفع سعر سهم الشركة من 17 إلى 93 دولارًا، لو أن الحكومة امتلكت حصة في نجاح تسلا لكانت هذه العوائد غطت خسارة سولندرا مرات عدة ومولت استثمارات لاحقة في الطاقة النظيفة، لكن الإدارة لم تطلب ذلك متجاهلة منطق الاستثمار بعض المشاريع تفشل لكن الأرباح من المشاريع الناجحة تمول الجولات التالية. قدمت سياسة بايدن الصناعية نتائج أكثر وضوحًا بما في ذلك استثمارات خاصة كبيرة في قطاع التصنيع، فقد ولدت الاستثمارات الحكومية في سلاسل توريد أشباه الموصلات والطاقة النظيفة والتصنيع المتقدم أكثر من 200 مليار دولار استثمار خاص وخلقت أكثر من 80 ألف وظيفة، وقد وزعت المشاريع والوظائف على المجتمعات في جميع أنحاء الولايات المتحدة بما في ذلك مناطق كانت مهمشة تاريخيًا عن فوائد النمو في القطاعات التقنية.

في عام 2022 شجعت القوانين الجديدة لإعادة بناء قدرة إنتاج أشباه الموصلات محليًا شركة تصنيع تايوانية للاستثمار بمبلغ 40 مليار دولار في ولاية أريزونا- أكبر استثمار مباشر أجنبي في تاريخ الولايات المتحدة، كما حافظت الإدارة على الرسوم الجمركية ورفعت معدلات الرسوم على المنتجات المستوردة المرتبطة بالإنتاج الصناعي ربطًا صريحًا بين الحماية والاستثمار المحلي، وكانت هذه سياسة صناعية على نطاق لم يُشاهد منذ التعبئة الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية عندما استخدمت الحكومة المشتريات العامة واسعة النطاق والتخطيط والاستثمار لبناء صناعات استراتيجية بسرعة.

 

الأهم من ذلك أن نهج بايدن طرح سؤالًا لم يُعالج سابقًا ما الفائدة المباشرة للشعب؟ ما المكاسب التي سيشعر بها المواطنون بعيدًا عن مجرد الابتكار؟ فقد أدرجت وزارة التجارة في العقود بنودًا تهدف إلى الحد من تحويل الدعم العام إلى أرباح خاصة، وضمان فائدة عامة تشمل الالتزام بمعايير العمل والتدريب المهني ورعاية الأطفال للعمال في مواقع البناء بالإضافة إلى آليات لمشاركة الأرباح الطارئة واسترداد الأموال إذا فشلت الشركات في الالتزام. اعترفت الإدارة بأن التمويل العام لا ينبغي أن يكون مجرد تحويل دون شروط من الشعب إلى الشركات الخاصة، بل يجب أن يكون أداة لتوجيه نتائج أكبر وضمان أن الشركات المستفيدة تعيد الاستثمار في القدرات الإنتاجية وترفع معايير العمالة، وتنتج ابتكارات تتحقق فيها الفائدة المباشرة للأسر.

ومع ذلك أظهرت تجربة بايدن سبب عدم كفاية الاعتماد على إعلانات الاستثمار وحدها لتقييم السياسة الصناعية فقد ركزت على التصنيع دون مراعاة توزيع الوظائف بين القطاعات المختلفة، مصانع أشباه الموصلات كثيفة رأس المال لكن الأتمتة تعني أن التصنيع لن يكون مرة أخرى قطاعًا يمتص العمالة كما كان سابقًا وستوفر المرافق الجديدة في أريزونا نحو 6 آلاف وظيفة فقط، إن استراتيجية تركز على إنتاج الأشياء المادية تهمل القطاعات التي يعمل فيها معظم الأميركيين مثل البيع بالتجزئة والرعاية الصحية والتعليم وأعمال الرعاية.

والأهم من ذلك أن زيادة الإنتاج لا توازي توزيع الازدهار فالقوانين تركز على القدرة الإنتاجية وليس على قدرة الأميركيين على تحمل تكاليف المنتجات، وتستثمر الحكومة مليارات الدولارات سنويًا في أبحاث تؤدي إلى أدوية وتقدمات حيوية ومع ذلك لا يستطيع المواطنون شراء الأدوية التي ساهموا في تمويل تطويرها، وخسرت الديمقراطيون جزئيًا لأن الشعب لم يشعر بفوائد السياسة الصناعية بينما واجهت الأسر ارتفاعًا في أسعار الغذاء والسكن والرعاية الصحية وظل الرابط بين خلق الثروة والازدهار المعيشي ضعيفًا.

 

 

النموذج الاستخراجي

يعتمد ترامب حاليًا على أدوات السياسة الصناعية مثل الحصول على حصص ملكية في الشركات والرسوم الجمركية والاستثمارات المشروطة ولكن بدون استراتيجية وطنية متماسكة أو قدرة مؤسسية تجعل هذه الأدوات فعّالة، فقد تُتيح حصص الملكية ضمان عوائد عامة من الاستثمار العام والرسوم الجمركية تحمي القطاعات الناشئة والدعم المشروط يمكن أن يوجّه سلوك الشركات نحو الصالح العام، لكن في يد ترامب تُستخدم هذه الأدوات أقل كجزء من استراتيجية اقتصادية وطنية وأكثر كوسائل للضغط ونشر النفوذ.

خذ على سبيل المثال شركة إنتل حصلت الحكومة على حصة عشرة بالمئة في الشركة ليس لأن الحكومة ساهمت في إنشائها- فالشركة تأسست في عام 1968 واستفادت منذ ذلك الحين من عقود وبرامج تمويلية طويلة الأمد- بل بتحويل منح قانون CHIPS  التي كانت الشركة مؤهلة لها إلى حصص ملكية، والأسوأ أن الاستثمار الحكومي البالغ 5.7 مليار دولار مرتبط بأسهم غير مصوتة ما يعني أن الحكومة مُلزَمة بالتصويت بما يتوافق مع توصيات مجلس إدارة إنتل وهو ما يلغي أي إشراف استراتيجي حقيقي، يمنع هذا الاستثمار الشركة من فصل أعمال تصنيع الرقائق غير المربحة ليصبح بذلك مجرد استخلاص للقيمة من شركة ساعدت الدولة على بنائها بدلاً من تمويل جيل جديد من الابتكار.

الأمر الأكثر خطورة هو ما أُزيل أثناء إعادة التفاوض فالتزامات إنتل التطوعية لمدة خمس سنوات بعدم إعادة شراء الأسهم أُلغيت وكذلك معايير العمل التي تتطلب التعاون مع النقابات والتزامات التدريب المهني بقيمة 150 مليون دولار وأحكام رعاية الأطفال للعمال في مواقع البناء، كما أُلغيت آليات مشاركة الأرباح والاحتفاظ بحق الاسترداد، كما قالت السيناتورة إليزابيث وارن من ماساتشوستس فإن مصانع الرقائق المدعومة “لا يلزم حتى بناؤها داخل الولايات المتحدة”، وما تبقى هو مجرد استخلاص للقيمة مع فوائد قليلة للعمال أو المجتمعات المحلية أو المال العام. ويمتد هذا النمط إلى ما هو أبعد من إنتل فقد وصف ترامب قانون CHIPS بأنه “أمر فظيع جدًا” وحث الكونغرس على “إلغائه”، كما خططت إدارته لتقليص 497 وظيفة في المعهد الوطني للمعايير والتقنية المسؤول عن تنفيذ القانون بينما يسعى في الوقت نفسه إلى حصص ملكية في الشركات نفسها التي يمولها القانون- مما يؤدي إلى خصخصة المكاسب على المدى القصير مع تفكيك القدرات المؤسسية التي وفرت الابتكار الأميركي في المقام الأول، المنطق هنا هو الاستخلاص دون خلق الحصول على حصص في شركات تم بناؤها عبر عقود طويلة من الاستثمار العام بينما تُجهَّز الوكالات الحكومية التي ستبني الجيل القادم من المبتكرين. كما توفر حصص الملكية فرصًا للتلاعب في السوق إذ يمكن لإعلانات الحكومة أن تحرك الأسعار بشكل كبير، فعندما انكشف الخبر بأن الحكومة تخطط للحصول على حصة في شركة Lithium Americas ارتفعت الأسهم بنسبة 95 بالمئة في يوم واحد، وفي الوقت نفسه لم يحصل العمال الذين ساهمت أيديهم وأموال الضرائب في الاستثمار العام على أي شيء.

وتتبع الرسوم الجمركية نفس المنطق فبدلاً من أن تكون مرتبطة بخطة متماسكة لبناء القدرات المحلية تُستخدم كأداة تفاوضية في المفاوضات الثنائية وغالبًا تستهدف سلعًا لا يمكن للولايات المتحدة إنتاجها بسهولة محليًا ما يرفع التكاليف دون بناء قدرة إنتاجية حقيقية، فقد قدّر اتحاد التكنولوجيا الاستهلاكية أن الرسوم المقترحة على الهواتف الذكية من الصين سترفع تكلفة كل جهاز بمقدار 213 دولارًا، وارتفع سعر القهوة إلى مستوى قياسي بلغ 8.41 دولارًا للرطل في تموز بزيادة 33 بالمئة عن العام السابق قبل أن تُستثنى بعض السلع التي “لا يمكن إنتاجها محليًا” كما أقر ترامب، أما الرسوم على الأدوية فستؤثر على سلاسل الإمداد المتوترة بالفعل ما يرفع الأسعار أو يقلل التوافر في حين تراجعت فرص العمل في المصانع الأميركية بأكثر من 40 ألف وظيفة منذ نيسان- وهو عكس الهدف المعلن للرسوم. والأكثر تدميرًا أن الإدارة قامت بتفكيك الوكالات المسؤولة عن ريادة الولايات المتحدة في التكنولوجيا، فحتى مع دعوة ترامب إلى زيادة غير مسبوقة في الإنفاق الدفاعي تواجه الحسابات المخصصة للبحث العلمي والتكنولوجي في وزارة الدفاع- التي تمول البحوث الأساسية والتطبيقية- اقتراح تخفيض بنسبة عشرة بالمئة من 21.3 مليار دولار إلى 19.2 مليار دولار.

 

توضح هذه السياسات نموذجًا مميزًا أدوات السياسة الصناعية تُستخدم دون هدف عام واضح خارج أي إطار يربط الاستثمار بنتائج قابلة للقياس، تُطبق دون شروط ملزمة تلزم الشركات المستفيدة بإعادة الاستثمار وتحسين معايير العمالة وتوسيع الوصول الميسر وتقاسم العوائد عند نجاح المشاريع، هذا ليس “دولة ريادية” توجه الأسواق نحو الازدهار المشترك بل دولة تسعى إلى استخراج المكاسب والسلطة من الشركات المدعومة عامًة لصالح المستثمرين الخاصين والمصالح السياسية، بعد أن تحمل دافعو الضرائب المخاطر.

 

تحقيق الازدهار العام

الإجراءات التي أطلقتها إدارة ترامب لن تؤسس الأنظمة العامة القوية والمجهزة بالموارد اللازمة لدفع الابتكار بما يحقق ازدهارًا واسع النطاق، فالأدوات المرتبطة بالسياسة الصناعية يمكن أن تكون فعّالة للغاية لكنها تعمل بكامل طاقتها فقط حين تكون مدمجة ضمن مؤسسات كفؤة وتستخدم لمعالجة المشكلات الوطنية الحقيقية، لا كمجرد وسيلة لمكافأة ذوي النفوذ أو أصحاب الوصول الخاص. لكي تحقق السياسة الصناعية نتائج ملموسة للشعب الأميركي يجب على الإدارة الحالية فرض الانضباط على المستفيدين من قانون CHIPS ، فالنهج الحالي الذي يقتصر على الحصول على حصص ملكية دون حق التصويت ودون شروط واضحة ودون التزام بإعادة الاستثمار لن يحقق أي عائد حقيقي لدافعي الضرائب. ترامب يخاطب مطالب الطبقة العاملة ويمكن للسياسة الصناعية أن تقدم لهم فوائد حقيقية، ولكن ذلك يتطلب أن تضمن العقود تحويل الاستثمار العام إلى تحسين الأجور وتوفير احتياجات أساسية بأسعار معقولة لا مجرد رفع قيمة الأسهم، ففرض شروط على الدعم الحكومي ليس عبئًا بيروقراطيًا بل هو آلية لضمان تحقيق قيمة عامة ملموسة.

تتمثل الفاعلية الحقيقية للاستراتيجية الصناعية في توجيه الاستثمار العام نحو مشاريع وطنية كبرى تشبه “رحلات القمر الحديثة” أي مهام واضحة الأهداف تحدد المشكلات المطلوب حلها والنتائج المرجوة، وقد يشمل ذلك بناء نظام طاقة نظيفة ومرن يخفض تكاليف المعيشة وتأمين أدوية بأسعار معقولة من ابتكارات طبية موّلتها الدولة أو تجديد البنية التحتية الحيوية لضمان تقديم الخدمات الأساسية بشكل موثوق ومتاحة لجميع المواطنين، فالأمر لا يقتصر على زيادة الأرباح في قطاع محدد بل يتعلق باستخدام أدوات الدولة- من تمويل ومشتريات عامة وتنظيم ومعايير – لتوجيه الابتكار نحو نتائج محسوسة وملموسة في حياة الناس.

المطلوب اليوم ليس التخلي عن السياسة الصناعية بل جعلها تعمل لصالح الشعب، بعض الآليات مثل تحديد سقف أسعار الأدوية المطورة بمساهمات عامة يمكن أن تساعد الأسر على الاستفادة من الابتكارات الممولة حكوميًا بأسعار معقولة، كما يمكن لآليات مشاركة الأرباح- مثل حصص الملكية وحقوق الترخيص والإتاوات- أن تضمن إعادة توجيه جزء من العوائد إلى الاستثمارات المستقبلية، ومنع إعادة شراء الأسهم يضمن ألا تُحوَّل المكاسب العامة إلى توزيعات للمساهمين بل تُستثمر في تعزيز القدرات الإنتاجية والبنية التحتية كما تضمن شروط الأجور استفادة العمال بشكل مباشر من الأموال العامة.

الانقسام الحقيقي في واشنطن لم يعد بين الخطاب الشبيه بجيفرسون والممارسة الشبيهة بهاميلتون بل بين دولة ريادية تبني القدرات وتخلق قيمة عامة ملموسة ودولة توزع الدعم لمجرد مكافأة المستثمرين الخاصين والمصالح السياسية على حساب دافعي الضرائب وتضعف المؤسسات التي يقوم عليها الازدهار طويل المدى، فالعلامة الحقيقية للصفقة الجيدة لا تكمن في حصص ملكية تثير العناوين أو فرض رسوم جمركية جديدة بل في مدى استخدام الأدوات العامة لبناء قدرة إنتاجية حقيقية ومرونة اقتصادية، ومدى ارتباط الدعم العام بنتائج ملموسة للأسر العاملة.

إعلان الاستثمار ليس هو نفسه تحقيق الازدهار، ولكي تنجح السياسة الصناعية يجب على صانعي القرار مواءمة التمويل والمشتريات العامة والتنظيم والابتكار مع أهداف عامة واضحة ثم صياغة السياسات بشروط قابلة للتنفيذ تضمن تحسين الأجور وتوفير السلع والخدمات الأساسية بأسعار معقولة وتحقيق عوائد يمكن إعادة استثمارها في الابتكارات المستقبلية، بهذه الطريقة يضمن الاستثمار العام أن الشعب يستفيد مباشرة من المكاسب الناتجة عن أي دعم حكومي.

 

* Mariana Mazzucato, Making Industrial Strategy Great Again It Has Worked for America Before, but Trump’s Approach Is All Wrong, FOREIGN AFFAIRS, January 28, 2026.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى