الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
الإلغاء القضائي لنظرية أعمال السيادة في العراق
دراسة تحليلية في ضوء قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (212) لسنة 2026

بقلم: د. مصدق عادل
كلية القانون/ جامعة بغداد
سبق وأنْ طلب رئيس مجلس الوزراء/ إضافة لوظيفته من المحكمة الاتحادية العليا تفسير نص المادة (100) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 لبيان مدى إمكانية استثناء بعض قرارات مجلس الوزراء التي تصنف على أنها “أعمال السيادة” من الطعن القضائي أمام المحكمة الاتحادية العليا وفقاً لأحكام المادة (93/ثالثاً) من الدستور، وأصدرت المحكمة قرارها المرقم (212/اتحادية/2025) في 26 كانون الثاني 2026 المتضمن “إنَّ نص المادة (10) من قانون التنظيم القضائي رقم (160) لسنة 1979 المعدل الذي كان يمنع القضاء من النظر في كل ما يعد من أعمال السيادة كان قد ورد في ظل النظام السياسي السابق وقبل صدور دستور جمهورية العراق لسنة 2005 الذي أورد نصاً دستورياً صريحاً منع فيه تحصين أي عمل أو قرار إداري من الطعن استناداً لأحكام المادة (100) منه”.
ومن اجل تحليل المقصود بأعمال السيادة، وكذلك حدود سلطة المحكمة الاتحادية العليا عند نظرها في الطعون المتعلقة بقرارات مجلس الوزراء ذات العلاقة بأعمال السيادة، وبيان الابعاد الاستراتيجية لقرار المحكمة لذا سنتناول ذلك تباعاً كالاتي:
أولاً: تعريف أعمال السيادة
ينصرف معنى “أعمال السيادة” إلى تلك القرارات والأعمال المتخذة من قبل السلطة التنفيذية والتي يتم استبعادها من رقابة القضاء، وذلك بسبب تمتعها بمواصفات تميزها عن الأعمال الإدارية العادية التي تخضع للطعن القضائي.
ولقد تم تحديد ثلاث معايير لتحديد أعمال السيادة منها “معيار الباعث السياسي” حيث يوصف عمل السلطة التنفيذية بأنه سيادي في حالة تعلقه بحماية حقوق المجتمع أو الحكومة في مواجهة اعدائها في الداخل والخارج.
فيما ذهب اخرون الى تبني “معيار طبيعة العمل الذاتية”، حيث تقسم أعمال السلطة التنفيذية الى “الوظيفة الحكومية” التي ينطبق عليها وصف اعمال السيادة، حيث تشمل جميع القرارات التي تظهر فيها الحكومة أداة حكم تتولى إدارة ورعاية المصلحة العليا للبلد وأمنها الداخلي والخارجي كما في علاقتها مع الدول الأخرى، اما “الوظيفة الإدارية” فلا تنطبق عليها وصف اعمال السيادة.
أما المعيار الأخير فهو “معيار القائمة القضائية”، حيث يستقل القضاء بتحديد ما يعتبر من اعمال السيادة من عدمه، والتي تشمل الآتي:
-
الأعمال المتعلقة بعلاقة السلطة التنفيذية بالبرلمان: مثالها قرارات دعوة البرلمان للانعقاد، أو حل البرلمان، أو حق اقتراح القوانين من قبل السلطة التنفيذية، أو قرار دعوة الناخبين للانتخاب.
-
الأعمال المتعلقة بعلاقة السلطة التنفيذية بالدول الأخرى في القانون الدولي: مثالها المعاهدات الدولية، واعتماد الممثلين الدبلوماسيين، وطرد الممثلين الدبلوماسيين، وإعلان الحرب.
-
بعض التدابير الخاصة بسلامة الدولة وأمنها الداخلي.
ولقد اخذ قانون التنظيم القضائي رقم (160) لسنة 1979 المعدل بفكرة اعمال السيادة، حيث تنص المادة (10) منه ” لا ينظر القضاء في كل ما يعتبر من أعمال السيادة”.
ثانياً: تحليل قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (212) لسنة 2026
بالرجوع الى قرار المحكمة الاتحادية العليا نجد انه تمسك بالتفسير الحرفي للمادة (100) من الدستور التي تنص “يحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل او قرار اداري من الطعن”.
وبهذا يتضح من القرار انه المحكمة رفضت استثناء قرارات الحكومة ذات الصفة السيادية من الطعن القضائي فيها، حيث استندت المحكمة الى العديد من الأسس الاتية:
-
الاخذ بالتفسير الواسع لنص المادة (100) من الدستور التي جاءت بصورة مطلقة ولم تمنع المحاكم من النظر في أي طعن مقدم امامها.
-
إضفاء الطبيعة الإدارية على ما يعرف بـ”اعمال السيادة” الصادرة من مجلس الوزراء، حيث وصفتها المحكمة بانها اعمال إدارية بطبيعتها، ولا تختلف عن أي عمل اداري اخر من حيث وجوب خضوعه للطعن.
-
ان الإقرار باستثناء اعمال السيادة من الرقابة القضائية يعد خروجاً على مبدأ المشروعية في الدولة.
-
الاستناد لمبدأ سيادة القانون المكرس وفق المادة (5) من الدستور، حيث ان احترام سيادة القانون وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم لا يستقيم الا بالاحتكام لمبدأ سيادة القانون باعتباره الضامن للحقوق والحريات.
-
الاستناد لمبدأ كفالة حق التقاضي المكفول وفق المادة (19/ثالثاً) من الدستور العراق، حيث ان استثناء اعمال السيادة من الطعن القضائي يفسر على انه انتقاصاً من حق المواطن في اللجوء الى القضاء “حق التقاضي”.
-
الاستناد لمبدأ سمو الدستور المقرر في المادة (13) من الدستور العراقي التي تنص ” اولاً: يعد هذا الدستور القانون الاسمى والاعلى في العراق، ويكون ملزماً في انحائه كافة وبدون استثناء”.
-
الاستناد الى الإلغاء الضمني للمادة (10) من قانون التنظيم القضائي رقم (160) لسنة 1979 بالمادة (100) من الدستور التي حظرت النص على تحصين أي عمل او قرار من الطعن القضائي، ويشمل ذلك اعمال السيادة.
ثالثاً: الابعاد الاستراتيجية لقرار المحكمة الاتحادية العليا بإلغاء اعمال السيادة في العراق
يعد قرار المحكمة الاتحادية العليا من القرارات الكبرى التي حاولت إيقاف تغول وهيمنة حكومة تصريفها الاعمال على مبدأ الفصل بين السلطات فيما يتعلق باضفاء صفة “اعمال السيادة” على بعض القرارات الصادرة من مجلس الوزراء، حيث استند مجلس الوزراء الى العديد من الحجج التي لم تقف صامدة امام قرار المحكمة.
ويمكن القول انه لا يمكن النظر الى قرار المحكمة الاتحادية العليا على انه مجرد قرار جاء كاشفاً لمبدأ دستوري وهو حظر تحصين أي عمل او قرار اداري من الطعن امام القضاء وفق المادة (100) من الدستور، حيث ان الواقع السياسي لممارسة السلطة من قبل مجلس الوزراء، فضلاً عن ان العبارات التي تضمنها طلب التفسير من قبل الجهة حاولت إضفاء الاعتبارات السياسية على طبيعة بعض قرارات الحكومة منتهية الولاية من اجل استبعادها من رقابة القضاء الدستوري، وتحصينها من الطعن بعدم صحتها من قبل المحكمة الاتحادية العليا وفق المادة (93/ثالثاً) من الدستور، فما كان من المحكمة الا ان الزمت مجلس الوزراء بضرورة الالتزام بمبدأ سيادة القانون، ومبدأ سمو الدستور، ومبدأ حق كل شخص في اللجوء الى القاضي الطبيعة.
ولقد شكل قرار المحكمة نقلة نوعية في التطبيق السليم لنصوص الدستور، وذلك من خلال نقل هذه المبادئ الدستورية من واقعها النظري المجرد الى الواقع العملي في ممارسة السلطة، واعتبارها من القيود المفروضة على رئيس وأعضاء مجلس الوزراء عند اصدار القرارات وفقاً لاحكام المادة (80/ثالثاً) من الدستور.
كما ان قرار المحكمة الاتحادية العليا ساهم في تصويب المسار غير الدستوري الذي حاولت حكومة تصريف الاعمال التحجج به من خلال مطالبتها بإخراج بعض القرارات ذات الطبيعة السياسية الخاصة من رقابة المحكمة الاتحادية العليا، حيث اعتبرت المحكمة القرارات الصادرة من مجلس الوزراء بانها “قرارات ذات طبيعة اتحادية” ولا علاقة لها من قريب او بعيد باعمال السيادة التي تعد من موروثات النظام السياسي البائد.
وبهذا فان المحكمة ساهمت في قرارها المذكور في تنقيح المنظومة القانونية والإدارية العراقية من النظريات التي صادرت الحقوق والحريات الموروثة في ظل النظام السياسي البائد الذي أقامه دستور 16 تموز 1970 الملغى، وهو الامر الذي يمكن معه اعتبار المبدأ الذي جاء به قرار المحكمة يشكل صورة من صور الحماية الدستورية والقضائية العامة للحقوق والحريات المنصوص عليها في دستور جمهورية العراق لسنة 2005، حيث أن مؤدى ذلك اخضاع جميع اعمال الإدارة ممثلة بمجلس الوزراء للطعن القضائي بشأن صحة ومشروعة القرارات المتخذة، سواء اتخذت اثناء تمتع الحكومة بكامل الصلاحيات الدستورية الممنوحة لها أو بعد انتهاء ولاية الحكومة وتحولها الى حكومة تصريف الاعمال.
ولعلنا لا نغالي اذا ما وصفنا قرار المحكمة الاتحادية العليا بأنه صورة من صور الرقابة غير المباشرة على المشروعية الاستثنائية لقرارات الحكومة، وبالأخص في ظل تحول الحكومة الى حكومة تصريف الاعمال، وهو الامر الذي يمكن معه القول ان قرار المحكمة شكل السدّ المنيع أمام محاولات تحصين قرارات مجلس الوزراء من الطعن، أي: ان قرار المحكمة كرس ضمانات قضائية مهمة لحماية الحقوق والحريات والاقرار القضائي الصريح بإلغاء ما يعرف بـ”اعمال السيادة” في التشريع العراقي.




