الاكثر قراءةترجماتغير مصنف
“إسرائيل” بعد الحرب.. هل سيحاسب الناخبون نتنياهو أم يدعمونه أكثر؟

بقلم: ديفيد إي. روزنبرغ
ترجمة: صفا مهدي عسكر
تحرير: د. عمار عباس الشاهين
مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
مع دخول الهدنة بين “إسرائيل”* وحماس شهرها الثاني وتحت ضغط شديد يمارسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحفاظ عليها يبدو أن وقف إطلاق النار سيستمر، عشرات الآلاف من الاحتياطيين عادوا إلى منازلهم وأعمالهم توقفت صفارات الإنذار الخاصة بالصواريخ وعاد آخر الرهائن إلى أسرهم، وبهذا يمكن القول إن “إسرائيل” بدأت مرحلة ما بعد الحرب. ومن المنطقي أن يبدأ مع ذلك تقييم شامل لما جرى خلال هذا النزاع الطويل والدموي، وقد يفضي هذا التقييم إلى تغيير في المسار السياسي ربما باتجاه الابتعاد عن سياسات رئيس الوزراء “الإسرائيلي” بنيامين نتنياهو غير الليبرالية، أو على نحو أقل احتمالًا نحو فتح صفحة جديدة للتسوية مع الفلسطينيين.
أوضح الطرق لبدء هذا التقييم سيكون تشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات إدارة الأزمة التي أدت إلى مذبحة 7 تشرين الأول 2023 والحرب التي تلتها، هذه هي الطريقة التقليدية التي تعتمدها “إسرائيل” للوصول إلى حكم شبه رسمي حول المسؤوليات الوطنية كما حدث بعد حرب يوم الغفران، لكن نتنياهو الذي لم يتحمل أي مسؤولية عن أحداث 7 تشرين الاول رفض حتى الآن النظر في تشكيل مثل هذه اللجنة. المجال الآخر لمناقشة الحرب وتداعياتها وتحديد مسار البلاد للسنوات المقبلة، سيكون الانتخابات العامة التي ينص القانون على إجرائها في موعد أقصاه تشرين الاول 2026، ويبدو أن رئيس الوزراء عازم أيضًا على تأجيل هذه المحاسبة السياسية.
من الصعب تصور أن الحرب لن تؤدي إلى تغييرات جوهرية، فقد كانت الأطول في تاريخ “إسرائيل” وواحدة من الأكثر دموية إذ أسفرت عن حوالي 2,000 قتيل بينهم نحو نصف الجنود ونصف المدنيين، وأسهمت فترة احتجاز الرهائن الطويلة إضافة إلى شعور الجمهور بتجاهل الحكومة لمصيرهم في إثارة قلق متواصل على المستوى الوطني، كما كانت الشجبات الدولية للحرب غير مسبوقة وشعر “الإسرائيليون” بها شخصيًا أحيانًا خاصة عند السفر إلى الخارج ورغم أن معظم “الإسرائيليين” لم يتأثروا بالحصيلة البشرية الفلسطينية المروعة والدمار الهائل في غزة فإن هذه الوقائع قد تثير الآن وازع الضمير وتطرح تساؤلات صعبة مع انحسار الغضب المباشر.
ومع ذلك تشير استطلاعات الرأي إلى أن الهدنة لم تُحدث أي تأثير سياسي ملموس بعد، فاستطلاعات الرأي القليلة التي أُجريت منذ دخول وقف النار حيز التنفيذ أظهرت تحسّنًا طفيفًا جدًا في دعم الكتلة المؤيدة لنتنياهو المكونة من حزبه “الليكود” إضافة إلى حزبين من أقصى اليمين وحزبين متشددين يهوديين، ولم تشهد المعارضة أي تغيير دراماتيكي في دعمها العام الذي يضعها متقدمة على الائتلاف لكنها لا تملك أغلبية في الكنيست من دون دعم الأحزاب العربية، وبالفعل على الرغم من كل ما حدث خلال العامين الماضيين وتغير حظوظ الأحزاب الفردية فإن التوازن بين الكتلتين لم يتغير بشكل كبير مقارنة بما قبل 7 تشرين الأول.
في ضوء نتائج الاستطلاعات من المرجح أن يفضل نتنياهو تأجيل الانتخابات حتى تشرين الاول المقبل، على أمل أن ينسى الجمهور مسؤولية حكومته وأدائها الحربي، لكن فرص إبقاء الحكومة قائمة طوال هذه الفترة باتت تتضاءل بشكل واضح. إذ انسحبت الأحزاب المتشددة الحريدية “يهودية التوراة المتحدة” و”شاس” من الائتلاف احتجاجًا على فشل الحكومة في تمرير قانون يعفي مجتمعهم من التجنيد ما ترك الحكومة بلا أغلبية في الكنيست، كما أصبح حزبَي اليمين المتطرف “الصهيونية الدينية” و”أوتزما يهوديت” أكثر صخبًا منذ بداية الهدنة، متجاهلين اعتراضات نتنياهو على التصويت لصالح مشروع قانون يطالب بضم الضفة الغربية.
حتى إذا قرر نتنياهو الاستمرار كرئيس حكومة أقلية فإنه يواجه مهلة 31 اذار لتمرير ميزانية 2026، وإلا وجب بحكم القانون حل الحكومة وإجراء انتخابات خلال 90 يومًا، ورغم مهاراته السياسية غير المسبوقة ستواجهه صعوبة كبيرة في السيطرة على كل هذه التحديات في الوقت نفسه. من وجهة نظره خيارات نتنياهو محدودة، أحدها أن يغادر الساحة السياسية مع الحفاظ على هيبته إلى حد ما من خلال التفاوض على عفو رئاسي عن تهم الرشوة والاحتيال وإساءة الأمانة التي يخضع لمحاكمتها حاليًا مقابل موافقته على التقاعد من العمل السياسي، وقد عمل حلفاؤه على الضغط للحصول على العفو ربما بتوجيه منه رغم عدم موافقته على الانسحاب من السياسة، ومع ذلك تبدو فرص حصوله على ذلك العفو ضئيلة وستصبح أقل دون اتفاق متبادل يضمن التقاعد مقابل العفو.
بدون نتنياهو على رأس القيادة سيجد حزب الليكود نفسه بلا بوصلة، فالحزب تحت قيادته تحوّل إلى مجموعة من الشخصيات الموالية أحيانًا بشكل هزلي ولا يملك أيّ منها القدرة على أن يكون وريثًا طبيعيًا للزعامة، وأظهرت استطلاعات الرأي أنه عند سؤال الجمهور عن من ينبغي أن يقود الليكود في حال غياب نتنياهو قال ما يقارب نصف المستطلعين إنهم غير متأكدين أو لا يعجبهم أي من الخيارات المطروحة، وجاء يوسي كوهين رئيس الموساد السابق في المرتبة الأولى بدعم 10% فقط من المستطلعين لكنه أعلن هذا الأسبوع عدم اهتمامه بالترشح أما جميع المرشحين الآخرين فقد حصلوا على دعم أحادي الرقم. في حال بقي نتنياهو على رأس الحكومة فإن مهمته ستكون إقناع “الإسرائيليين” بأن الحرب انتهت بـنصر كامل وأنه لم يُجبر على قبول وقف إطلاق النار تحت ضغط ترامب، وقد بدأ رئيس الوزراء الترويج لهذه الرسالة منذ ظهور خطة ترامب لكن عودة حماس إلى غزة ورسائل ترامب الخاصة قلّصت من مصداقية هذه الادعاءات، ومن بين الاستراتيجيات الأخرى التي يعتمدها نتنياهو محاولة توجيه الانتخابات لصالحه بما في ذلك ثني الأصوات العربية عن التصويت.
في المقابل يبدو أن اليمين المتطرف يحاول الظهور بمظهر قوي وإيديولوجي رغم غياب حرب للاحتفاء بها، وقد لجأ إلى التهديد بإعادة الحرب كما حدث بعد الهدنة السابقة في كانون الثاني لكن إدارة البيت الأبيض تبدو أكثر التزامًا من أي وقت مضى بإنهاء النزاع بشكل دائم، ويعمل اليمين المتطرف على الدفع بقوة نحو ضم الضفة الغربية وملفات أخرى خاصة بهم. فقد أصبح بيزاليل سموتريتش زعيم حزب الصهيونية الدينية يتحدث عن هذه القضية أكثر من أي وقت مضى متجاهلًا معارضة ترامب لها، وفي 23 تشرين الاول قال سموتريتش للسعوديين إن عليهم “الاستمرار في ركوب الجمال في صحراء السعودية” إذا أصروا على دولة فلسطينية مقابل التطبيع.
هناك أيضًا خطر متزايد من أن يحاول المستوطنون المتطرفون إشعال حرب في الضفة الغربية كبديل عن الحرب في غزة من خلال تكثيف هجماتهم على الفلسطينيين وهناك بعض المؤشرات على أن هذا بدأ بالفعل، ومع أن هذه الاستراتيجيات قد تثير قاعدة الحزبين اليمينيين، فإنها من غير المرجح أن توسع هذه القاعدة.
أما الأحزاب الحريدية فهي في وضع لا يقل تعقيدًا، فنتنياهو يرغب في تلبية مطالبها وإعفاء المجتمع الحريدي من الخدمة العسكرية رسميًا لكن الحرب في غزة استنزفت الجنود والاحتياطيين إلى حد أن فكرة منح استثناء لمجتمع واحد أصبحت سياسية محفوفة بالمخاطر، ومع خوفهم من العواقب الانتخابية أبقت الأحزاب قدمًا في الائتلاف وساهمت بما يكفي لتجنب انهياره لكن هذا الوضع غير مستدام.
على الرغم من كل هذه الصعوبات تظل المعارضة منقسمة وبدون قيادة واضحة، (نافطالي بينيت) اليميني البراغماتي الذي قاد لفترة وجيزة حكومة مختلطة من أحزاب يمينية ويسارية بين 2021 و2022 يطمح لأن يكون الزعيم البديل لنتنياهو من جانب المعارضة، يدعم هذا الطموح تصدر حزبه الجديد “بينيت 2026” للاستطلاعات مقارنة بالأحزاب الأخرى لكن دعم الحزب يُعتقد أنه غير مستقر وقد يتحول الناخبون إلى حزب آخر مع اقتراب موعد الانتخابات، وبغض النظر عما إذا نجح بينيت في أن يصبح الزعيم المتفق عليه للمعارضة وسيواجه صعوبة في الحفاظ على تحالف من الأحزاب التي تتحد فقط بهدف إسقاط نتنياهو وبالفعل فإن ضعف المعارضة قد يكون أفضل فرصة لنتنياهو للبقاء في السلطة.
المعارضة لا تقدّم رؤية بديلة “لإسرائيل” بقدر ما تنكر ما قامت به حكومة نتنياهو من سياسات انقسامية وهجوم على القضاء والمؤسسات وفساد وعجز إداري، ونتيجة لذلك قد تتحوّل انتخابات قد يراها “الإسرائيليون” تاريخية إلى مجرد استمرار للوضع القائم مع احتمال عودة نتنياهو إلى السلطة، فهل يمكن لفشل الانتخابات في تحقيق تغيير أن يؤدي إلى انفجار سياسي ربما في شكل احتجاجات أوسع؟ وإذا حدث ذلك فما الذي قد يطالب به المتظاهرون؟ لا توجد إجابات سهلة لهذه الأسئلة.
من جهة قد يخفف الرضا الجزئي عن الوضع العسكري بعد الحرب من حدة الاستياء إذ خرجت “إسرائيل” أقوى وأكثر أمانًا ولم تعد حماس أو حZب الله أو إيران تشكل التهديد ذاته، كما أن الاقتصاد “الإسرائيلي” صمد جيدًا نسبيًا خلال القتال وأظهرت الاستطلاعات أن الثقة في معظم المؤسسات لا تزال مرتفعة، وقد يحاول نتنياهو استخدام هذا لصالحه في الانتخابات عبر إعادة الهجوم على هذه المؤسسات لكن هذا قد ينعكس عليه سلبًا في مرحلة ما بعد الحرب. ومن جهة أخرى شعرت الحرب بكل فرد تقريبًا- من ذوي القتلى والرهائن إلى الأشخاص الذين اضطُروا للخدمة الاحتياطية لعدة أشهر، والعائلات التي تركت منازلها ومجتمعاتها في مناطق النزاع، قد تستغرق ظهور الأسئلة الجوهرية والشكاوى وقتًا لكنه أمر يبدو حتميًا.
وقد تكون مقارنة التاريخ مفيدة فرغم أن حرب يوم الغفران 1973 والانكماش الاقتصادي الذي تلاها كانا صدمة كبيرة “للإسرائيليين” استغرق الأمر أربع سنوات أخرى قبل أن يعاقب الناخبون الطبقة السياسية على أخطائها، وفي انتخابات 1977 فقد حزب العمل الذي حكم لما يقرب من ثلاثة عقود أغلبية الكنيست بينما تحولت “إسرائيل” إلى يمين أكثر وأكثر محافظة ودينية ورأسمالية، فهل يمكن أن تؤدي الحرب في غزة إلى تغيير مماثل في المجتمع “الإسرائيلي”؟ وإذا حدث ذلك في أي اتجاه سيكون؟ يبدو أن “الإسرائيليين” أنفسهم لم يحددوا الإجابة بعد.
* By David E. Rosenberg, The War Is Over for Israel, but the Accounting Has Yet to Begin Will voters settle the score with Bibi—or double down on him? FOREIGN POLICY, November 5, 2025.
** لمقتضيات الأمانة العلمية، وضرورات الترجمة الدقيقة، تم الإبقاء على كلمة (إسرائيل)، وهو لا يعني اعتراف المركز بها، وما هو مكتوب يمثل راي وأفكار المؤلف.



