الاكثر قراءةترجماتغير مصنف

تداعيات فشل غزو صيني محتمل لتايوان على قيادة شي جين بينغ

استعراض القوة في بكين يُخفي احتمال الهزيمة الفعلية

بقلم: بوني إس. غلاسر

ترجمة: صفا مهدي عسكر

تحرير: د. عمار عباس محمود

مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية

 

تكاد التقارير التي تتناول محاكاة حربية لهجوم صيني محتمل على تايوان تصدر بوتيرة أسبوعية، وغالبًا ما تُجري هذه التمارين مؤسسات أكاديمية ومراكز أبحاث وحكومات وتهدف في الأساس إلى اختبار كيفية استجابة القوات الأميركية وقوات الحلفاء ودفعها إلى أقصى حدودها العملياتية، ونتيجة لذلك تتركز معظم هذه السيناريوهات على التحديات التي قد تواجهها واشنطن وتايبيه وأطراف أخرى خلال الأيام أو الأسابيع الأولى من اندلاع النزاع.

غير أن هذه الدراسات نادرًا ما تتناول بصورة معمقة ما الذي قد يترتب على فشل عملية عسكرية صينية ضد تايوان، وفي دراسة جديدة نشرها (صندوق مارشال الألماني للولايات المتحدة) نحلّل تداعيات إخفاق عملية عسكرية صينية محتملة ضد تايوان ونخلص إلى أن الكلفة التي ستتحملها الصين ستكون باهظة للغاية، إذ ستواجه بكين تحديات جسيمة في أربعة مجالات مترابطة الاقتصاد والقدرات العسكرية والاستقرار الاجتماعي والتكاليف الدولية. وقد طُلب من الباحثين المشاركين في الدراسة النظر في سيناريوهين محتملين خلال السنوات الخمس المقبلة، في السيناريو الأول يتصاعد اشتباك محدود إلى حصار بحري صيني لتايوان يستمر عدة أسابيع، ورغم سقوط عشرات القتلى من الجانبين الصيني والتايواني فإن التدخل الأميركي يُجبر الصين في نهاية المطاف على خفض التصعيد. أما السيناريو الثاني فيتطور إلى غزو شامل يشمل ضربات صينية لا تستهدف تايوان فحسب بل تمتد أيضًا إلى القوات الأميركية في اليابان وغوام، وبعد أشهر من القتال العنيف تتعرض القوات الصينية لاستنزاف كبير، وتنسحب في نهاية المطاف بعد تكبدها عشرات الآلاف من القتلى.

ولم يكن الهدف من هذه السيناريوهات التنبؤ بالمسار الأرجح لصراع عسكري بقدر ما كان تقييم التداعيات بعيدة المدى على الاقتصاد الصيني والمؤسسة العسكرية والسياسة الداخلية والمكانة الدولية للصين، وقد جاءت النتائج قاتمة على نحو لافت بالنسبة لبكين ففي التقرير، يوضح لوغان رايت وتشارلي فيست- وهما من أبرز الخبراء في الاقتصاد الصيني وتداعياته العالمية ويعملان في مجموعة (روديوم) التي أجرت دراسات معمقة حول الآثار الاقتصادية لنزاع عبر مضيق تايوان- كيف يمكن لصراع واسع النطاق أن يترك الاقتصاد الصيني، بل والاقتصاد العالمي في حالة دمار بالغ.

ويخلص الباحثان إلى أن كلفة الصراع بالنسبة للصين قد تصل إلى تريليونات الدولارات مع احتمالات تصاعدها بصورة غير خطية نتيجة تفاعلات الأسواق المالية وتحولات تدفقات رأس المال وتقلبات أسعار الصرف، ومن جانبه يحلل جويل ووتنو أحد أبرز المتخصصين في السياسة الخارجية الصينية وجيش التحرير الشعبي التأثيرات المحتملة على المؤسسة العسكرية الصينية مشيرًا إلى أنها ستكون شديدة وقد تمتد آثارها لسنوات طويلة، ويؤكد أن أي استخدام للقوة يؤدي إلى خسائر بشرية في صفوف الجيش ينطوي على مخاطر جسيمة بالنسبة لقيادة الحزب الشيوعي الصيني إذ قد لا يهدد العمليات المستقبلية ضد تايوان أو أطراف أخرى فحسب بل قد يفضي أيضًا إلى توترات في العلاقة بين الحزب والجيش.

 

 

وإذا ما تعرّض الاقتصاد الصيني والقدرات العسكرية لأضرار جسيمة في نزاع عبر المضيق فإن انعكاسات ذلك على الاستقرار الاجتماعي قد تكون بالغة الخطورة كما يوضح كل من شينا تشستنَت غرايتنز وجيك رينالدي، اللذين يقدمان أبحاثًا متقدمة حول السياسة الخارجية الصينية والسلطوية والأمن الداخلي أما التكاليف الدولية فيتناولها (زاك كوبر) المتخصص في الاستراتيجية الأميركية في آسيا مشيرًا إلى أن صراعًا كبيرًا قد يعيد الصين عقودًا إلى الوراء على الساحة الدولية، وهي تكاليف لا ينبغي التقليل من شأنها في حسابات صانعي القرار في بكين. ومن غير المستغرب أن تكون تبعات حرب كبرى أشد وطأة بكثير من تبعات نزاع محدود، غير أن اللافت هو أن التكاليف الاقتصادية والعسكرية والسياسية والدبلوماسية تتسم بوجود (نقاط تحوّل) يصعب إن لم يكن يستحيل التنبؤ بها بدقة، فهذه الكلف لا ترتفع بشكل خطي أو قابل للتوقع بل قد تتفاقم بسرعة وبصورة حادة مع إطالة أمد الصراع وازدياد حدّته ففي جميع المجالات الأربعة توجد عتبات حرجة قد تؤدي إلى تصعيد مفاجئ وخطير للمخاطر التي تهدد المصالح الصينية.

فعلى سبيل المثال قد يتباطأ النمو الاقتصادي الصيني بدرجة أكبر إذا ما لجأ المجتمع الدولي إلى فرض عقوبات صارمة خلال نزاع حول تايوان أو بعده ومن شأن ذلك أن يفاقم المخاوف المتعلقة بالاستقرار الاجتماعي ويقيد قدرة بكين على إعادة بناء جيش التحرير الشعبي بعد انتهاء الصراع، وبالمثل فإن الخسائر العسكرية الكبرى قد تؤدي إلى تصاعد القلق الداخلي وتدفع القيادة الصينية إلى مزيد من تركيز السلطة والابتعاد عن الانفتاح الاقتصادي والانخراط الدولي، ولا شك أن التفاعلات داخل الحزب الشيوعي ستكون معقدة وقد تضع الرئيس شي جين بينغ تحت ضغوط سياسية كبيرة. وتُعدّ حسابات المخاطر لدى شي جين بينغ عنصرًا محوريًا لفهم ما إذا كانت بكين ستلجأ إلى عمل عسكري ضد تايوان وفي أي ظروف، فمثل هذا القرار ستكون له تبعات عميقة لا على الصين فحسب بل على شي شخصيًا، إذ إن ربطه شرعيته السياسية بالحلم الصيني القائم على وضع البلاد على مسار لا رجعة فيه نحو النهضة الوطنية بحلول عام 2049 قد رفع سقف التوقعات إلى مستويات عالية للغاية.

غير أن أي نزاع عسكري حول تايوان ينطوي على مخاطر اضطراب اقتصادي واسع النطاق وخسائر عسكرية كارثية واحتمالات اضطراب اجتماعي كبير، وعقوبات دولية قاسية- وهي عوامل قد تحوّل هذا الحلم إلى كابوس وتقوّض سلطة شي السياسية، ومن ثمّ يتعين على قيادته موازنة المكاسب المتصورة لاستخدام القوة لتحقيق إعادة التوحيد مقابل التكاليف الواقعية الباهظة المحتملة.

ومع ذلك قد يختار شي المضي قدمًا رغم هذه المخاطر فكثيرًا ما يتجاهل القادة الوطنيون الكلف العالية إذا اعتقدوا أن الفوائد المتوقعة كبيرة أو إذا هيمنت الاعتبارات السياسية الداخلية على حساباتهم، وقد يخلص شي إلى أن الامتناع عن التحرك سيكون أكثر كلفة عليه شخصيًا من اتخاذ قرار محفوف بالمخاطر يراه ضروريًا لإظهار الحزم، كما قد يخشى أن يُنظر إلى أي تراجع أمام تايوان أو الولايات المتحدة بوصفه ضعفًا يهدد إرثه السياسي أو يفتح الباب أمام تحديات من متشددين داخل الحزب أو المؤسسة العسكرية.

ويزخر التاريخ بأمثلة على سوء التقدير الذي قاد إلى حروب مدمرة كما في الحرب الكورية حين أساء كيم إيل سونغ تقدير نيات الولايات المتحدة أو في الحرب العالمية الأولى حين أخطأت القوى الأوروبية في تقدير مسار الحرب واستعداد خصومها للقتال، وفي ضوء حملات التطهير الأخيرة داخل الجيش الصيني ليس من المستبعد أن يتردد كبار الضباط في إبلاغ شي بعدم قدرة الجيش على تنفيذ بعض العمليات العسكرية بنجاح ضد تايوان، وكما هو الحال مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبيل غزو أوكرانيا قد يُقلّل شي من شأن المخاطر والتكاليف الحقيقية للعمل العسكري. وتتعدد بالتالي أسباب القلق من أن الردع قد لا يصمد رغم وضوح المخاطر فقد يبالغ القادة الصينيون في تقدير قدراتهم الذاتية أو يقللوا من شأن قدرات تايوان أو الولايات المتحدة أو الأطراف الثالثة أو من مدى استعدادها للمواجهة، وفي الأنظمة السلطوية الشخصية غالبًا ما تفتقر النخب المحيطة بالقائد إلى الحوافز اللازمة لنقل الأخبار السيئة وهو درس برز بوضوح في التجربة الروسية، كما أن غياب خبرة جيش التحرير الشعبي في خوض حروب كبرى- إذ لم يشارك في نزاع واسع النطاق منذ الغزو المحدود لفيتنام عام 1979- يحدّ من قدرة القيادة الصينية على تقييم فاعلية جيشها في صراع عالي الكلفة والمخاطر ورغم أن هذا النقص في الخبرة ينبغي أن يدعو إلى الحذر فإنه قد يغذي أيضًا نزعات المغامرة.

وبديلًا عن ذلك قد يقرر شي أو خلفاؤه أن فرص النجاح وإن كانت محدودة أفضل من عدم التحرك وأن المخاطر يمكن إدارتها، كما أن خطوات تتخذها واشنطن أو تايبيه- مثل إعلان استقلال تايوان أو اعتراف دبلوماسي أميركي بها- قد تدفع القادة الصينيين إلى الاعتقاد بأن التحرك العسكري بات ضرورة لمنع تدهور موقع الصين الاستراتيجي، وقد تختار بكين أيضًا تنفيذ عملية عسكرية محدودة لاختبار قدراتها أو رد فعل تايوان أو مدى التزام الولايات المتحدة وهي عملية قد تنزلق بسهولة إلى نزاع أوسع.

وفي كلتا الحالتين قد يبدأ القادة الصينيون عملاً عسكريًا ضد تايوان دون توقع نصر سهل، بدافع الخشية من أن عدم التحرك ستكون له عواقب أشد، ويزداد هذا الاحتمال إذا اعتقدوا بوجود مسارات متعددة لخفض التصعيد بعد اندلاع القتال، وبأن مخاطر التصعيد والتكاليف بعيدة المدى ستكون قابلة للاحتواء.

غير أن صمود الردع يتطلب من صانعي السياسات في تايبيه وواشنطن وغيرهما إقناع بكين بقدرتهم على صد أي عملية عسكرية صينية وبالتزامهم بذلك، وبأن كلفة الفشل ستكون مرتفعة وأن هناك بدائل أفضل من خوض الحرب، وهي مهمة بالغة الصعوبة ولا سيما قبل اندلاع أي نزاع.

ومع ذلك تُظهر الدراسات الواردة في هذا الإصدار أن كلفة فشل عملية عسكرية صينية ضد تايوان ستكون جسيمة وطويلة الأمد ولا سيما في حال نشوب صراع واسع النطاق، فالتاريخ حافل بأمثلة العمليات البرمائية الفاشلة ويشير بوضوح إلى أن إخفاقًا من هذا النوع ستكون له تداعيات سلبية عميقة على الاقتصاد الصيني، والقدرات العسكرية والاستقرار الاجتماعي والمكانة الدولية للصين.

 

* By Bonnie S. Glaser and Zack Cooper, A Failed Chinese Invasion of Taiwan Would Be Disastrous for Xi JinpingBeijing’s saber-rattling conceals the real possibility of a loss, FOREIGN POLICY, January 19, 2026.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى