الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
التنظير خارج النسق الغربي.. نحو نظرية جديدة في الدراسات الدولية

بقلم: أ.د إبراهيم حردان مطر
الجامعة العراقية/ كلية القانون والعلوم السياسية
هل مازالت النظريات السياسية كافية لدراسة المستجدات السياسية من اجل التفسير وتقديم الحلول؟ اليس الواقع الدولي جدير بإعادة دراسته ومعالجة قضاياه وفق طرح نظري جديد يتجاوز الطروحات التقليدية ويؤسس لنسق فكري بنيوي ارشادي قادر على تقديم الحلول للمشكلات الدولية لا سميا التي تعاني من تداخل مركب في القضايا والادوار جعل دول ومناطق اقليمية تعاني من دوامة الازمات وتفاقم التحديات؟
في كل لحظة تاريخية تتأزم فيها العلاقات الدولية، تنشأ الحاجة الى إعادة التفكير في الاسس النظرية التي تحكم فهمنا للعالم، فالنظرية ضمن هذا الميدان هي منظومة مفاهيمية تهدف الى تفسير الظواهر وتحديد العلاقة بين المتغيرات وصياغة فرضيات قابلة للاختبار ضمن أطار معرفي منظم، وهي ليست مجرد ادوات تفسير بل انعكاساً لرؤى حضارية ومواقف فلسفية ومصالح استراتيجية.
من الواقعية الى البنائية، مسارات التنظير التقليدية، فالواقعية الكلاسيكية ظهرت كرد فعل على المثالية ما بين الحربين العالميتين فصاغت العالم كحلبة صراع تحكمها القوة والمصلحة حيث الدولة هي الفاعل المركزي. والليبرالية حاولت ان توازن هذه التصورات فطرحت امكانية التعاون ودور المؤسسات الدولية، لكنها بقيت أسيرة منطق الدولة القومية. اما البنائية فجاءت لتفتح المجال أمام فهم أعمق للهويات والمعاني والبنى الاجتماعية التي تشكل سلوك الدول لكنها بقيت تفسيرية أكثر منها توجيهية.
على الرغم من تنوع النظريات، ظل حقل الدراسات الدولية يعاني من مركزية غربية لا تهدف الى اعادة التفسير للواقع فحسب، بل واعادة تشكيله وفق مصالحه ومن تجاهل منهجي للفاعلين الاقليمين ولم تُصغ نظريات تنبع من تجارب دول عانت من التهميش او انها اصبحت ضحية لصدام القوى الاخرى وتسعى الى اعادة بناء دورها الحضاري. في هذا السياق تبرز الحاجة الى نظرية جديدة لا تكتفي بتفسير الواقع بل تسعى الى تغييره تعيد تعريف السيادة والدور والفاعلية ليس من موقع الدفاع بل من موقع البناء والتمكين، نظرية لا تستورد بل تبنى من السياق وتصاغ بلغة رمزية ومؤسسية قادرة على التأثير في الوعي والسياسات معاً.
ففي كل حقل معرفي تأتي لحظة يصبح فيها الاستمرار في اعادة تدوير المفاهيم القائمة ضرباً من العجز النظري، فالعلاقات الدولية على الرغم من كثافة انتاجها النظري تعاني من غياب نظرية تنبع من الأطراف ومن السياقات التي لا تقاس بموازين القوة التقليدي بل بموازين المعنى والقدرة على اعادة تعريف الذات والدور والقدرة على انتاج المعايير لا بالقدرة على فرض السيطرة.
ان الحاجة الى صياغة نظرية مرتبطة بالواقع يجعلها أكثر قدرة على تفسير مشكلاته ومعالجتها ومن ثم تكسب شرعيتها المعرفية بدل من الاعتماد على الاطروحات التنظيرية التي بنيت وفق سياق تاريخي خاص بها، ان الهدف الاساس لا يكمن في السعي الى صياغة نظرية تكسر احتكار الغرب لها وانما الى ايجاد بناء فكري تفسيري ارشادي نابع من الواقع وقادر على صياغة الحلول وتحويل المتعذر الى ممكن والصراع الى تلاقي وتعاون. ان بناء نظرية نابعة من الحاجة يعني الانتقال من التبعية الفكرية والمعرفية الى الابداع المحلي ومن التفسير المجرد الى الحلول العلمية والعملية الاكثر انسجاما مع الواقع والاكثر قدرة على التطور كونها الاكثر مرونة واستجابة لمعطيات الواقع ومستجداته ورفضا للمعالجات المنتجة غربيا والتي توجب تكيف الواقع معها.
ان الانساق الفكرية الغربية سواء اكانت على صعيد النظم السياسية ام العلاقات الدولية ولدت من رحم تجربتها التاريخية وبنيت وفقا منظورها الخاص بها قدر تعلق الامر بتنظيم العلاقة بين المحكوم والحاكم او بين الفرد والمجتمع، استطاع من خلال سطوته المعرفية والمؤسسية على تسويق نتاجاته واقرانها بالنجاح عند التطبيق في بيئة غير بيئتها التي صيغت منها وفيها، الامر الذي افشل السياق عند تطبيقه في غير بيئته بل واغرق العباد في دوامة الصراع، اليوم تشهد اغلب دول عالم الجنوب معضلة مركبة سواء اكانت على صعيد بناء نظامها السياسي ام على صعيد علاقتها الخارجية فهي غارقة في متاهة الشرعية الداخلية وصراع المصالح، عليه اصبح السؤال هل هي مشكلة بناء نظام سياسي ام مشكلة بناء منظومة علاقات ناجحة؟
إذا هي دعوة للمتخصصين والمراكز البحثية من اجل العمل على صياغة فكرية تطبيقية ضمن بناء انموذج معرفي نابع من الحاجة ويشكل استجابة للتحدي هادف الى تقديم الحلول بعيدا عن النقل والاقتباس، فليس كل تجارب الاخرين ناجحة في معالجة مشاكل الذات.



