الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف
جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بين الانتهاك الدستوري والتمويه السياسي

بقلم: أ. د. مصدق عادل
كلية القانون/ جامعة بغداد
بعد أنْ نجح مجلس النواب العراقي في انتخاب رئيس المجلس ونائبيه في الجلسة الأولى المنعقدة بتاريخ 29 كانون الأول 2025 وبما ينسجم مع التحديد الدستوري الصريح المكرس في المادة (55) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 فقد اتجهت انظار العراقيين والمختصين إلى الواجب الثاني المفروض على أعضاء مجلس النواب بشأن استكمال الاختصاص التأسيسي المتمثل بانتخاب رئيس الجمهورية خلال مدة (30) يوماً تبتدأ من التاريخ المحدد لانعقاد الجلسة الأولى.
وعلى الرغم من استكمال جميع المتطلبات الدستورية والقانونية والسياسية اللازمة لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية بتاريخ 27 كانون الثاني 2025، غير أنه تفاجأ العراقيين بعدم تحقق نصاب انعقاد جلسة مجلس النواب، رافقها تقديم الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب الاتحاد الوطني طلباً الى رئيس مجلس النواب لغرض تأجيل الجلسة لحين الاتفاق السياسي.
ومن اجل بيان مدى دستورية تأجيل جلسة انتخاب الرئيس، وتحديد طبيعة المدة الدستورية المحددة، فضلاً عن بيان الجزاء الدستوري المترتب على عدم الالتزام بالنصوص الدستورية لذا سنتناول ذلك تباعاً كالاتي:
أولاً: إجراءات انتخاب رئيس جمهورية العراق
عالج دستور جمهورية العراق لسنة 2005 إجراءات انتخاب رئيس الجمهورية، اوجبت المادة (72/ثانياً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 اجراء الانتخاب من قبل مجلس النواب خلال مدة لا تتجاوز (30) يوماً بالنص “ثانياً/ب- يستمر رئيس الجمهورية بممارسة مهماته الى ما بعد انتهاء انتخابات مجلس النواب الجديد واجتماعه، على ان يتم انتخاب رئيس جديد للجمهورية خلال ثلاثين يوماً من تاريخ اول انعقاد للمجلس”.
وبهذا يتضح أن المدة المحددة وهي (30) يوماً يتم احتسابها من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب، وليس من تاريخ استكمال انتخاب رئيس مجلس النواب ونائبيه.
اما بالنسبة لالية انتخاب رئيس الجمهورية فحددتها المادة (70) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 بالنص”أولاً: ينتخب مجلس النواب من بين المرشحين رئيساً للجمهورية بأغلبية (ثلثي) عدد أعضائه.
ثانياً: إذا لم يحصل أي من المرشحين على الأغلبية المطلوبة، يتم التنافس بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات، ويُعلن رئيساً من يحصل على أكثرية الأصوات في الاقتراع الثاني
يتضح من المادة أعلاه اشتراط المشرع الدستوري حصول المرشح لمنصب رئيس الجمهورية على (220) نائباً في الجولة الأولى من اجل اعتباره فائزاً بهذا المنصب، وبخلاف ذلك أي في حالة عدم حصول المرشح على هذه الأغلبية يصار الى إعادة الانتخابات في الجولة الثانية بين المرشحين الاثنين الأعلى عدداً، غير انه لا يشترط في هذه الجولة الحصول على أكثرية الثلثين، وانما يعد فائزاً من حصل على اعلى الأصوات.
وعلى الرغم من ان نصاب انعقاد جلسات مجلس النواب في الدورات النيابية السابقة قد استقرت على تحققها بنفس نصاب انعقاد الجلسة العادية لمجلس النواب، والتي تتمثل بالأغلبيةالمطلقة لعدد أعضاء المجلس التي تبلغ (165) نائباً وفقاً للمادة (59/اولاً) من الدستور، غير ان المحكمة الاتحادية العليا قد عدلت تفسير هذا النص في قرارها (16/اتحادية/2022) في
3 شباط 2022 الذي جاء فيه “ينتخب مجلس النواب رئيساً للجمهورية من بين المرشحين لرئاسة الجمهورية بأغلبية ثلثي مجموع عدد أعضاء مجلس النواب الكلي ويتحقق النصاب بحضور ثلثي مجموع عدد أعضاء مجلس النواب الكلي”.
ويكمن السبب في اشتراط هذه الأغلبية هو من اجل تحقيق التوافق شبه الكلي بين مكونات الشعب من اجل مراعاة المركز الدستوري لرئيس الجمهورية باعتباره رمز وحدة الوحدة والسهر على حماية نصوص الدستور وفق المادة (67) من الدستور.
ثالثاً: طبيعة المدد الدستورية لانتخاب رئيس الجمهورية
تعد المدة المحددة لانتخاب رئيس الجمهورية من المدد الامرة والملزمة التي لا يجوز لأي سلطة من السلطات العامة مخالفتها، كونها جاءت على سبيل الاستثناء من المبدأ العام المقرر في المادة (72/اولاً) من الدستور التي حددت مدة ولاية رئيس الجمهورية بأربع سنوات، ومن ثم يتوجب تطبيق القاعدة الفقهية التي تنص (ما جاء على سبيل القياس فغيره لا يقاس عليه).
وبناء على ما تقدم فلا يجوز لمجلس النواب توسيع الاستثناء الدستوري بشأن مدة ولاية رئيس الجمهورية العادية أو الاستثنائية الا بنصوص دستورية صريحة، وليس باجتهاد سياسي.
رابعاً: مدى احقية الحزبين الكرديين في تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية
يقضي العرف السياسي بتقاسم الرئاسات الثلاثة على أساس المحاصصة الطائفية، ومن ثم استحقاق المكون الكردي لمنصب رئيس الجمهورية.
على الرغم من التحديد الدستوري الصريح لمدة انتخاب رئيس الجمهورية في المادة (72/ثانياً/ب) من الدستور، غير ان مفاجئة العراقيين بقيام الحزبين الرئيسين في إقليم كوردستان العراق (الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني) بتقديم طلب مكتوب في اليوم المحدد لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية بتاريخ 27 كانون الثاني 2025 يتضمن طلب تأجيل جلسة انتخاب الرئيس لحين الاتفاق على مرشح موحد لرئاسة الجمهورية.
غير ان رئيس مجلس النواب لم يوافق على طلب التأجيل، وتم عقد جلسة انتخاب الرئيس بحضور رئيس المجلس ونائبيه وعدد من النواب لا يتجاوز (85) نائباً، ونتيجة عدم اكتمال نصاب انعقاد الجلسة المحددة بـ(220) نائباً وفقاً لقرار المحكمة الاتحادية العليا فقد تم رفع الجلسة من قبل رئيس مجلس النواب لغرض التداول مع رؤساء الكتل النيابية في الجلسة الدستوري، وبعد اكتمال المداولة واستئناف الجلسة قام رئيس مجلس النواب بإبلاغ النواب الحاضرين بتقديم طلب تأجيل الجلسة من قبل الحزبين الكرديين، ثم ذكر عدد نصاب الحضور وهو (85) نائباً، ثم ابلغ رئيس المجلس أعضاء المجلس بعدم وجود مخالفة نصوص الدستور، ثم قام برفع الجلسة دون تحديد الموعد القادم لانتخاب رئيس الجمهورية.
وبهذا يتضح ان هناك العديد من الاعتبارات السياسية التي تم مراعاتها بشان قبول طلب تأجيل الجلسة رغم فقدانها الأساس الدستوري والقانوني لها، فضلاً عن ارتباط التأجيل بتأخير عملية تكليف رئيس الجمهورية المنتخب لمرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء.
ونرى من جانبنا ان ادعاء رئيس المجلس قبل رفع الجلسة بعدم مخالفة نصوص الدستور يعد تزيداً لا مبرر له، حيث اننا نرى ان مجرد انتهاء المدة الدستورية المحددة في المادة (72/ثانياً/ب) من الدستور وهي (30) يوماً فان رئيس المجلس يعد مع نائبيه و اعضاء مجلس النواب الحاضرين والغائبين قد خالفوا المدد الدستورية الامرة، فضلاً عن المخالفة الصريحة لأحكام النظام الداخلي لمجلس النواب رقم (1) لسنة 2022، وبالأخص في ظل عدم التزام رئيس المجلس ونائبيه بنشر أسماء غياب النواب وحضورهم في نشرة المجلس كما يوجبه النظام الداخلي، فضلا ًعن عدم قيام رئيس المجلس بقطع مبلغ من راتب ومخصصات النائب البالغ (1000000) مليون دينار بسبب الغياب عن حضور جلسة انتخاب رئيس الجمهورية.
خامساً: الجزاء الدستوري المترتب على عدم انتخاب رئيس الجمهورية ضمن المدة الدستورية المحددة
على الرغم من عدم تحديد المشرع الدستوري العراقي بصورة صريحة الجزاء الدستوري الواجب فرضه على عدم التزام رئيس وأعضاء مجلس النواب بانتخاب رئيس الجمهورية ضمن المدة الدستورية المحددة وهي (30) يوماً من الجلسة الأولى لانعقاد مجلس النواب، غير أن ذلك لا يمنعنا من تكييف المخالفة الدستورية المرتكبة من قبل أعضاء مجلس النواب بانه (حنث في اليمين الدستورية) التي سبق وان ادوها قبل شهر وفقا ًللمادة (50) من الدستور، حيث لم يلتزم رئيس وأعضاء مجلس النواب بأداء مهامهم ومسؤولياتهم القانونية لتفان وإخلاص، كما لم يتم الالتزام بتطبيق التشريعات لأمانة وحياد وبالتحديد المادة (70/ثانياً/ب) من الدستور.
وبهذا يكون النواب قد حنثوا في اليمين الدستوري التي سبق وان ادوها بالحفاظ على احكام الدستور وتطبيق احكامه، وهو الامر الذي يجعلهم فاقدي الشرعية، وبالأخص ان المدد المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية تعد من المدد الامرة والملزمة لجميع السلطات وبضمنها مجلس النواب.
ونشير بهذا الصدد الى انه سبق للمحكمة الاتحادية العليا ان اقرت جزاءاً دستورياً على الحنث في اليمين الدستورية من قبل رئيس مجلس النواب السابق (محمد الحلبوسي) وذلك بموجب قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (9/اتحادية/2023) الصادر في 14 تشرين الثاني 2023.
سادساً: الخيارات الدستورية للخروج من ازمة الحنث في اليمين الدستورية من قبل رئيس واعضاء مجلس النواب
هناك ثلاثة طرق لغرض الخروج من جريمة الحنث في اليمين الدستورية من قبل رئيس وأعضاء مجلس النواب، والتي نجملها بالآتي:
-
تتمثل بمثابرة ومواظبة رئيس مجلس النواب ونائبيه وأعضاء المجلس على عقد جلسة انتخاب رئيس الجهورية بصورة يومية متكررة من اجل القول بانتفاء القصد الجنائي في جريمة الحنث في اليمين الدستورية، وإظهار التأكيد بالنص الدستوري الحاكم لمسألة انتخاب رئيس الجمهورية.
-
توجيه طلب تفسير من رئيس مجلس النواب الى المحكمة الاتحادية العليا لغرض تفسير المادة (72/ثانياً/ب) من الدستور؟ وتحديد طبيعة هذه المدة، ومدى اعتبارها من المدد الامرة أو المدد التنظيمية.
الخاتمة
ندعو رئيس وأعضاء مجلس النواب الى المحافظة على صيغة اليمين الدستورية أو يمين الإخلاص للدستور، وعدم إعطاء صورة سلبية للشعب الذي انتخبهم بحنثهم اليمين الدستورية منذ الشهر الأول لبداية الدورة النيابية.
كما ندعو رئيس مجلس النواب الى تطبيق قرارات الغياب والحضور وقطع الراتب ضد المتغيبين عن حضور الجلسات القادمة لمجلس النواب.



