الاكثر قراءةتحليلات و آراءغير مصنف

مستقبل الأكراد في سوريا.. سيناريوهات ما بعد الجمود السياسي

بقلم: الباحثة سرى سعد عبد

جامعة كركوك/ كلية القانون والعلوم السياسية

 

تتجه المسألة الكردية في سوريا نحو مرحلة إعادة تموضع سياسي مع انحسار العمليات العسكرية الواسعة وتراجع منطق الحسم بالقوة، مقابل تصاعد الحاجة إلى تسويات سياسية شاملة تعيد تعريف شكل الدولة السورية ومستقبل مكوناتها. ولم تعد القضية الكردية تُختزل في بعدها الأمني أو العسكري، بل أضحت إشكالية سياسية ودستورية تتصل بطبيعة النظام السياسي السوري، وبالعلاقة بين المركز والأطراف، وبإمكانية استيعاب التعدد القومي ضمن إطار الدولة الوطنية الموحدة. وفي هذا السياق، يبرز الأكراد بوصفهم فاعلًا لا يمكن تجاوزه في أي مشروع لإعادة بناء الدولة السورية.

وقد مثّلت تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا نموذجًا عمليًا للحكم المحلي نشأ في سياق انهيار السلطة المركزية منذ عام 2011. واستطاعت هذه التجربة، مستفيدة من الفراغ الأمني والدعم الدولي في إطار الحرب على تنظيم د1عش، أن ترسّخ هياكل إدارية وأمنية فرضت نفسها كأمر واقع. غير أن هذه التجربة، رغم ما حققته من استقرار نسبي، ما زالت تفتقر إلى الاعتراف الرسمي الداخلي والإقليمي، الأمر الذي يجعل استدامتها مرهونة بعوامل خارجية ومتغيرات سياسية لا تخضع بالكامل لإرادتها الذاتية.

ويواجه المشروع السياسي الكردي في سوريا تحديًا مركزيًا يتمثل في كيفية الانتقال من شرعية الأمر الواقع إلى شرعية سياسية ودستورية معترف بها وطنيًا. فاستمرار الإدارة الذاتية خارج إطار الدولة السورية يعمّق حالة الانفصال السياسي ويجعلها عرضة للضغوط الإقليمية، ولا سيما من قبل تركيا التي تنظر إلى أي كيان كردي مستقل أو شبه مستقل على حدودها الجنوبية باعتباره تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي. كما أن غياب توافق كردي- كردي داخلي، وتعدد المرجعيات السياسية والعسكرية، يضعف الموقف التفاوضي ويحدّ من القدرة على بلورة رؤية موحدة للمستقبل.

 

في ضوء هذه المعطيات، يمكن استشراف عدة مسارات محتملة لمستقبل الأكراد في سوريا. يتمثل المسار الأكثر استقرارًا في الاندماج التفاوضي ضمن دولة سورية لامركزية، تقوم على إعادة صياغة العقد الاجتماعي بما يضمن توزيعًا أكثر توازنًا للسلطة، ويكفل الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد ضمن إطار السيادة السورية. ويُعد هذا المسار الأقل كلفة من حيث الصدامات، كما أنه يحظى بقبول نسبي لدى بعض الفاعلين الدوليين الباحثين عن تسوية مستدامة للأزمة السورية.

 

في المقابل، يقوم مسار آخر على استمرار الوضع الراهن، حيث تبقى الإدارة الذاتية قائمة ككيان غير معترف به رسميًا، يعتمد في بقائه على التوازنات الدولية المؤقتة. ورغم أن هذا السيناريو قد يوفر استقرارًا مرحليًا، إلا أنه يكرّس حالة من الهشاشة السياسية، ويجعل المكتسبات القائمة عرضة للتآكل مع أي تحول في مواقف الداعمين الدوليين أو أي تصعيد إقليمي مفاجئ. كما أن استمرار هذا الوضع يعمّق القطيعة مع الدولة السورية، ويؤجل معالجة القضايا الجوهرية المتعلقة بالهوية والانتماء السياسي.

 

أما المسار الثالث فيتمثل في التراجع القسري للدور الكردي، سواء نتيجة تصاعد الضغوط الإقليمية أو بفعل تغير أولويات القوى الدولية المنخرطة في الملف السوري. وفي هذه الحالة، قد تجد القوى الكردية نفسها أمام واقع سياسي جديد يعيد إنتاج التهميش ويقوّض المكاسب التي تحققت خلال سنوات الصراع، ما يفتح الباب أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار في شمال وشرق سوريا.

 

إن مستقبل الأكراد في سوريا لا يرتبط بقدرتهم على الحفاظ على السيطرة الميدانية أو امتلاك القوة العسكرية، بقدر ما يتصل بقدرتهم على إعادة تعريف دورهم بوصفهم فاعلًا وطنيًا ضمن الدولة السورية، لا كحالة استثنائية فرضتها ظروف الحرب. فالمعادلات العسكرية بطبيعتها مؤقتة ومتغيرة، في حين أن التسويات السياسية والدستورية وحدها القادرة على إنتاج استقرار طويل الأمد. ومن هنا، فإن نجاح الأكراد في المرحلة المقبلة مرهون بقدرتهم على التحول من منطق الإدارة بحكم الأمر الواقع إلى منطق الشراكة السياسية، حيث تُبنى الحقوق وتُصان المكتسبات عبر التفاوض والمؤسسات، لا عبر السلاح.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى